في الوثيقة السياسية الجديدة لحركة حماس

محسن ابو رمضان
2017 / 4 / 10

في الوثيقة السياسية الجديدة لحركة حماس

بقلم / محسن ابو رمضان

اصدرت حركة حماس وثيقتها أو ميثاقها السياسي الأول ابان انطلاقتها في بداية الانتفاضة الشعبية الكبرى وكانت تتضمن العديد من القضايا الثابتة في منظورها الفكري أبرزها تحديد حدود فلسطين التاريخية من النهر إلى البحر ، والتعامل مع الأعداء " كيهود" وليس كقوة احتلال عسكري استيطاني واعتماد نهج المقاومة المسلحة وبأنها جزء من حركة الاخوان المسلمين العالمية .
شكلت الانتفاضة تحولاً نوعياً في مسيرة المجموعات ذات العلاقة مع حركة الاخوان المسلمين والتي كان عنوانها المؤسسي في غزة " المجمع الاسلامي " ، حيث كان هناك انشداد لأفكار التنشئة والبناء والدعوة وذلك قبل الانخراط بالكفاح الوطني في مواجهة الاحتلال ، إلا أن الانتفاضة ومفاعيلها وانخراط قطاعات شعبية واسعة من شباب ونساء وكبار السن وفئات مهنية واجتماعية مختلفة بها دفع العناصر القيادية بالمجمع والمجموعات التابعة لحركة الاخوان المسلمين بتأسيس حركة المقاومة الاسلامية " حماس " .
انخرطت حماس بالمقاومة الشعبية وتعدى الأمر ذلك إلى الابعاد العسكرية عبر تأسيس الجناح العسكري لها " عز الدين القسام " ومارست اشكال مختلفة من النضال الجماهيري والمسلح ، واختطفت بعض الجنود ، وبالتالي اسهمت اسهاماً نوعياً بحالة الكفاح الوطني في تجاوز لدائرة الدعوة وتهيئة الجيل والتي كانت تنادي بهما ،إلا أن حماس رفضت الاندماج في القيادة الوطنية الموحدة التي كانت مكونة من القوى الرئيسية التابعة ل م.ت.ف ، وآثرت العمل منفردة ، محددة ايام الصدام والاضراب بالتوازي مع الأيام المحددة من القيادة الموحدة للانتفاضة ، وذلك بسبب اشكالية الاعتراف ب م.ت.ف وعدم الاتفاق على صيغة تضمن لها حصة مناسبة بها رغم العديد من جولات الحوار مع قيادة المنظمة بهذا الخصوص أبرزها لقاءات السودان .
رفضت حماس اتفاق اوسلو ودفعت ثمناً لذلك ، عبر الاعتقالات السياسية لكوادرها وعناصرها وآثرت الاستمرار بالعمل خارج اطار بنى وهياكل م.ت.ف ، علماً ان اخفاق التوصل إلى اتفاق مع اسرائيل بعد محادثات كامب ديفيد عام 2000 وتحميل الرئيس الراحل ياسر عرفات افشال تلك المحادثات التي تمت بمشاركة رئيس الوزراء الاسرئيلي آنذاك براك بإدارة وبرعاية رئيس الإدارة الامريكية حينها" كلنتون " قد ساعد في اعطاء دفعة قوية للحركة باتجاه زيادة النفوذ والفاعلية والتأثير الامر الذي ساهم في تمكينها وتقويتها وبالتالي حصولها على نتائج كاسحة بالانتخابات التي تمت للبلديات عام 2005 وللمجلس التشريعي عام 2006 ، علماً بأنه كان قد صاحب تلك الانتخابات ملاحظات شعبية نقدية تجاه السلطة سواءً فيما يتعلق بالبعد السياسي والتفاوض " اوسلو" أو بما يتعلق بالأداء الذي شابه مظاهر من الفساد .
لقد ساهمت عدة عوامل في تحويل الانتخابات التشريعية من مدخلاً للشراكة إلى عنواناً للخلاف بين الحركتين الرئيسيين فتح وحماس مما ادى إلى تعزيز حالة الاحتقان وصولاً للانقسام الذي انتهى بسيطرة حركة حماس على قطاع غزة في منتصف حزيران عام 2007 .
وأبرز تلك العوامل عدم وضوح اسس النظام السياسي إذا ما كان رئاسياً أم برلمانياً أم مشتركاً ،الاستحداث الذي تم على منصب رئيس الوزراء والذي حصل على صلاحيات من الرئاسة ، عدم الفصل بين الحزب الحاكم ومؤسسات الحكم ، بحيث أصبحت البنى والهياكل الوزارية والأمنية تتبع الحزب الحاكم ، عدم القدرة على تحديد الحالة " القيادية " لمؤسسات السلطة بحث لا تتأثر بطبيعة الحزب الحاكم بما يتضمن تحويل البنية من بنية الحزب السابق إلى الحالي ، بمعنى تجاوز عملية تحويل السلطة إلى مركز للحزب الحاكم واستخدام مفاتيحه الاقتصادية وغيرها لتعزيز سيطرته الإدارية والامنية والاقتصادية .
بدأت حركة حماس تنتقل من حالة التيار الموازي والبديل للمنظمة إلى التيار الذي يريد المشاركة وذلك بعد حوارات القاهرة عام 2005 والتي تم التوافق بها على وثيقة الاسرى " الوفاق الوطني " عام " 2006 " ، إلى أن جاءت احداث الانقسام وكرست عملية الفصل بين القطاع والضفة .
فرضت دولة الاحتلال شروطاً ظالمة على حركة حماس ابان تشكيل حكومتها والتي كانت تحمل رقم " 10 " بعد حصولها على الاغلبية بانتخابات المجلس التشريعي التي جرت عام 2006و منها " الاعتراف بإسرائيل ، الاتفاقات الموقعة ، وإدانة الارهاب " ، وقد أدى رفض الحركة لهذه الشروط إلى فرض حصار على الحركة وعلى قطاع غزة في ذات الوقت بسبب رفض حماس للاستجابة إلى هذه الشروط المجحفة .
أدركت حماس بعد تفاعلات تاريخية داخلية على المستوى الذاتي وعلى مستوى الحالة الوطنية وبعد متغيرات اقليمية عديدة والناتجة عن حالة الحراك الشعبي العربي " الربيع " ، حيث بدأت العديد من الأحزاب التابعة لحركة الاخوان المسلمين بالاستدارة باتجاه الاقرار بأهمية الدولة المدنية والانتخابات والتداول السلمي للسطلة واعتماد معايير الحكم الديمقراطي الرشيد والاقرار بنظام ديمقراطي تعددي وبأن محاولات تغير بنية السلطة والحكم لصالح الحركة " الاخوان " لم ينجح بقدر نجاح تجارب أخرى ابرزها تجربة حزب النهضة في تونس الذي تأثر بالمتغيرات الجديدة وبأن لا مستقبل للسيطرة والاستحواذ والتغيير الايديولوجي لبنية الدولة التي يجب أن تستند إلى أسس الدولة الديمقراطية والمدنية والحديثة وبأن الحزب الاسلامي عليه تجريب تنفيذ برنامجه السياسي الاقتصادي بدلاً من إعادة هيكلة الدولة ونظامها على شاكلته ، وفق تجربة الاخوان الفاشلة التي تمت في مصر .
إن التفاعلات الداخلية بالحركة وبالاطار الوطني الفلسطيني الجمعي من جهة وإدراك متغيرات الاقليم والعالم دفع حماس لتغيير عناصر هامة في وثيقتها منها الاقرار بحدود الرابع من حزيران عام 67 بوصفه توافقاً وطنياً كأراضي للدولة الفلسطينية المستقلة ومنه اعتبار الصراع ليس دينياً ضد اليهود ، ولكن سياسياً وطنياً أي ضد الاحتلال والاستيطان وعمليات الاجلاء والتمييز العنصري ، ومنه أهمية الانفتاح على المجتمع الدولي والاقرار بالقرارات والتشريعات الحقوقية والانسانية العالمية ، ومنه الايمان بمبدأ الانتخابات الدورية والتداول السلمي للسلطة وفق اسس سيادة القانون ومبادئ الحكم الديمقراطي الرشيد ، حيث أنها حركة مقاومة وطنية اسلامية ، الأمر الذي يعنى توطين الحركة وإقرارها بأنها جزء من مكونات الحركة الوطنية وإن كانت بمرجعية اسلامية وفي نفس الوقت انفصالها عن حركة الاخوان المسلمين .
من الواضح أن تلك المتغيرات تقرب الحركة مع اسس التوافقات الوطنية الفلسطينية والتي من الممكن ان تحظى بتفهماً من بعض بلدان ومنظمات العالم ، أو ربما تجاهل من بعض الدول الاخرى ، خاصة في ظل تصاعد التيارات اليمينية والفاشية والمتطرفة بالعالم وابرزها صعود ترامب على سدة الحكم للإدارة الامريكية وحديثة اثناء الدعاية الانتخابية بضرورة وضع حركة حماس على قائمة الارهاب ، إلا أن الأهم برأي من انتظار ردود الفعل الدولية يكمن بردود الفعل الوطنية الفلسطينية التي يجب ان تلتقط هذه التحولات المفصلية والهامة باتجاه الاسراع في دمج حركة حماس في مكونات النظام السياسي الذي يجب ان يتم إعادة بناؤه على قاعدة الشراكة دون الاقصاء وبما يعنى العمل على تحقيق مجتمع ديمقراطي تعددي يحترم الآخر ويقر بوجوده ويدير الخلاف معه بطرق الحوار أو الانتخابات التي يجب ان تكون دورية لإعادة تجديد الشرعية وتعزيز المشاركة في بنية الحقل السياسي الفلسطيني برمته .
وبرأي فإن المتغيرات التي تمت يجب ان لا تكون رسائل موجهة للمجتمع الدولي للحصول على الشرعية والاعتراف منها رغم مشروعية هذه التوجه بقدر ما يجب ان تنصب في تعزيز التوافقات الوطنية الفلسطينية " العقد الاجتماعي " السياسي والحقوقي ،وبما يساهم في اعادة بناء وترميم البيت الداخلي على اسس وطنية ديمقراطية متوافق عليها.
من المؤسف ان آفاق المصالحة وانهاء الانقسام تزداد تعقيداً خاصة بعد سلسلة الاجراءات والقرارات التي اتخذتها قيادة السلطة بحق قطاع غزة وبالمقدمة منهم موظفي الوظيفة العمومية في اطار محاولات الضغط على حركة حماس ولجنتها الإدارية الحكومية التي تشكلت مؤخراً وبهدف تعميق حالة الاحتقان الداخلي وذلك بدلاً من السير باتجاه تنفيذ مسار المصالحة الفلسطينية وفق أولوياته والتي تبدأ بعقد اجتماع الاطار القيادي المؤقت للمنظمة يليه تشكل حكومة وحدة وطنية تمهد وتحضر لانتخابات رئاسية وتشريعية وللمجلس الوطني وبما يضمن تجديد الشرعيات وتحقيق الشراكة واستعادة البعد الديمقراطي المفقود بسبب حالة الانقسام.
ولكن تبقى الوثيقة خطوة مهمة باتجاه الاقتراب من حالة التوافق الفلسطيني الداخلي الامر الذي يقرب من فرص المصالحة وتحقيق الوحدة .

انتهى