رهانات حركة قادمون وقادرون

المريزق المصطفى
2017 / 4 / 21

تنطلق "حركة قادمون وقادرون" من هموم ومعانات كل دوائر ودواوير ومداشير ومدن إقليم تاونات والمناطق المجاورة، بسبب تراكمات انعكاسات السياسات العمومية المتعاقبة، والتي تركت آثارا سلبية على بنيات الإقليم، وعلى ساكنته.
واليوم، وبفضل نضج المجتمع المدني ويقظة الحركات الاجتماعية، وفي سياق الوقوف على الإكراهات الداخلية والخارجية وفهم تبعاتها وأثرها على استكمال البناء الديمقراطي، على الرغم مما يمكن استحضاره كمعطيات عيانية من قبيل تبني الدولة للعديد من أوراش الإصلاح المهيكلة والمندمجة، والتخلي التدريجي للسلطة المركزية عن بعض اختصاصاتها لفائدة الجهات والجماعات الترابية، فإنه موازاة مع ذلك يلاحظ أن هناك استعداد لدى العديد من الفرقاء والفاعلين غير الدولتيين للقيام بالتغيرات الضرورية واللازمة، من أجل جبر الضرر الجماعي، ورد الاعتبار لهذه المنطقة المقاومة والمواطنة منذ المطالبة بالاستقلال إلى الدفاع عن المؤسسات والوحدة الترابية ودولة الحق والقانون.

لكن الإرث السلبي الاقتصادي والاجتماعي كان ولا يزال ثقيلا، وآثاره الاجتماعية وخيمة، فسواء اعتمدنا كمؤشر للتقييم، التعليم أو الصحة أو التغذية أو البنية التحتية أو الناتج الداخلي الخام لكل فرد، فإننا نجد إقليم تاونات يحتل مراتب متأخرة جدا وراء الأقاليم المغربية الأخرى، وهو ما يحز في نفس كل الساكنة الجبلية التواقة للمساواة والتساوي والحق في الإنصاف المجالي والعدالة في توزيع الثروة الوطنية.
وهكذا، فإن أغلب سكان إقليمنا يعيشون تحت عتبة الفقر، والباقي يوجدون في وضع هش، يعتمدون أساسا على زراعة معيشية ذات مردودية ضعيفة. وكما تشير إلى ذلك بعض الإحصائيات، فإن ثلثي السكان لا يتوفرون على الماء الصالح للشرب، وحتى من يتوفرون عليه، فإنهم يعانون من نذرته وسوء تدبيره، والمفارقة العجيبة هو أن حوض ورغة بدائرتي تاونات وغفساي يشكل أكبر المخزونات المائية السطحية بالمغرب والثانية بأفريقيا. كما لا يستفيدون من أي علاج طبي ومن أي تغطية صحية، من دون أن ننسى معانات النساء، فهن أيضا يعيشون وضعا مقلقا للغاية، فيما يخص الوفيات عند الولادة أو العنف أو الأمية، وكذلك الشباب العاطل عن الشغل، وتلاميذ المدارس المعزولة والنائية، والطفولة المحرومة من ملاعب القرب ومن المناطق الخضراء و حدائق وأماكن اللعب والترفيه.
وتأتي هذه المبادرة في إطار محاولة تجميع النشطاء المدنيين، والباحثين، والغيورين على الإقليم، من زاوية نظر حقوقية واجتماعية وإنسانية، تقديرا لمكانة هذه المنطقة الخاصة في تاريخ المغرب وشمال إفريقيا، ونصرة لما تعرضت له من تهميش وإقصاء وهشاشة ومن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، استعدادا للترافع على مطالب وانتظارات الساكنة من الدولة و السلطة معا.
وتندرج هذه الحركة أيضا في مسار المسائلة المتواترة عن مآل الثروة الوطنية في تساوق مع ما سبق لعاهل المملكة أن شدد عليه بمناسبة الذكرى 15 عشر لعيد العرش سنة 2014، والتي تساءل فيها الملك محمد السادس، عن الثروة الوطنية، وعن طرق توزيعها...
ولاشك أن المسافة الزمنية الوجيزة الفاصلة عن الخطاب الملكي قد انعكست إلى هذا الحد أو ذاك على ما أثمرته ديناميات المجتمع المدني من حراك اجتماعي وآراء وتقييمات، جعلت من موضوع الثروة الوطنية، وما أنتجته من مواقف مختلفة، موضوع ذو صلة بالتوجه العام للتساؤلات المجتمعية والإنتظارات الشعبية التي لازالت عالقة.
إن لقضية جبر الضرر الجماعي، و الحفاظ على الذاكرة، و مآل التراث المادي و اللامادي لهذه المنطقة، مكانة مركزية في التزام حركتنا بحماية هذه الحقوق والنهوض بها، بما يعزز الشعور بأن هناك تقدم حاصل خلال هذه المدة الأخيرة، في انتظار إعمال كل توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة . وهذا ما يطرح على الحركة وضع إستراتيجية واضحة المعالم لبلورة برنامج عمل و جدولة اللقاءات مع كافة المؤسسات الإقليمية والجهوية والوطنية، لشرح أهداف الحركة والتفاوض على مطالبها وتوقيع شراكات مع منظمات وطنية ودولية تتقاسم نفس المرجعية وتلتقي على تحقيق نفس الأهداف.

ومن بين الأهداف العامة التي يتوخاها مشروعنا على المدى البعيد أو على المديين المتوسط والقريب، نذكر:
• ضمان العدالة المجالية والاجتماعية، بما تضمنه من مساواة وحقوق الإنسان و توزيع عادل للثروات، وعيا منا بأن التوزيع الغير العادل للخيرات يؤدي إلى توزيع غير عادل للسلطة؛
• ضمان التنمية الاقتصادية القائمة على سياسات حكومية مستدامة، وعلى النمو المتكافئ بين المناطق والجهات، والهادفة إلى تحسين أوضاع منطقة إقليم تاونات اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا و بيئيا؛
• ضمان الديمقراطية التشاورية بما يحقق لساكنة الإقليم مواطنتهم، ويضمن دورهم في اتخاذ كل القرارات التي تعني تدبير و تسيير مجالهم الجغرافي والإداري؛
• ضمان تنمية اجتماعية وثقافية ورياضية، لكل شباب المنطقة، وصيانة الموروث التاريخي الهوياتي والثقافي والاهتمام به، وحفظه وتطويره، والعناية اللازمة بقطاع التعليم، و توفير التغطية الصحية للسكان، والسكن اللائق للأسر الفقيرة و المحرومة، و توفير الشغل للعاطلين، والاعتناء بكل الطاقات المعطلة وتشجيعها على الخلق والابتكار والإبداع والتعاون.
وإذا كانت "حركة قادمون وقادرون " توجد اليوم في مهد نشأتها، فإن تنظيمها في "جمعية تاونات المستقبل" للمطالبة بالحق في الثروة الوطنية، ساعدها منذ انطلاقتها على صياغة العديد من المطالب نذكر من بينها:
 الإسراع بتوفير شبكة طرق حيوية تفك العزلة عن أهالي الإقليم؛
 الإسراع بتزويد الساكنة بالماء الصالح للشرب وإنقاذ السكان المنطقة من العطش؛
 الإسراع على إتمام برامج دعم العالم القروي في المنطقة؛
 الإسراع بتأهيل قطاع التكوين والتربية وإحداث داخليات جديدة للتلاميذ، وتوفير المنح للطلبة وتشجيع المتفوقين منهم على متابعة دراساتهم في التخصصات العلمية المرموقة؛
 الإسراع بتوسيع البنيات الصحية وتوفير كل مستلزمات التطبيب والعلاج والإنقاذ من الموت؛
 العفو على مزارعي للقنب الهندي وفك الحصار عليهم وعلى عائلاتهم؛
 خلق بنيات ثقافية ورياضية للشباب؛
 حماية البيئة من التلوث؛
 إحداث وحدات لتسويق المنتوجات الفلاحية و الزراعية التي تشتهر بها المنطقة من تين وزيتون وأعشاب طبية؛
 دعم الاقتصاد التضامني والاجتماعي بالإقليم؛
 تعميم الاستفادة من برامج التنمية البشرية لصالح الفئات الهشة والمرأة والشباب والمسنين.

إن المنظور الذي نتبناه، يحمل في قلبه إشكالية الحق في الثروة الوطنية كخيار استراتيجي، يناهض اقتصاد الريع و احتكار الخيرات وسوء وتدبيرها وسوء تسييرها، ويسعى ليتبوأ الاقتصاد المحلي والجهوي مكانته كفاعل في التغير الاجتماعي، وتوسيع مشاركة جمعيات المجتمع المدني التي أصبحت حويتها تزداد كل يوم في مسلسل بناء الديمقراطية التشاركية نصا وممارسة، وفي سيرورة النهوض بالتنظيم والتدبير، والمطالبة بإصلاحات جذرية عاجلة، تمكن إقليم تاونات من حقه في الثروة الوطنية والمساواة والعدالة الاجتماعية، احتراما لتاريخه ولتراثه المؤسس للحرية والتسامح والعيش المشترك، ومقاومته التاريخية للاستعمار ونبذ ثقافة الكراهية والعدوانية والتطرف والعنف.
وعلى ضوء ما جاء به دستور 2011، وما أكد عليه من ممارسة مواطنة من دون تحكم أو توجيه مسبق أو حذر أو حقد، لإنعاش المتطلبات الأساسية للديمقراطية التشاركية، فإن "حركة قادمون وقادرون" تدعو كل الفاعلين السياسيين في الإقليم، والجماعات المحلية، والسلطات الإقليمية والجهوية، والمصالح الخارجية، أن تستوعب بعدها الاجتماعي والحقوقي، ومساهمتها كحركة اجتماعية في تقوية كل المكاسب، والرقي بإقليمنا إلى مستوى إنجاز أهداف مشتركة بمنطق الفعالية والشفافية والإبداع والإنتاجية والمردودية.

أما على مستوى البدائل التي نحملها، تتطلع "حركة قادمون وقادرون" إلى أن تكون شريكا نديا وفاعلا للسلطات العمومية، يطمح للدفاع عن إستراتيجية التضامن والمواطنة الهادفة إلى إرساء أسس سلطة مواطنة، تكسر قيود الخوف والطابوهات، وتناهض الرشوة والمحسوبية والزبونية، وتناضل من أجل المناصفة و عدم الإفلات من العقاب، وتطالب بربط المسؤولية بالمحاسبة، والحفاظ على نزاهة وأملاك الدولة العمومية. كما تطمح للمساهمة في مشاريع كبرى، اقتصادية وتعليمية وصحية وسكنية، وتحويل تاونات الماضي إلى تاونات المستقبل.

لقد أكدت العديد من الشهادات، أن ما عاشه إقليم تاونات تاريخيا من معانات جسيمة تركت جراح غائرة لم تندمل بعد، لا يمكن تضميدها إلا بإعطاء انطلاقة عاجلة لمشاريع كبرى مهيكلة ومندمجة، على غرار مشاريع مراكش وطنجة والبيضاء والرباط والقنيطرة، وغيرها من المدن المغربية.

وانطلاقا مما سبق، تعتبر حركة "قادمون وقادرون" حركة اجتماعية ديمقراطية مواطنة ومستقلة، من أجل الدفاع عن مصالح ساكنة إقليم تاونات، في إطار المشترك والوحدة والتعددية، حفاظا على السلم الاجتماعي واستقرار الوطن؛ مهمتها المساهمة في تعميم إرادة التغيير كحس مجتمعي وإدراك سبله بالتمرس على الانخراط في الحكامة التشاركية، وخلق فضاءات لتبادل الآراء والنقاش والحوار، مخصصة للنساء والشباب والنقابات والجمعيات، بهدف النهوض بالمبادرات والمشاريع المهيكلة.

كما أن "حركة قادمون وقادرون"، هي تعبير عن إرادة لخلق إطار للتعبير والخلق والإشعاع الثقافي، دفاعا على الوطن وحمايته من التطرف والعنف والإرهاب، وفضاء منظم للتفكير الحر، وخلق أسس إشاعة التربية والقيم الحقوقية والمدنية الكونية، والانفتاح على الطاقات القادرة على حمل كل هذه الأهداف للأجيال الصاعدة وللمستقبل.