انجلس والصحة العامة

حسين سليم
2017 / 4 / 20

أُطرت الصحة العامة، بعد تجارب وتراكمات معرفية عالمية، في علوم حديثة اجتماعية علمية وطبية، وتطبيقات ميدانية، تشمل كل زوايا ومرافق حياتنا اليومية. من أجل حماية وتحسين حياة المجتمعات ، ومنها مجتمع العمال، كطبقة أساسية في تطور الاقتصاد واستدامة التنمية .
رصد انجلس (1820- 1895 ) أوضاع الطبقة العاملة وظروفها المأساوية ، في انجلترا، ودوّن استنتاجاته ومشاهداته اعتمادا على لقاءت مباشرة وسجلاّت طبية في كتابه؛ ( وضع الطبقة العاملة في انجلترا عام 1844) ، رابطا إياها مع الخطوط العريضة لدراسته الاقتصاد السياسي، متناولا شتى موضوعات الصحة العامة المتعلقة بهم، من بيئة وصحة وسلامة مهنية ، منها : بيئة عمل غير صحية، في أجواء رطبة أو حارة، تلوث هواء وماء، تهوية غير جيدة مع غبار ورائحة كريهة، مسببة إصابات الصدر للعاملين، صحة فقيرة وحياة قصيرة تكثرفيها الأمراض؛ كالجدري، الحصبة، الحمى، القرمزية ،السعال الديكي والربو، ساعات عمل طويلة تسبب زيادة معدل الإصابة بتشنجات شديدة وتشوهات وانحرافات، في العمود الفقري والركب والكواحل والارجل، الآم في الظهر وتورم في المفاصل وتوسع الاوردة في الحوض وعظم الفخذ، وفقدان كامل أو جزء من يد أو قدم أو رجل، يكون فيها معدل الوفيات أعلى من معدل الوفيات بالبلد. وناقش الأجورالمنخفة وحالات المعيشة بما فيها، التمييز بين الرجل والمرأة في الأجور والعمل، تدني أجورالأطفال والمهاجرين، مقارنة بالأجورالفقيرة للبريطانيين، عمالة الاطفال، ومعدل وفياتها من الغرق، الحريق وإصابات متنوعة . كما تكون المرأة العاملة أكثر تأثرا وضعفا، فالمرأة الحامل تعمل حتى الساعة الأخيرة قبل الولادة وهي تخشى فقدان اجرها أو استبدالها، وليس من النادر منهن من تنجب أو تجهض وهي أمام ماكنة العمل. إضافة إلى قوة الاستغلال السياسي والاجتماعي، تكون أحياء العمال فقيرة، إذ تقع في الأماكن السيئة من المدن، شوارعها وأزقتها وأرصفتها غير مبلطة قذرة تكثر فيها النفايات، لا وجود لصرف صحي فيها، يحتشد العمال وعوائلهم في بيوت صغيرة رطبة وغير صحية للمعيشة، تشاطرهم السكن حيوانات وحشرات مختلفة .
يُنظر إلى كتاب انجلس من قبل كثيرين ، على أنه من الكلاسيكيات لظروف العمال في العالم إبّان الثورة الصناعية ، وليس له علاقة بواقعنا الحالي، لكن واقع الحال، تناول الكتاب؛ موضوعات صحية موجودة في جوهرها في حياة وبيئة العمال في ذلك الزمن، وليس بمفاهيمها المعرفية والأكاديمية المتعارف عليها اليوم، فهي مازالت معاصرة، نعيشها ونعاني منها، بما فيها من محدّدات اجتماعية تشمل السكن، العمل، الجندر، التعليم ، البيئة، الخ ، التي تؤثر في صحة الناس عامّة، والعمال خاصّة، والتي لاتزال تشكل موضوعا أساسيا ، بهذا القدر أو ذاك، وبما نسميه اليوم بالوضع الصحي والبيئي والسلامة المهنية للعمال، تُدرّس في الجامعات وتطبق في المعامل والمجتمعات. وهي من مفاهيم وعلوم الصحة العامة الحديثة، على سبيل المثال لا الحصر: كالإحصاء الحياتي وعلم الأوبئة والبيئة. فهل ظروف عمالنا - العراق مثلا- المهنية والمعيشية أحسن منها اليوم، وهي تتعرض لشق الصف وإلغاء البنية التحتية لوجودها؟