ساعة الحقيقة: مستقبل سوريا بين النظام والمعارضة والصراع الإقليمي – الدولي

كاظم حبيب
2017 / 4 / 19

[1]
حين بدأت الحركة المدنية بسوريا وحمل المثقفون السوريون مشاعلها المضيئة ونشروا بيانهم التاريخي، ثم تلاه "بيان الألف"، الذي طالب بالديمقراطية والمجتمع المدني وإعادة النظر بالشعار البائس "الحزب القائد والرائد" ..الخ، استبشر الكثير من الناس بالداخل السوري أو بالخارج خيراً، رغم معرفة الجميع بالنهج الفردي الاستبدادي والشوفيني لحزب البعث العربي الاشتراكي واستعداده لممارسة العنف ضد منتقديه، ويزداد هذا العنف وحشية حين يتوجه ضد معارضيه، ولاسيما حين يشعر بأن سلطته باتت قاب قوسين أو أدنى من السقوط. ولهذا كان الأمل بأن الحركة المدنية الديمقراطية تتواصل بصورة سلمية وبعيداً عن السلاح لفرض التغيير تدريجياً وبدعم من الرأي العام العالمي، رغم محاولات النظام جرّ المعارضة ودفعها لتشديد الصراع والتحول صوب ممارسة العنف المضاد، ليتسنى له البطش بها. لم تكن الحركة المدنية الديمقراطية السورية راغبة بالعنف، ولكنها لم تكن موحدة من حيث الفكر والسياسية والمواقف، بل كانت فيها اتجاهات وتيارات أو قوى متنوعة وغير متجانسة، البعض منها ليس من الجماعات المدنية، ولكنه فرض نفسه على القوى المدنية، وبعضه الآخر بعثي منشق أو مسلم إخواني دخل بجبة مهلهلة إلى قوى المجتمع المدني.
وقد جرت محاولات جادة من جانب قوى سياسية بسوريا وخارجها لمنع المعارضة المدنية من التحول صوب العنف المضاد. ولكن في المقابل كانت هناك قوى إسلامية وبعثية منشقة عن حزب البعث الحاكم بسوريا، وقوى الإسلام السياسي، ولاسيما جماعة الإخوان المسلمين، وقوى قومية يمينية بالية في الفكر والنهج السياسي راغبة في التصدي للنظام بالقوة واستخدام العنف للإطاحة به. وتصورت هذه القوى مجتمعة إن المهمة سهلة! كما إن النظام الاستبدادي تصور خطأ، كما هو حال كل النظم الاستبدادية في العالم، امتلاك القدرة الخارقة على توجيه ضربة قاصمة للقوى المدنية وينهي وجودها بسوريا!
[2]
وجدت الجماعات الأخيرة الرغبة بممارسة السلاح لإسقاط السلطة البعثية تأييداً مباشراً ودعماً متنوعاً من ثلاث مجموعات من الدول والقوى والتي كانت تسعى لحرق الأخضر واليابس بسوريا دون إعارة أي انتباه لما يمكن أن يحصل للشعب السوري حين تتأجج الحرب الأهلية بالبلاد. المجموعة الأولى ضمت دولاً عربية هي قطر والمملكة السعودية وبعض دول وقوى بالخليج العربي، والمجموعة الثانية ضمت تركيا والأردن ولبنان (في ما عدا حزب الله)، ومصر، والمجموعة الثالثة ضمت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ودول الاتحاد الأوروبي. وبدأت هذه القوى الداخلية والإقليمية والدولية مسيرة تشكيل التنظيمات المسلحة بسوريا، التي شاركت فيها قوى كثيرة إسلامية متطرفة، وبعثية وقومية، وقوى مدنية ارتضت لنفسها التعاون مع تلك الدول لاعتقادها بقدرتها على إسقاط النظام عبر السلاح. خاصة وإن النظام كان يساعد لدفع هذه القوى إلى العنف من خلال ممارسة العنف ضد المعارضين واعتقال وتعذيب المناضلين المدنيين بلا رحمة.
[3]
لم تقدر القوى المدنية التي تورطت مع بقية القوى الراغبة في ممارسة العنف المضاد باستخدام السلاح ضد النظام السياسي الاستبدادي المناهض لمصالح الشعب السوري، مستوى التحالف القائم بين سوريا البعث والحكومة الثيوقراطية بإيران وحزب الله بلبنان أولاً، رغم إن العلاقة بين سوريا وإيران كانت معروفة للجميع منذ وجود الدكتاتور حافظ الأسد على رأس السلطة، كما لم تقدر احتمال التحالف بين النظام السوري والدولة الروسية الاتحادية، التي لها تحالف مع إيران من جهة، ولا تملك وجوداً سياسياً وعسكرياً لها في غير سوريا في منطقة الشرق الأوسط، وترتبط بالنظام منذ كان الأسد الأب على رأس السلطة، وبالتالي ستمارس هذه الدول كل ما هو ممكن للاحتفاظ بنفوذ لها في المنطقة عبر الدولة السورية البعثية الهشة والمكروهة.
[4]
وفي المقابل لم يكن التحالف الإقليمي مع الدول الغربية موحداً في ثلاث مسائل:
1) ما هو الهدف من وراء الإطاحة بسلطة حزب البعث وبشار الأسد؟ 2) ومن هي القوى التي تعتمدها في مقارعة النظام السوري؟ 3) وهل هناك وحدة فعلية أو تحالف متماسك بين القوى المحلية، وهي المتصارعة على السلطة والمال، حتى قبل إسقاط سلطة البعث وبشار الأسد؟ ولهذا لم تكن القوى الغربية ولا حتى الإقليمية قادرة على فرض تصور واحد أو توحيد جهود القوى المعارضة للنظام لخوض المعركة ضده.
ومما زاد في الطين بلة إن النظام السوري كان قبل ذاك قد سمح لكل من قطر والسعودية وتركيا وبعمل وتأييد ودعم من جانب الولايات المتحدة الأمريكية، استخدام الأرض السورية لعبور المليشيات الإرهابية المسلحة (القاعدة وما انجبته من تنظيمات إرهابية وإقليمية إسلامية متطرفة)، لتبني لها بنية تحتية وقوى وخلايا واسلحة بسوريا، ثم بدأت تستخدمها ضد سوريا أيضاً. وقد ألحق هذا الفعل إيذاءً كبيراً جداً بالشعب العراقي، ولكنه ألحق أضراراً وإيذاءً فادحا بالشعب السوري أيضاً. وقد وجد الكثير من القوى الديمقراطية العربية والدولية ضرورة دعم النضال ضد الحكم السوري الاستبدادي، ولكن لم يكن هذا الموقف مساعداً لها لإدراك خطأ القوى المدنية في التشابك مع القوى التي تحركها تركيا وقطر والسعودية، إذ كانت العواقب وخيمة.
[5]
في ضوء هذا الواقع تبلورت خمس مسائل جوهرية في صفوف المعارضة السورية:
أولاً: إن القوى الإرهابية المسلحة التي تحوز على تأييد قطر والسعودية وبعض دول الخليج وتركيا والولايات المتحدة أصبحت هي الأقوى وبيدها القرار الفعلي في مسيرة الصراع بسوريا.
ثانياً: تفاقم ضعف قوى المعارضة المدنية السورية بانقسامها إلى جماعتين رافضة للسلاح ومطالبة بالحوار، وأخرى رافضة للحوار من حيث المبدأ رغم الدخول به، وراغبة في مواصلة استخدام القوة العسكرية رغم قناعتها بعدم قدرتها على تحقيق النصر على النظام، وكأن العزة بالإثم منعها عن ذلك!
ثالثاً: التردد الشديد لدى الدول الغربية في تقديم المعونة والسلاح إلى قوى المعارضة السورية المدنية لقناعتها بأن هناك تشابكاً بين قوى الإرهاب وقوى المعارضة السورية المسلحة، وإن هذه المعونة والأسلحة تذهبان إلى تلك القوى الإرهابية المرتبطة بالقاعدة أو جبهة النصرة وفتح الشام ومن ثم داعش وغيرها، رغم إنها كانت من مؤيدي هذه الجماعات الإرهابية التي شكلتها قطر والسعودية وتركيا وسعت إلى تقويتها في فترات معينة.
رابعاً: أصبحت تركيا (إسطنبول) مركزاً ومقراً للمعارضة السورية المتنوعة والمتشابكة وموقع عقد مؤتمراتها، وبالتالي أصبح لها ولحلفائها التأثير المباشر، شاءت المعارضة المدنية أم ابت، القول الفصل في التوجه صوب السلم أو الاستمرار بالقتال.
خامساً: إن استمرار القتال وحصول اختلال في فترة معينة لصالح القوى التي تريد إسقاط الدكتاتورية بسوريا، دفع روسيا بالتدخل في الشأن السوري وتقديم المزيد من الدعم العسكري الروسي والوقوف الثابت في الحرب إلى جانب سوريا لمنع سقوط النظام ودعم استمراره، لأنها تدافع عن مصالحها!
[6]
هذه الحالة الرجراجة والمترددة ساهمت بحصول تغيرات واضحة في موازين القوى بالاتجاهات التالية:
** في صالح التنظيمات المسلحة الإرهابية ضد قوى المعارضة السورية؛
** في صالح النظام السوري ضد كل القوى التي تقاتل ضده.
** إحساس الدول الغربية، ولاسيما الولايات المتحدة، بأن الحرب لم تعد قادرة على حل المشكلة بسوريا ولا بد من إيجاد حل سلمي مع روسيا وبالتنسيق مع إيران والنظام السوري والدول العربية لضمان مصالحها أيضاً وعبر التنسيق مع روسيا!
هذا الواقع الجديد أدى إلى احتمال تحرك قوى المعارضة السورية والنظام السوري نحو الحوار بهدف الوصول إلى نتائج مرضية للطرفين، مع رفض قوى الإرهاب المسلحة لهذا الاحتمال وإصرارها على خوض القتال والذي كان وما يزال له تأثيره الملموس على قرار قوى المعارضة المدنية بهذا القدر أو ذاك. ولكن حتى الآن لم يستطع التوازن الجديد، رغم ميله لصالح النظام، إنهاء المشكلة واستمرار القتال أدى حتى الآن إلى العواقب الوخيمة التالية على الشعب السوري واقتصاده وحياته الاجتماعية وأوضاع ما بعد الحرب:
** استشهاد أكثر من 400 ألف إنسان سوري خلال السنوات الست المنصرمة.
** إصابة ما يزيد على عدد الشهداء والقتلى بجروح وتعويق وخروج من العملية الاقتصادية.
** نزوح قسري لأكثر من 12 مليون إنسان من مناطق القتال إلى مناطق أكثر أمناً، ومنهم الذين تسربوا صوب الخارج.
**هجرة قسرية لما يقرب من 7 ملايين سوري من مجموع النازحين فيها إلى الدول المجاورة، تركيا ولبنان والأردن والعراق، وإلى الدول الغربية.
** ازمة قاتلة تحيط بالاقتصاد السوري والبطالة واسعة جداً والفقر منتشر في أنحاء البلاد ودمار شامل للبنية التحتية في مناطق واسعة ومدن كثيرة.
** ارتفاع المديونية الخارجية لسوريا بمستويات عالية جداً بسبب استيراد السلاح القادم من إيران وروسيا والقروض المالية التي تتسلمها سوريا من هاتين الدولتين.
[7]
ليس هناك من شك في أن النظام السوري وحزب البعث الحاكم هما المسؤولان بالدرجة الأولى عن الحرب الدائرة منذ ست سنوات، إذ لو كان الدكتاتور الصغير بشار الأسد قد تنازل أمام الحركة المدنية الديمقراطية وأقر بوجوب تحقيق إصلاح وتغيير فعلي في الواقع السوري الذي استمر منذ العام 1970 بعد ما حصل ما يعرف بالحركة "التصحيحية!" لوالده، الدكتاتور حافظ الأسد، باتجاه منح الحريات الديمقراطية واحترام مبادئ حقوق الإنسان وحقوق القوميات وممارسة واحترم الحياة الحزبية والتنظيمات المدنية ...الخ، لما كان على الشعب السوري أن يواجه هذه المعاناة الجارية حتى الآن.
ولكن الدول العربية وتركيا والدول الغربية، وكذلك إيران وروسيا وحزب الله والميليشيات الشيعية المسلحة التي أرسلت مقاتلين تابعين لها ولإيران إلى سوريا، هي الأخرى مسؤولة وبدرجات متفاوتة عما حل ويحل اليوم بالشعب السوري، إضافة إلى تحمل جزء من قوى المعارضة السورية، دع عنك قوى الإخوان المسلمين والبعثيين المنشقين عن حزب النظام، مسؤولية الوضع الراهن. إذ كان على قوى المعارضة المدنية الديمقراطية تمييز نفسها عن القوى الأخرى التي زجتها القوى الإقليمية والدولية في معركة دموية حطبها الشعب السوري لا غيره. وكان هذا التمييز سيساهم في بلورة المناهج والمواقف بما يمنع التشابك الجاري حالياً والمؤذي حقاً للمعارضة المدنية الديمقراطية.
[8]
ومنذ سنوات لم يعد الصراع الجاري في سوريا والحرب الداخلية وحرب التدخل الخارجي، صراعاً أو حرباً سورية-سورية، بل هو صراع إقليمي ودولي، وهي حرب خارجية بامتياز، ولم يعد ممكناً حله محلياً مهما رغب الشعب السوري بذلك، إذ خرج الأمر منذ سنوات من يد الشعب السوري ووضع بيد الدول الإقليمية والدولية ولاسيما إيران وتركيا وقطر والسعودية أولاً، ولكن وبشكل أخص بين الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية. وهو ما يفترض أن نقتنع به ونعمل عليه.
[9]
وتصور البعض إن الاتفاق أصبح قريباً بعد تولي ترامپ رئاسة الولايات المتحدة على وفق تصريحاته في الحملة الانتخابية، ولكنه سرعان ما تخلى عنها وبدأ يلعب من جديد شرطي العالم. ولم تكن الضربة الصاروخية الأخيرة (59) صاروخاً على القاعدة الجوية السورية إلا محاولة لمسألتين أولاهما القول بقدرة أمريكا على التدخل العسكري بسوريا، وإبراز عضلات الولايات المتحدة أمام العالم، والذي تبعته قذف "أم القنابل" على أفغانستان، ومن ثم استعراض القوة العسكرية، حين وجه حاملة الطائرات "كارل فينسن" ترافقها ثلاث سفن قاذفة للصواريخ، ووعد بإرسال غواصات إلى شبه الجزيرة الكورية. وقد مارس الكذب من جديد في ادعاء أن سوريا هي التي ضربت "خان شيخون" بسوريا بالسلاح الكيمياوي. لا أشك باحتمال قيام النظام السوري بهذا الفعل الإجرامي، إذ إن بعث العراق كان قد مارسه ضد الشعب الكردي وضد حركة الأنصار وكذلك في مناطق أخرى من العراق. ولكن كان على الولايات المتحدة ان تنتظر قرار لجنة دولية مستقلة وحيادية تقوم بالتحقيق بالحادث لمعرفة الفاعل، خاصة وان عصابات داعش قد مارست ذلك بالعراق وضد قوات الپيشمرگة الكردستانية مثلاً. لا اعتقد بأن النظام السوري وروسيا الحليفة هما من الغباء بحيث يسمحون لبشار الأسد استخدام السلاح الكيماوي في هذه المرحلة من الحرب بسوريا ومحاولات إيجاد حل للمشكلة سلمياً، بل إن من استخدم السلاح الكيمياوي كان يريد الابتعاد عن الحل السلمي للمشكلة.
أري بأن الولايات المتحدة تريد بهذا الفعل العسكري المتهور أن توجه أكثر من رسالة، ولكن بعضها بالعناوين الخطأ. فالرئيس الأمريكي الجديد يمكن أن يدفع بمناطق معينة بالعالم إلى حروب تدميرية، ربما تدفع لحرب عالمية ثالثة، كما وُضع العالم على حافة حرب نووية في عام 1964 بسبب أزمة الصواريخ بكوبا أو جزيرة الخنازير.
إن الحل الوحيد لسوريا هو الحل السلمي والذي يفترض أن ينتهي بإبعاد المجرم والدكتاتور بشار الأسد والطغمة المجرمة عن الحكم بما لا يؤدي إلى الفوضى التي سادت بالعراق بعد إسقاط الدكتاتورية وحل الجيش وفتح الحدود أمام أوباش العالم لتدخل البلاد وتعيث فساداً فيها، وكذلك إبعاد تلك القوى التي مارست الإرهاب الدموي وجلبت المليشيات الإرهابية إلى سوريا. وهذا يتطلب كف الدول الإقليمية، ولاسيما تركيا وإيران وقطر والسعودية، والدولية عن التدخل الفظ في الشأن السوري. وهذا الحل سيحتاج إلى وقت غير قصير، وسيعاني الشعب السوري الجريح والمستباح من جراء استمرار القتال والإرهاب والتدمير.