انطباعات عن زقورة أور

محمد لفته محل
2017 / 4 / 6

في عيد نوروز نُظمت سفرة جماعية لزقورة أور ضمت عدداً من الصحفيين والفنانين والنشطاء المدنيين يرافق البعض منهم عوائلهم. وكنت ضمن هذه السفرة وهي أول مرة أسافر لأثر عراقي.
عند وصولنا للمكان وأنا في طريق الممر داخل الأثر، رفعت نظري أمام كتلة ضخمة تقترب من السماء تشعرني بضآلتي أمامها. شعرت بهول واجلال الزقورة، وهي أول رسالة بصرية لي كمشاهد عن بُعد. اتجهت نحوها وبدأت بصعود السلم (ذو الطابوق الحجري) الاول المؤدي لها، في نهايته هناك ممر يصل للسلم الثاني، وهذا الممر اشبه بمرحلة ممهدة للحالة النفسية القادمة (لايوجد سياج جانبي الممر يمنع السقوط رغم ارتفاعه) اثناء صعود السلم الثاني تزداد ضخامة الزقورة صعوداً عكساً مع الأحساس بضآلتي، كتقابل المتناهي بالامتناهي. فهذا التدرج بالصعود الذي يخلق تدرج انفعالي بالمشاعر، وهذه العتبات التي تحولني من منطقة نفسية الى أخرى مختلفة حتى اتهيأ للمواجهة. ثم اصبحت بمواجهة الزقورة مباشرة اجول ببصري مندهشاً في فضاء عالي وبتفاصيل المعمار. ورغم الفاصل الزمني والتاريخي بين المكان وبيني فلا زال الأحساس الديني الذي يبثه المكان حياً حتى مع تشوه المبنى مادياً. درت حول الزقورة واقتربت من طابوقها الطيني وحصائر القصب التي تفصل بين طبقات الطابوق. عند لمسي للطين والقصب شعرت بحميمية وانتماء للمكان، تخيلت المتعبدين يمشون او يعملون بقربي. ورغم دراستي لها بالكلية نظريا، إلا أني لم أشعر بحيوية المكان إلا عندما زرتها. تسائلت كيف كنا وكيف صرنا، لماذا انقطعت ذاكرتنا الحضارية؟ لماذا حافض المصريون عليها، ونحن محوناها؟ هل بفعل الاحتلالات التي تعرض لها العراق سواء البدوية او الامبراطوريات (الرومانية والفارسية) هي من قطعت الذاكرة؟. هل لو كان هذا المبنى مزار اسلامي مقدس سيتركه الناس هكذا حتى لو اهملته الحكومة؟. اسئلة كثيرة جالت برأسي بدون إجابة.
أما الشباب حولي فيلتقطون الصور الشخصية لهم او لأصدقائهم بالهواتف الذكية، بعضهم تسلق الزقورة ووصل قمتها ليلتقط صوراً لنفسه، وغير مستبعد أن هذا التسلق جاء من إيحاء المكان. يوازي هذا حضور نسائي لابأس به كعوائل او كأصدقاء.
نزلت بعدها متوجهاً للمدينة المحيطة بالزقورة، دخلت غرف مخصصة للقبور كما اخبرنا أحد الموظفين، وهناك غرف متكررة معتمة توحي بالعبادة، وجميعها ذات سقوف من قضبان خشبية مرصوفة بالعرض على السقف كسكة القطار، يغطيها حصير السعف المطلي بالطين. عموماً هناك الكثير من البناء الحديث يحاكي البناء القديم بسبب انهيار وتلف معظم بنايات المدينة، وما تبقى من البناء القديم، تم طلائه (درزه) بالطين للحفاظ عليه.
ما يلفت الانتباه أن الممرات والغرف متسخة بقناني الخمر المكسورة! وطابوق مخلوع متناثر، وبعض اوعية (طوس) الاسمنت وعبوات صبغ فارغة! واوتاد الممرات القصيرة (محجّر) مخلوعة او مطوية (وهي حديد!)، وواحة تحيط بالمدينة جرداء بلا زرع.
اخبرنا موظف ان بعض الزوار يسكر بالمبنى، او يمارس الزنا بالغرف بالاتفاق مع الشرطة مقابل مبالغ نقدية، وإن بعض الزوار يتلف الاوتاد ويلقي الاوساخ، ونحن ننظف المكان كل يوم ورائهم، وأن جميع هذه الترميمات جرت في عهد صدام، والسلطات الحالية لم تصرف شيء على المكان الذي يمكن استثماره جيدا كسياحة أثرية. فاحدى الدكات الواسعة كانت مكانا للاحتفالات العامة في العهد الماضي، هي الآن متروكة! ثم عرفت ان بعض موظفين وزارة الصناعة تم تحويلهم على وزارة الثقافة!.