بليخانوف

عمّار المطّلبي
2017 / 4 / 27

قصّة قصيرة
ضاق العمّ عبّاس ذرعاً بأولئكَ الموظّفين الأنيقين الذين دمّروا سلام النّاحية برطانتهم عن الديالكتيك و الحتميّة التّاريخيّة، و أحنقَهُ حديثهم الذي كانتْ تتقافزُ منهُ أسماء لم يسمع بها منْ قبل، أسماء كانوا يذكرونها بتبجيلٍ و تعظيمٍ و حماسةٍ، و كأنّهم كانوا يتحدّثون عن الحسين أو العبّاس أو سيّد موسى الذي يقع مقامه على مسافة ميلَين مشياً على الأقدام .
باتَ كلّ فردٍ يعرف أسماء ماركس و أنجلز و لينين، منْ كثرة التكرار، و أضاف إليهم معلّم نُقِلَ حديثاً اسماً غريباً لم يستطع أحدٌ أن يحفظه: بليخانوف !
و كان هذا المعلّم يترصّد أيّ شابٍ في السّوق، فيستوقفهُ ليتحدّث إليه عن قرب انهيار الرأسماليّة العالميّة ، كنتيجةٍ حتميّةٍ لاجتماع النقائض، و سرعان ما تنشأ دائرة من الرّجال الكبار و الصبية الفضوليّين، و الصغار الذين بعثتهم أمّهاتهم لجلب شيءٍ ما من السّوق !
لمْ يكن العمّ عبّاس لينفد صبرُهُ لولا أنّهم ارتكبوا خطيئةً كانت فوق الاحتمال .. لقد أعلنوا في نوبة حماسٍ مفاجئة أنّ الوقت قد حان لسيادة الطبقة العاملة، فأرباب العمل ليسوا في نهاية الأمر إلّا طُفيليّين يسرقون جهد العمّال و يمتصّون دماءهم !
الحقّ أنّ بشارتهم تلك، لم يكن لها معنى، فلم يكن في النّاحية كلّها سوى ياسين الأقرع الذي كان عاملاً و ربّ عملٍ في الوقت نفسه !
كان يقضي وقته كلّه في مضخّة الماء البدائيّة الصغيرة التي توزّع الماء على البيوت .. لم تكن هناك إسالة، بل تلك الغرفة الصغيرة القريبة من النّهر، يتوسّطها ماطور كهربائيّ ، و كان هناك العجوز ياسين، ببدلته المُلطّخة بالزيوت و صلعته اللامعة، و عينَيه اللتين تُراقبان هدير الماكنة، و لُهاثه الذي لا ينقطع في أيّ وقت !
لكنْ لمَ ثارتْ ثائرة العمّ عبّاس، فتمنّى أنْ لو كان بليخانوف أمامهُ ليُقطّعهُ بأسنانهِ إرباً ؟!
كانَ صاحبنا قد انتهى للتوّ من بناء المطحنة على ضفّة النّهر، و كان ينتظرُ بفارغ الصبر وصول المكائن، ليبدأ العمل، و إذا بهؤلاء الحمقى يتحدّثون عن سيطرة العمّال، و حتميّة انتصارهم ، كما يقول بليخانوف !
إنَّ خيالهُ الآن يلعبُ به و يُعذِّبه .. يرى نفسهُ مطروداً من المطحنة، ثمّ يرى العمّال يتبخترون بين المكائن، و يرى النّاس قد اصطفّوا على الضفّة الأخرى رجالاً و نساءً و أطفالاً يتطلّعون إليه بإشفاقٍ و فضول، و هو يُغادر مُطأطئ الرأس مُثقل القلب !
في الصباح الباكر، وقف العمّ عباس عند رأس الجسر، يحفّ به خمسة عشر شاباً، ينتظرون خروج أولئك الموظّفين !
إنّها أفضل فرصة للانتقام، فالموظّفون الذين سيخرجون من النّادي، سيكونون فريسةً سهلةً بعد أنْ أنهكهم السهر و السّكر و الهذر المتّصل طول الليل !
وقف العمّ عبّاس، مثل ملاك يوم الحساب، يتطلّعُ إلى أولئك الموظّفين يغوصون في الماء و يبزغون، ببدلاتهم و أحذيتهم اللامعة ، و قد أمسك بكلّ واحدٍ فيهم شابّان أو ثلاثة ، يرفعونهُ من أبطيه، ثمّ يهوون به بقوّة إلى أعماق النّهر !
كول التّوبة ! ينادي العمّ عبّاس
التّوبة ! يصيح الموظّف، و هو يشهق !
هكذا خرج أولئك الموظّفون أخيراً، يترنّحون من الرّعب و منْ كثرة ما ابتلعوا من الماء، و اتّجهوا نحو بيوتهم الحكوميّة يجرّون الخطى، تاركين خطوطاً من الماء على إسفلت الشّارع ، كأنّهم غيوم هبطتْ إلى الأرض !
يُقال إنّ أولئكَ الموظّفين قد غادروا النّاحية في اليوم التّالي، و ثمّة منْ يذكر أنّهم لبثوا مدّة متوارين عن الأنظار، بانتظار اكتمال معاملات النقل إلى المركز، بعيداً عن العمّ عبّاس و رجاله القُساة !
و مهما يكن الأمرُ، فإنّ أحداً لمْ يسمعْ، بعد تلك الحادثة، باسم بليخانوف، و بشارتهِ بقربِ انتصار العمّال، في تلك البقعة النّائية !!