تلاعب الإعلام

مروة التجاني
2017 / 4 / 6

منذ القرن الماضي وقضايا الإعلام تشكل محوراً هاماً في كتابات عدد من المفكرين والباحثين لأن الإعلام بشكل عام اصبح سمة اساسية لا غنى عنها في القرن الواحد والعشرين، واوضح المفكرين جوانب مختلفة في قضية تلاعب الإعلام وآليات توجيه الرائ العام، من هذا الإرث الذي بقى لنا منهم وقليل من الملاحظات سنحاول في المقال التالي توضيح هذه القضية وسرد نماذج وامثلة لتقريب المفهوم العام.

لنبدأ من السؤال الذي طرحه بورديو عن الإعلام المرئي أو التلفزيون ، هل يمكن أن نفكر بسرعة؟..تحتمل الإجابة احتمالين نعم ولا.. سنبدأ مع الـ(نعم) حين يتم طرح قضية على التلفاز يتم ذلك من خلال الصورة وايضاً الحديث الذي يفسر القضية المطروحة ونظراً لسرعة الزمن وكثرة وجود المحليين المتسابقين للإدلاء برأيهم فأن العقل سريعاً ما يذهب لتصديق اليقين والمعروف عن اليقين إنه اخطر من الكذب، فمثل الذي يذهب للسوق لقضاء ما يلزمه على عجل يأخذ المتلقي عن القضية الملامح العامة وما يقال بسرعة ويدخها إلى عقله ليتفرغ بعدها لهموم أخرى دون أن يجهد نفسه بإعادة التفير فيما قيل أو يذهب للتوسع في القضية، أما القائلين بـ(لا) فيدركون أن تناول حدث عظيم لنقل مثلاً التفجيرات في فرنسا لا يمكن الوصول إلى تحليل كبير وعميق في القضية بمجرد متابعتها لمدة أيام على شاشة التلفزيون، لأن عملية التفكير معقدة تتم على مهل وبحث وتقصي، كما أن المحللين الذين يتناولون القضايا في الإعلام المرئي ويظهرون على الشاشات بعد دقائق قليلة من الحدث (نعم يجب اخذ جوانب من حديثهم بعين الاعتبار) لم يملكوا الوقت الكافي للتقصي حول الموضوع وغالباً وهنا يجوز لنا تشبيههم بالبائع الذي يعطي الزبون ما يلزمه دون أن يجهد نفسه بالسؤال ما دام يدفع المال، هنا يعطي المحلل للمشاهد حديث عاطفي في معظمه وعام يكفيه ليناقش به الآخرين ويشبع فضوله عبر مقولات مملؤة باليقين..
سنسمح لأنفسنا بالذهاب إلى مدى بعيد ..ونحلل كيف يخاطب التلفزيون العقول، يجوز لنا أن نشبه من يطرحون قضايا للنقاش في الاعلام المرئي بالخطيب أو امام المسجد فجميعهم يملكون سلطة على العقول من أعلى، وغالباً ما يكون المحلل أو المفكر في موضع لا يسمح لك بمناقشته فهو يطرح وجهه نظره في أي قضية على عجل وهذا ما تسمح له به سلطته فلا يتبقى امام المشاهد وقت للنقاس او طرح الأسئلة وسماع الإجابات، أكثر من ذلك عادةً ما يستغرق النقاش حول قضية كبرى عدة ايام أي أن الباب امام المشاهد للأخذ والعطاء يجب أن يبقى مفتوحاً كذلك وهو الأمر البعيد المنال.

التلفزيون يعطي القاباً وشهادات مجانية لعدد من من الأفراد ربما اكبر من الواقع على شاكلة محلل سياسي أو مفكر وحتى دكتور ليناقش في قضايا كبرى، يلزمنا حتى نلم بها أن نسأل الرجل العادي والمتخصص بعد ذلك كلاً في جانبه، التلفاز يمنح اضافة إلى ذلك سلطة شرعية لهؤلاء المحليين ليوجهوا الرائ العام انطلاقاً من توجهاتهم الفكرية والعقائدية فيخلق بذلك حشداً من العقول تهتف بذات الرائ (سنعود لمناقشة قضية الهتاف وحشد العقول في موضوع منفصل اذا مد في الآجال) وتهتف العقول دون أن تدرك ابعاد القضية التي تهتف لأجلها، وانت جالس وحيداً في منزلك يجعل التلفاز عقلك يذهب مع الجموع فينزع عنك ملكة التفكير والرائ المنفرد القائم على البحث والتقصي، إنه يريحك بأن يهب لك الآراء السائدة وتحليل سريع تأخذه كما تتناول مشترياتك اليومية.