سوريا الى أين ؟؟؟

فتحي علي رشيد
2017 / 4 / 16

سوريا الى أين ؟؟؟؟؟
فتحي رشيد 12/4/2017

الملفت للنظر أن الرئيس السوري بشار الأسد ومنذ توليه منصب رئيس الجمهورية اعتاد أن يظهر نفسه كمفكر , وأحيانا أخرى كفيلسوف , فيعيد النظر في كثير من المفاهيم والمصطلحات .ويبدع في التنظيرات والتفسيرات .ومن آخر هذه الإبداعات كان مفهوم سوريا المفيدة .
ولديه ما يبرره ومن حقه باعتباره تسلم سلطة رئيس جمهورية والتي أصبحت السلطة المطلقة في عهد والده .واكتسب (إضافة لمناصب عدة كان يشغلها والده ) منصب الأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي .أي أنه المنظر والموجه الفكري والسياسي والقائد للحزب والدولة والشعب .
ومن الملفت للنظر أكثر هو التصفيق الحار الذي يلقاه من قيادات حزبية قديمة ومخضرمة , وكتاب وفلاسفة وحملة شهادات عليا في السياسة والإعلام والصحافة . وهم مهما قال وبالغ في فلسفته تجدهم يشجعونه على المزيد لدرجة جعلوه يصدق حقا أنه من عجائب هذا العصر خاصة عندما يرى أن جميع من يشجعه من أعضاء مجلس الشعب وقادة الأحزاب الأكبر سنا حتى من والده يصفقون له مهما قال و حتى لو أخطأ أو تلعثم في الكلام .
ما يهمني هنا الحديث عن آخر ابداعاته ألا وهي سوريا المفيدة , كأن سوريا وشعبها بالنسبة له ضمن فلسفته الجديدة كبعض أنواع الفواكه والخضروات أو الأطعمة والأدوات المفيدة أو الغير مفيدة . وللأسف من منا سمع حتى الان عن أن قسما من بلد ما يمكن أن يكون مفيدا وقسم آخرمنه يمكن التخلي عنه كونه غير مفيد, حتى لو كان جبالا جرداء أو صحراء قاحلة ولكن السؤال الذي يطرح نفسه علينا هو من هي سوريا المفيدة و لمن ؟ وماهوالقسم المفيد منها والقسم غير المفيد ؟ ولماذا ؟ وبالتالي فالإجابة على هذه الاسئلة ستعطينا الاجابة على السؤال الاهم .... سوريا الى أين ؟؟.
بداية لا بد من التأكيد ان المخطط لسوريا المفيدة لا يمكن أن يصدر من انسان وطني والغريب أكثر ان كان رئيس الجمهورية والذي استلم الحكم بالوراثة عن أبيه الذي لم يكن يجرؤ أساسا في التفريط بسوريا أو المساس بوحدتها , أو حتى يقرر ماهو المفيد من سوريا وماهو غير المفيد . ومن هو السوري وغير السوري , ومن هوالخائن والعميل ,ومن هي المعارضة الوطنية أو الشريفة ومن هي الخائنة والعميلة .ولمن يحق له أن يعيش في سوريا ويتمتع بخيراتها حتى لو كان أفغانيا !!!!
وبمناسبة الحديث عن المفيد فمن المفيد أن نذكر الذين لم يستمعوا لما قاله بشار في خطابه الذي ألقاه يوم 26/7/2015 والذي كان موجها لرؤساء المنظمات الشعبية والنقابية ورؤساء غرف التجارة والصناعة والسياحة .
حيث مرر في خطابه ما يريد تمريره لتبرير موقفه في الدفاع عن سوريا المفيدة حيث قال : " في الحرب في العرف السيادي لا يمكن الاستغناء عن شبر من الارض ولكن في المعارك لها شروط تختلف حسب أولويات القيادة ويحكمها الوقائع الميدانية... و على صعيد الوقائع فإذا فكرنا أننا نستطيع الانتصار في كل مكان فهذا بعيد عن الواقع وهو مستحيل لذلك لا بد من وضع اولويات وهي المناطق الهامة ..... لا بد من تحديد المناطق الهامة و أن تتمسك بها قواتنا المسلحة لكي لا تسمح بانهيار باقي المناطق ..والأولوية العسكرية هي الاساس فقد نخسر منطقة لها صدى اعلامي .... هم يسعون الى تقسيم سوريا و يتحدثون عن حرب أهلية و......... ورغم تعقيد الواقع فانه ليس كذلك لان التقسيم لا يحصل على اسس جغرافية فالمواقع تسقط وتستعاد والسيطرة تفقد وتسترد... " .
وفي معرض خطابه مرر نكته وهو يضحك :" أن كثير من السوريين قد لايسمعون خطابه بسبب انقطاع التيار الكهربائي (وهو يعرف سلفا أن الناس المستمعين له سوف يضحكون لها مهما كانت سخيفة وخطيرة ومرعبة .) .

حقيقة الامر أن تبريره عن التراجع التكتيكي إلى حدود سوريا مفيدة ونافعة , يهدف إلى التغطية فعلا على الهزيمة التي أصابت جيشه والمليشيات التابعة لإيران .وكان يرمي من وراء ذلك القول إقناع مسؤولي الفعاليات الاقتصادية والنقابية كونه يعرف أنها هي فقط من باتت منذ أربعين سنة تمسك بزمام كثير من مفاصل الحياة العامة في سوريا , " حربنا حرب وجود فإما أن نكون أو لا نكون "والتي على ما يبدو باتت هي الفئة أو الطبقة التي رباها والده , والتي تهمه في سوريا دون سائر فئات الشعب السوري .وهي الفئة التي ـ على مايبدوا لايهمها في سوريا سوى المال والمنصب ـ وكان يعرف أنها توافقه , أو سوف توافقه على كل ما يقوله ويفعله . أوأنها سوف توافق على ماقاله أو على ماسيقوله ويفعله في المرحلة المقبلة سواء اقتنعت أو لم تقتنع أو أعجبها أو لم يعجبها .وهو بات يعلم كثير من السوريين الداعمين له هم الفئة العليا من المنتفعين والتي سوف تساعده وتقف إلى جانبه لتمرير في حقيقة الامر ما يسعى الغرب لتحقيقه وهو من سهل لهم الطريق .
ومن المفيد للسوريين أن يتذكروا أن تلك الأيام التي كانت حاسمة جدا في تاريخ سوريا الحديث هي بعد أن تراجع الجيش السوري أمام قوات المعارضة ,عن بعض المناطق الحساسة في جسر الشغور واللاذقية والغاب في شهري أيار وحزيران من عام 2015 فبات تقدمها نحو مدينتي حماة واللاذقية يهدد نظامه وجيشه بالإنهيار السريع .لذلك قرر استباق الأمور وسحب قواته والمليشيات المساندة له من مناطق كثيرة وجمعها في المناطق التي يعتقد أنها تكفيه . ومن المفيد للسوريين أن يتذكروا أنه قال يومها " سوف يسحب قواته ( بإرادته وكخطة واعية ومدروسة ) عن بعض المناطق " من أجل الحفاظ على المواقع المهمة والتي يمكن الدفاع عنها " .والتي سماها في خطابه ذاك ب" بسوريا المفيدة "
ولعله في ذلك اليوم قد أدرك وهو ماعبر عنه في خطابه ذاك .أن قواته وقوات حزب الله والمليشيات الإيرانية والعراقية والأفغانية وغيرها من المليشيات الطائفية " المسعورة "’ لم تعد قادرة على استرداد ما كسبته المعارضة السورية وغيرها من مناطق في سوريا , فقررالانكفاءوالاكتفاء ( حسب مشورة العسكريين الإيرانيين )بما يمكن لتلك القوات مجتمعة ـالحفاظ عليه من أراضي سورية ,من الناحية الاستراتيجية .
وعليه نستنتج إن المناطق التي قرر الاحتفاظ بها والدفاع عنها في ذلك اليوم هي التي كان يقصدها بسوريا المفيدة والتي يحرص اليوم على التمسك بها . وما يؤكد ذلك طلبه لمساعدة القوات الروسية في الدفاع عنه بعد فشله في إخضاع المناطق الأخرى و التي غدت بالنسبة له سوريا ( الغير مفيدة) .بل للحفاظ على سوريا التي يراها مفيدة .فوقفا لمنطقه و لمبدأ أولويات السيادة فالحفاظ على كرسيه ووجوده في السلطة هو الاهم .
ان سوريا المفيدة سوف تشكل الجزء من الأرض السورية التي ستكون خاضعة في المستقبل لآل الأسد والمليشيات الشيعية .تحت الحماية الإيرانية والروسية .
وقد اتفق هو ومن معه من قادة عسكريين سوريين وإيرانيين ولبنانيين . بعد أن أدركوا عجزهم عن الاحتفاظ بتلك المناطق غير المفيدة , على ضرورة استدعاء القوات الروسية لتدميرتلك المناطق فوق رؤوس اصحابها طالما أنها لن تقدر على ضمها معتقدين أنهم قد يستخدمون الروس حتى من أجل استعادة بعض المناطق الهامة مثل "حلب " و"تدمر" .بما يؤمن لهم سوريا مفيدة ومريحة أكثر . ولا مشكلة لديهم في تقديم التنازلات للروس أو الايرانيين مقابل أن يحافظ آل الاسد ومن معه من منتفعين على السلطة ولا مشكلة لديهم في تدمير المزيد من سوريا . فلا مشكلة لديهم بأن تحتفظ روسيا في المستقبل بكل الساحل السوري وتجعله مع من يسكنه خاصة من العلويين المرعوبين من زحف المعارضة تحت الحماية الروسية وليس حماية طرطوس فقط بناء على ما تم الاتفاق عليه سابقا مع الروس من أجل إقامة القاعدة البحرية الروسية.
.
وأنا اعتقد أن موافقة الأسد( ومن يحيطون به من إيرانيين ولبنانيين ),على مثل هذه الدعوة لقوات أجنية (لاعربية ولاإسلامية ) لأن تتخذ من مطار" حميميم "‘ قاعدة لها إضافة لطرطوس أو لإنشاء عدة قواعد ومطارات جديدة بالقرب من حماه وحمص .لم يكن بلا ثمن , بل مقابل ثمن مكلف للروس كونه سيجعلهم يخسرون ماديا ومعنويا وسياسيا , عندما يقومون بضرب مناطق تسيطر عليها المعارضة وليس مناطق تقع تحت سيطرة داعش .
سوريا المفيدة للجميع عدا السوريين
من زاوية النظرة الضيقة لمفهوم سوريا المفيدة فعليه ان الأسد ومن حوله يعتبرون سورية أرضا مباحة أو مشاع متنازع عليها ,حصلوا عليها عنوة ويحق لهم أن يحصلوا على مايستطيعون الحصول عليه منها عنوة , حتى لو دمرها الروس وحرقوها وأبادوا شعبها طالما أنها ستكون مفيدة مستقبلا لهم ولإيران ,أوكخط لحماية سوريا المفيدة (العلوية الإيرانية وعبيدهم ) , والتي ستكون واقعة مستقبلا تحت الحماية الروسية للأبد. ( لأنه باعتقادي لا العلويين ولا أي من السوريين الوطنيين يقبل أن تقتطع أجزاء من سوريا وأن يعيشوا في كانتون ضيق ) . وأما الاسد ومن معه فإنهم ينظرون إلى السوريين الخاضعين لسيطرتهم على أنهم مجرد أقنان أوعبيد من شاء منهم أن يحتفظ ببيته ومكان سكنه وعمله تحت أمرتهم فليبقى , ومن لايريد فليرحل وهذه أعلى أشكال الحرية والديمقراطية .وهوما عبر عنه صراحة بخطابه ذاك أيضا عندما قال :" أن سوريا ليست لمن سكنها أوحمل جواز سفرها , بل لمن يدافع عنها سواء أكان لبناني أوإيراني أوعراقي أو أفغاني ."
وهنا نسأل هل يعقل أن تقاتل تلك الفعاليات التي استدعاها ووجه لها خطابه في ذلك اليوم عن سوريا المفيدة , طالما أنها لم تقاتل يوما ما عن سوريا كلها, فهل ستقاتل اليوم أو غدا عن سوريا المفيدة لغيرهم ؟ أم أنها سوف تصحوا بعد فترة وتسقط تلك السورية المفيدة لغيرهم أم ستعمل على أن تنضم لسوريا كلها ؟. هل ستقاتل يوما دفاعا عن سوريا المفيدة لآل الأسد وحماتهم .؟ أم أنها ستقبل الخضوع والاستعباد تحت حكم الإيرانيين وآل الأسد , وبحماية من الروس ؟ .مقابل بقاءها في بيوتها كيلا تقتل أو تذل أو تهجر كما حصل مع غيرهم ؟
وبالمقابل نتساءل كم حرض الاسد غيره كي يتقاسموا معه فكرة الارض المفيدة ؟؟؟ من حقنا هنا أن نتسائل عما إذا كانت الدعوة لسورية المفيدة تشكل دعوة رسمية وعلنية لمن شاء في العالم ,من شذاذ الأفاق والمرتزقة والمجرمين والقتلة , لكي يأتوا إلى سوريا ليقاتلوا وليستولوا على ما يمكنهم الاستيلاء عليه من أراضي سوريا وبيوت وأرزاق السوريين ؟

الأكراد أدركوا أيضا أنه طالما أن الأسد استدعى الروس لحمايته في سوريا المفيدة , فإن من حقهم أن يستدعوا القوات الأمريكية والغربية للسيطرة على ما يمكنهم السيطرة عليه من منطقة الجزيرة السورية ويستعيدوا ما يمكن استعادته من أراض احتلتها داعش ليقيموا عليه دولة كردية مفيدة لهم أيضا حتى وان كان ذلك تحت الحماية الأمريكية والغربية . طالما أنها ستكون مفيدة أكثر من سوريا الأسد المفيدة .من مبدأ "ما حدا أفضل من أحد ".وطالما أن مثل هذه المحمية ستكون أفضل من سوريا الأسد المفيدة , كونها تحتوي على 90% من النفط والغازالسوري و70% من انتاج سوريا من الحبوب والقطن . يعتقدون طبعا أن من حقهم أن يقاتلوا وتوسيع حدودها ما أمكن .
. واستنادا لمنطق الأسد ذاته وجد الأتراك ـ أيضا ـ أن من حقهم الاستيلاء على ما يمكن الاستيلاء عليه من أراضي سورية تقع ما بين سوريا الأسد المفيدة وسوريا الأكراد وداعش , وذلك حفاظا على أمن حدودها ومواطنيها .
وعلى ما يبدوا فإن بعض السوريين قد تلقفوا الدعوة التركية القديمة لإقامة مناطق آمنة ,في أدلب ودرعا وغوطة دمشق (مركزها دوما ) وطوروها بما يتناسب مع موافقة الإدارة الأمريكية الجديدة لترامب , والمؤيدة لإقامة مناطق آمنة حيث يقيمون فراحوا يقاتلون ويعملون فقط على إقامة محميات تحميهم وتحمي عائلاتهم فقط حتى وإن كانت معزولة ومتباعدة ومدعومة من الأردن (في درعا ),ومن السعودية (في الغوطة ) ومن قطر وتركيا (في ادلب وجرابلس ) .

وهكذا فإن سوريا المفيدة للأسد وإيران ووروسيا وحزب الله , وسوريا المفيدة للأمريكان والأكراد , وسوريا المفيدة للأتراك والسعوديين والقطريين والأردنيين وبعض السوريين .أصبحت مفيدة ومريحة أكثر لإسرائيل الحاضربقوة والفعل . والغائب بالشكل . كونها كانت أول من عمل على إقامة دويلات على أساس طائفي أو عرقي أو ديني في سوريا والمنطقة .كي تسود وتبقى وتزدهر .وكونها ستكون كذلك مفيدة للجميع لفترة طويلة ,عدا السوريين .
وطالما أن الأمور وصلت إلى ماوصلت إليه فما علينا إلا أن نترحم على سوريا , ونقول على سوريا التي نعرفها السلام .على الأقل ربما لعشرين سنة قادمة .
البديل
وحتى لا نقع في المحظور الحقيقي الذي يرسم للمنطقة أرى أنه ما زال هناك امكانية لحل مناسب في سوريا الآن والمستقبل .لسوريا الحضارة والحضارية ولشعبها وللعرب والعالم . وهو حل سبق طرحه منذ بداية الازمة السورية في جامعة الدول العربية والذي باعتقادي ما زال الانسب حتى اليوم وهو ما يجب التركيز عليه من قبل المتفاوضين حاليا لحل الازمة السورية وفي كافة المحافل وهو أن يبدأ العمل على خروج جميع القوات غير السورية فورا .وأما بشار فعليه ان بقي فيه ذرة من الوطنية الحق , التنحي عن السلطة لنائبه المعين من قبله , السيد فاروق الشرع , ليقوم مع رياض حجاب رئيس وزراء سوريا الأسبق المعين من قبل الأسد ـ أ يضا ـ بتشكيل حكومة انتقالية تحضر لدستور جديد وانتخابات جديدة تحت إشراف دولي , لتقوم سوريا جديدة أكثر حضارية وتنهض من تحت الرماد .