هل نتجه نحو التقسيم؟

منذر خدام
2017 / 4 / 25

أجوبتي عن أسئلة موقع وكالة " أسيا" للأنباء
منذر خدام
هل نتجه نحو التقسيم؟
1 ـ خريطة توزع القوى على الأراضي السورية تشير إلى أن البلد يتجه نحو التقسيم، هل أصبح هذا الخطر حقيقياً؟
2 ـ كثيرون يرون في الاتفاقات الجارية حالياً وآخرها "اتفاق البلدات الأربع" نوعاً من ترتيبات "التقسيم"، وقبل ذلك حي الوعر في حمص، وغيرها .. هل يمكن أن تدرج تلك الاتفاقات ضمن مخاطر التقسيم، أم أن لها سياقاً آخر؟
ج- سورية لن تقسم جغرافيا لأن التقسيم الجغرافي لا يتعلق بخريطة توزع القوى على الأرض السورية، بل بالجغرافيا الاقتصادية والسكانية على مستوى الداخل السوري، وبالجغرافيا السياسية الإقليمية. السوريون جميعهم يرفضون التقسيم الجغرافي، حتى الكرد لا يريدون التقسيم الجغرافي بل نوع من الإدارة الذاتية لهم يغلفونها بشعار الفدرالية.وبقدر ما هو مؤلم الخطاب الطائفي لكن دعني أقول لك مستخدما تعبيرا طائفيا وهو أن السنة العرب الذين يشكلون نحو 70% من سكان سورية لن يسمحوا بتقسيمها، عداك عن أن التقسيم ليس قضية لدى بقية المكونات الطائفية الأخرى.
من جهة ثانية تشكل سورية مجال اقتصادي واحد تترابط جميع أجزائه ، لا يستطيع أي جزء منه تأمين مقومات وجوده واستمراره اقتصاديا لوحده خارج هذا المجال أو على حسابه. الجغرافيا السياسية الإقليمية بدورها لا تسمح بالتقسيم لأن العدوى يمكن أن تطال جميع دول الإقليم في المستقبل وبصورة خاصة تركيا.ربما إسرائيل وحدها لها مصلحة بتقسيم سورية وجميع دول المنطقة إلى دويلات طائفية متصارعة.
التقسيم الحاصل في سورية هو تقسيم إلى مناطق نفوذ سياسي سوف تستخدم كأوراق تفاوضية لصوغ النظام السياسي المستقبلي في سورية لا أكثر. أما بالنسبة لاتفاقيات المدن الأربع أو اتفاقية حي الوعر وغيرها من اتفاقيات فهي اتفاقيات أمنية لا سياسية ولا تؤسس بالتالي لأي تقسيم.
آفاق الحل السياسي:
3 ـ كيف تنظر إلى مؤتمرات جنيف، جولات كثيرة دون نتائج، هل هي مجرد "شراء للوقت"؟
4 ـ تبدو مؤتمرات "أستانا" متمايزة نوعاً ما عن جنيف، هل ترى ذلك؟ ولماذا هي متمايزة: هل بسبب الدور الروسي الطاغي فيها؟
ج- يتفق الجميع بما في ذلك الدول الرئيسة المتدخلة في الأزمة السورية أن الحل الوحيد الممكن لها هو الحل السياسي التفاوضي. فبعد ست سنوات من أزمة طاحنة صار نوع من الغباء السياسي الرهان على أي حل عسكري، ففي الأزمة السورية ممنوع الحسم العسكري. هذا لا يعني أن الحل السياسي صار في متناول اليد، فالأزمة السورية على درجة عالية من التعقيد نتيجة تناقض المصالح الإقليمية والدولية المتصارعة على الساحة السورية وصعوبة التوليف بينها، والتي أدت بدورها إلى حصول استقطاب حاد بين السوريين كحوامل محلية لهذه المصالح للأسف. إن توازن القوى المحلية والإقليمية والدولية هي التي جعلت مسار جنيف ولاحقا مسار إستانا ممكنين، وهي التي تؤثر على مجرى المفاوضات فيها.في هذا المجال شكل التدخل الروسي العسكري المباشر في سورية انعطافة إستراتيجية باتجاه الحل السياسي وقضى على رهانات بعض الدول العربية والإقليمية بخصوص إسقاط النظام بالقوة. بفضل التدخل الروسي الحاسم صار لمسار جنيف التفاوضي جدول أعمال محدد يجري البحث في سلاله الأربعة، وقبل بعض الفصائل العسكرية المعارضة الدخول في العملية السياسية. ميزة مسار إستانا هي أن القابضين على الأرض يشاركون فيه، وبالتالي عم وحدهم من يستطيع تحويل الاتفاقيات إلى واقع سياسي. لكن مشكلة أستانا، وكذلك مسار جنيف هو أن القوى المعارضة لا تملك إرادة مستقلة عن الدول الداعمة لها،حالها كحال النظام للأسف.
هل يعني ذلك أن المسار العسكري سوف يتوقف؟ ينبغي أن لا ننسى وجود قوى ترفض الحل السياسي وهي مصنفة كقوى إرهابية والحل الوحيد الممكن معها هو الحل العسكري، إضافة إلى أن بعض القوى النافذة في النظام ترى استحالة الحل السياسي إلا بعد القضاء على الإرهاب، وهي تعني الحسم العسكري على جميع المجموعات المسلحة .
المعارضة، والهيئة:
5 ـ هل يمكن الحديث عن "معارضة" سورية حالياً، بالمعنى السياسي للكلمة، ومن هي القوى التي تمثلها، وإلى أي حد تتمتع باستقلالية؟
6 ـ كنت من الموقعين على بيان يطالب بالعودة إلى سياسات ومبادئ "هيئة التنسيق" الأساسية، وتحدث البيان عن "انحراف سياسي عن خط الهيئة"، كما أعلنت بأن بعض القيادات السابقين والحاليين شكلوا "حركة إصلاحية" داخل الهيئة، وقبل ذلك جمدت الهيئة عضوية ثلاثة من القياديين فيها.
هل نشهد انشقاقات في الهيئة، وهي أكبر تجمع معارض ما زال موجوداً داخل البلاد؟
7 ـ أعتقد أننا نشهد نوعاً من الاستقطاب باتجاه ما يعرف بـ "معارضة الرياض" وهو أمر لا يقتصر على "الهيئة" فقط، بل ثمة بعض القوى أو "المنصات" التي بدأت تجد قواسم مشتركة مع معارضة الرياض.
إن كان التوصيف صحيحاً، فلماذا يحدث ذلك في رأيك؟
ج- لا يوجد في سورية معارضة بالمعنى العلمي للكلمة، فالمعارضة لا تصير في ظل القمع المتواصل والمستمر، لذلك فهي أقرب إلى الأخويات الدينية تجمعها طقوس الحياة السياسية تحت الأرض، بما في ذلك الكراهية والحقد والانتقام التي صارت أساس السياسة المعارضة للأسف. الذي يتحمل المسؤولية في عدم وجود معارضة حقيقية هو النظام الاستبدادي الذي عمل خلال عقود على تجفيف المجتمع من السياسية،وإلى القضاء على الروح السياسية والحزبية حتى من الأحزاب الموالية له، لتصير مجرد أجهزة للسلطة تؤدي وظائف في خدمة الاستبداد.
لقد عومت الأزمة السورية أشكال مختلفة من المعارضين يغلب عليهم التطرف بصورة عامة، جاء كثير منهم من رحم النظام. في هذا الإطار شكلت هيئة التنسيق حالة خاصة حتى اندماجها في منصة الرياض. فهي جمعت في إطارها أحزاب وطنية تقليدية معروفة إضافة إلى كثير من الشخصيات العامة الوطنية. لكن هيمنة حزب بعينه على الهيئة بل وأشخاص محددين منه، وغياب الديمقراطية في داخلها، وعدم قدرتها على تجديد قياداتها وعدم تقيد قيادتها المتنفذة بخط الهيئة السياسي وتجاوزاتها للنظام الداخلي، والتحاقها أخيرا بالائتلاف في منصة الرياض جعل كثير من أحزابها وكوادرها يغادرونها، حتى صارت اليوم اسما بلا مسمى حقيقي. لقد حاول كثير من كوادرها تصحيح مسارها في الأطر النظامية من خلال المجلس المركزي والمكتب التنفيذي لكنهم فشلوا في ذلك خصوصا بعد اعتقال النظام للدكتور عبد العزيز الخير والأستاذ رجاء الناصر القياديين البارزين في الهيئة، فغادرها بداية مجموعة من قادتها البارزين مثل الدكتور فائز الفواز والمرحوم حسين العودات والشيخ رياض ضرار والشيخ الدكتور محمد العمار وغيرهم من أعضاء المكتب التنفيذي ليلحق بهم هيثم مناع ومجموعة مهمة من شباب الهيئة، ومن ثم خرجت منها الأحزاب الكردية الأربعة التي ساهمت في تأسيسها، وأخيرا عاقبت المجموعة المتنفذة فيها ثلاثة من أعضاء المكتب التنفيذي لمجرد أن عبروا عن رأيهم علنا. أسباب أزمة الهيئة عديدة لكن الرئيس منها هو انحراف قيادتها المتنفذة عن خطها السياسي، وقبولها بنهج الائتلاف الذي كانت تنتقده دائما،وخضوعها لاملاءات دول مثل تركيا والسعودية، إضافة إلى ذلك التجاوزات العديدة للنظام الداخلي ورفضها عقد مجلس مركزي لأكثر من سنتين، وبقاء الأشخاص ذاتهم في موقع القيادة منذ تأسيسها...هذا الواقع جعل كثير من قادتها وكوادرها يصدرون بيانهم السياسي الأخير كمحاولة أخيرة لعودة الهيئة إلى خطها السياسي السابق والخروج من منصة الرياض، وإلا سوف يعدونها قيادة غير شرعية ومغتصبة لصفة التمثيل.
لقد لقي البيان السياسي الذي وقعه مباشرة أكثر من أربعين شخصية من قيادات الهيئة وكوادرها السابقين والحاليين صدى جيدا في صفوف كثيرين ممن لا يزالون في صفوف الهيئة وأحزابها،وكذلك في الأوساط المعارضة التي كانت الهيئة قد وقعت معها تفاهمات سياسية،وسوف يتم العمل على إحياء مشروع الهيئة السابق بتشكيل جبهة وطنية ديمقراطية عريضة من جميع القوى التي تقبل بالحل السياسي الواقعي والممكن للأزمة السورية على أساس القرار 2254.
8 ـ سؤال مفتوح:
كيف تنظر إلى مستقبل البلاد على المدى المنظور، وبأي شكل قد تنتهي "الأزمة"؟
ج- الأزمة السورية للأسف سوف تستمر ربما سنوات لاحقة، وسوف يستمر الصراع المسلح فيها. ثمة ظروف لم تنضج بعد، منها الحرب على الإرهاب في العراق، والخلافات بين السعودية وإيران، إضافة إلى عدم وضوح السياسة الأمريكية الجديدة تجاه سورية، وينبغي عدم تجاهل دور إسرائيل في الأزمة السورية. ومما يلعب دورا حاسما في تسريع إنضاج الظروف لحل الأزمة السورية سياسيا هو النجاح في محاربة داعش والنصرة، فبقدر ما يحقق الجيش السوري نجاحات على هذا الصعيد بقدر ما يصير الحل السياسي ممكنا أكثر من خلال جعل الآخرين أكثر واقعية. لكن من جهة أخرى فإن عدم وضوح سياسة النظام تجاه الحل السياسي على أساس القرار الدولي 2254، ورفضه أي حل يمكن أن يهدد بقاءه في السلطة حتى ولو جاء عبر صناديق الاقتراع من الأسباب الرئيسة لاستمرار الصراع. وبدلا من أن تستثمر القيادة السورية نجاحات الجيش السوري في التسريع من الحل السياسي من خلال قبولها بتنفيذ القرار 2254 فإنها تزداد تشددا، وتصر على أن الحل يتم عن طريق المصالحات الأمنية التي تقوم بها. المشكلة أن القيادة السورية لا ترى أبعد من ساحة المعارك العسكرية، في حين أن معركة إعمار البلد أصعب بكثير وهي تتطلب إجماعا وطنيا، وفضاء سياسيا ديمقراطيا يشعر جميع السوريين من خلالهم بأن لهم دورهم ،وان حقوقهم مصانة، وهذا لن يتحقق على أساس بقاء النظام الاستبدادي السابق، هذا على افتراض أنها نجحت في الحسم العسكري وهذا غير ممكن واقعيا، ليس فقط بسبب التوازنات المحلية بل والدولية التي لن يقبل أي طرف فيها الهزيمة.