دراسة مختصرة حول أسباب تخلفنا

محمود يوسف بكير
2017 / 4 / 27

السؤال الذي يشغلنا دائما كاقتصاديين في قضية التخلف والتقدم هو لماذا فشلنا في تنمية بلادنا واللحاق بالعالم المتقدم سواء في الشرق أو الغرب. وهل الاقتصاد هو العامل الحاكم في مسألة التخلف أم أنها السياسة ونظم الحكم أم أنها العقائد والعادات السائدة أم انها الثقافة والافكار ونظام التعليم. ...الخ
بالطبع كل هذه العوامل مسؤولة ولكن من هو العامل الرئيس وراء ضياعنا؟
في اعتقادنا أننا لو نجحنا في تحديد هذا العامل بعقلانية وبشكلٍ مقنع للأغلبية فإننا قد نتمكن من التعامل مع مشكلة التخلف الحضاري وتبني نموذجا للتنمية المستدامة في مجتمعاتنا.
وفي هذا فقد سبق أن عرضنا في هذا الموقع الافكار الأساسية لكتاب هام صدر في أمريكا منذ عدة سنوات بعنوان "لماذا تفشل الدول" ومن أهم افكاره أن التخلف ليس سببه الجغرافيا أو المناخ أو الثقافة بل ان سببه من صنع الإنسان ذاته من خلال نوعية المؤسسات السياسية والاقتصادية التي ينشأها لإدارة واستغلال الموارد الطبيعة والبشرية المتاحة بشكلٍ يضمن حسن استغلالها واستمرارها. أي ان مشكلة التخلف هي مشكلة نظم حكم بالية ومؤسسات ضعيفة وعديمة الفاعلية بحسب كتاب "لماذا تفشل الدول".
وقد أسهم هذا الكتاب الضخم بعرضه للكثير من تجارب الدول عبر التاريخ في تغيير بعض قناعاتي في تناول ظاهرة التخلف بمعنى أنني ازددت قناعة بأن السياسية ونظم الحكم لدينا كعرب هي التي خذلتنا وأضاعة طاقاتنا ومواردنا هباءا وجعلتنا موضع تندر العالم وحالات عملية لدراسات التخلف والفشل.
وكما قلت في مقالات سابقة لي فإن أنظمة الحكم لدينا لم تعي بعد أن تكلفة تنمية الشعوب أقل بكثير من تكلفة قمعها.
إن ما ينقصنا بالفعل لتحقيق تنمية اقتصادية وبشرية حقيقة هو قيادات مستنيرة وملهمة ومخلصة لشعوبها، قيادات تؤمن بان المعارضة وحرية التعبير والاختلاف في الرأي هي معطيات هامة وضرورية في نظم الحكم الرشيدة أو ما نسميه في الغرب بال Good Governance والذي يعني وجود سلطات تنفيذية وتشريعية وقضائية وإعلام ومنظمات مجتمع مدني قوية ومستقلة عن بعضها البعض وهو ما يمكن كل هذه السلطات والمنظمات من أحداث حالة من التوازن في موازين القوى داخل الدولة والرقابة على بعضها البعض بدلا من تركيز كل هذه القوى في يد شخص واحد أو عائلة واحدة لا تخضع لأي نوع من المسآلة كما هو حاصل الآن في عالمنا العربي.
وقد ثبت عبر تاريخ الفكر الاقتصادي أن أنظمة الحكم الاستبدادية لا يمكنها أن تحقق لشعوبها ما نسميه بالتنمية المستدامة والتي تقوم في مفهومها الغربي التقليدي على ثلاثة اعمدة هي التنمية الاقتصادية والتنمية البشرية وحماية البيئة والمواد الطبيعية من أجل مصلحة أجيال المستقبل وليس أجيال الحاضر فقط. حيث ثبت لدينا أن هناك عمود آخر يبدو في الاقتصاديات المتقدمة وكأنه مخفي ولكنه في الحقيقة حاضر وبقوة ألا وهو الحوكمة الجيدة التي ذكرناها توا، ولأنها معطى بديهي ومضمون في الانظمة المتقدمة فإن أدبيات التنمية هناك لا تهتم به كثيرا.
إن الحوكمة الجيدة والسلطات القوية والمستقلة هي التي تحمي أدمية المواطن وتشعره بالأمان والانتماء لوطنه وهي ما يجعله يشارك بشكل فاعل في تنميته وتقدمه ورفعته بين الأمم.
نعم لدينا في العالم العربي برلمانات وجامعات واجهزة رقابية وإعلامية "مستقلة " وقضاء "شامخ". ...الخ ولكنها لا تزيد عن كونها هياكل وديكورات مفرغة من الداخل. ولو أنك دخلت مثلا أي برلمان عربي فسوف تجد أن أغلب أعضائه من المنافقين والأفاقين وناهبي المال العام وهم لا يمثلون غير أنفسهم وبطانتهم ولا يجيدون إلا التطبيل ورفع الشعارات. وقس على هذا باقي مؤسسات الدولة.
وحتى ما تحقق في بعض دولنا من معدلات نمو مرتفعة وبعض التنمية الإقتصادية كما حدث في تونس ومصر وسوريا قبل عام 2011 لم يستفد منها الفقراء كثيرا بل إنها أدت الى زيادة معدلات الفساد واتساع فجوة الدخل بين الأغنياء والفقراء.
والانظمة الحاكمة المستبدة لم تكتفي بهذه التوليفة الجهنمية للبقاء في الحكم حتى الموت دون أي محاسبة أو مسآلة بل انها تسعى الآن وبهمة لتغييب وعي شعوبها بإغراقها في الجهالة والامعقول مع شيوخ الفضائيات الدينية التي لا حصرلها والتي لا هم لها إلا فتاوى المرأه وزواج الطفلة وارضاع الكبير وآداب دخول الحمام وعذاب القبر ونعيمه.
إن البون الشاسع بيننا وبين الحداثة والعقلانية وحقوق الانسان قتل كل ملكات الإبداع في الإنسان العربي وحوله من فاعل إلى مفعول به لا يبالي بما حوله وبما يحدث فى العالم من تطورات علمية مذهلة حيث أصبح همه الأول هو البحث عن لقمة العيش وتجنب الاعتقال حتى خرجنا كعرب من التاريخ وأصبحنا بلا أي إسهام حضاري منذ قرون.
والجديد الآن ان حكامنا حققوا نقلة نوعية في حياتنا من خلال دفعنا للاقتتال الداخلي وتدمير ما تبقى من مقدرات أوطاننا، وهكذا ماتت السياسة والتسامح والعيش المشترك وحل محلهم البندقية والعنف والتطرف مما يدفع بالملايين إلى الهرب الي الخارج هربا من الموت والمجاعات. والمحزن أن بعض زعماء الغرب أصبحوا ينظرون الي اللاجئين الهاربين من الحروب الاهلية والدمار على أنهم مجرمين يتعين ترحيلهم ولكنهم لا يسألون أنفسهم إلى أين يرحل هؤلاء الأطفال والنساء والشباب الذين أجبروا على الهرب من أوطانهم؟
أن علاج مشكلة التخلف ليس بالأمر الهين وليس هناك وصفة سحرية للقضاء عليه، وقد فشلت التنمية الاقتصادية وحدها في تحسين أحوال الفقراء في عالمنا العربي بشكل ملموس لان أغلب ثمار التنمية تذهب للأغنياء.
والحل يتطلب تغيرات شاملة في نظم الحكم ومؤسسات الدولة. والقوة الوحيدة القادرة على فرض هذه التغيرات هى الشعوب. ولكي تنجح الشعوب في تحقيق هذا فإنها بحاجة الى قيادات مستنيرة وواعية بظروف بلادها وطبيعة شعبها والمعطيات العالمية. مثل هذه القيادات المدعومة شعبيا هي التي تستطيع ان تتفاوض مع الانظمة القائمة من أجل إحداث التغيرات المطلوبة بشكلٍ سلمي.
ولعل نقص هذه القيادات كان السبب في فشل ثورات الربيع العربي حيث تحولت هذه الثورات الى مشاريع ونعرات إسلامية عشوائية غير واضحة المعالم أو التوجهات مما سهل مهمة الدولة العميقة في القضاء على هذه الثورات بل والتهامها بشكل سريع وفي وقت قياسي.
إن أخطر ما وقعت فيه هذه الحركات الإسلامية من أخطاء أنها صورت لشعوبها أن الحداثة الغربية ما هي الا نوع من الإحتلال والغزو الفكري للعالم العربي بغرض القضاء على الإسلام.
والخلاصة أنه لكي تنجح أي قيادة جديدة في عالمنا العربي في القضاء على التخلف والاستبداد والفساد وقيادة شعوبها نحو مستقبل أفضل فإنه يلزمها أن تحرر شعوبها من سطوة ونفوذ رجال الدين المسيطرون على العقل العربي باسم الإله والخطابات الدينية التقليدية التي يدعون فيها الناس للصلاح والصبر بينما هم يعيشون في ترف ووئام وسلام مع كل ما حولهم من استبداد وظلم وفساد.
ولكي تنجح هذه القيادات عليها أيضا أن تحل مشكلة شعوبها مع الحداثة من خلال تقديمها على أنها ظاهرة عالمية أنتجتها حركة التاريخ وتراكمات التجربة الانسانية عبر العالم وليس الغرب وحده وأنها ليست معادية للأديان.
علينا أن نوضح لشعوبنا أن الدول المتقدمة في العالم سواء في الشرق أو الغرب لم تتقدم إلا من خلال قيم الحداثة وعلى رأسها الديموقراطية وحق الحياة وحرية الاعتقاد والرأي ودولة القانون والمساواة. وأنه ليس هناك طريق آخر للقضاء على التخلف واللحاق بالعالم ألا من خلال إقامة بناء حداثي جديد يقوم على أنقاض النظام الحالي.

محمود يوسف بكير
مستشار اقتصادي