الشعب الكردي وحقه في تقرير المصير والوضع الراهن

كاظم حبيب
2017 / 4 / 5

الشعب الكردي موزع مع أرضه على أربع دول هي تركيا وإيران والعراق وسوريا. لم يتم هذا التوزيع بإرادته المستقلة ورضاه. وإذا كان التقسيم الأخير قد تم في نهاية الحرب العالمية الأولى، فأن التقسيم السابق قد وقع في القرن السادس عشر وفي الحرب بين الدولة العثمانية والدولة الفارسية، في حين كان في فترة الدولة العباسية كله خاضعاً للدولة العباسية، كما هو حال إيران وتركيا وبلاد ما بين النهرين. وقبل الحرب العالمية الأولى كانت كردستان وشعبها قد قسما على دولتين هما الدولة الفارسية والدولة العثمانية في أعقاب معركة جالديران في العام 1514. وطيلة الفترة المنصرمة لم يخضع الشعب الكردي أو يستكين لهذه الحالة وكان يطمح للخلاص من الهيمنة الأجنبية عليه، تماماً كما سعى الشعب العربي في المنطقة إلى ذلك.
ومنذ الحرب العالمية الأولى، وبعد قرار إلحاق ولاية الموصل بالعراق، على وفق قرار مجلس عصبة الأمم، فـأن هذا الإلحاق قد تم في ضوء مجموعة من الرسائل والاتفاقات مع الحكومة العراقية والملك فيصل الأول. ولكن الحكومات العراقية المتعاقبة لم تنفذ تلك الاتفاقات التي سجلت في رسائل متبادلة بين الملك فيصل الأول والحكومة العراقية من جهة، ومجلس عصبة الأمم من جهة أخرى.وقد تسبب موقف الحكومات الملكية إلى نضالات مستمرة وانتفاضات مسلحة من جانب الشعب الكردي لنيل حقوقه المشروع والعادلة. وقد جوبهت تلك النضالات والانتفاضات بالحديد والنا وقمعت بقسوة شديدة. ولكن نضالات الشعب الكردي لم تقتصر على إقليم كردستان العراق فحسب، بل وحصل ذلك بالأقاليم الأخرى أيضاً، ولاسيما بإيران وتركيا، وبصيغ وأساليب وأدوات مختلفة.
اللوائح والمواثيق الدولة كافة تؤكد بحق كل شعب، صغرها وكبيرها، في تقرير مصيره بنفسه ودون تدخل من أحد. وهذا الحق لا يقتصر على شعب كردستان العراق فحسب، بل يشمل الشعب الكردي في بقية أجزاء كردستان الكبرى المقسمة.
وتاريخ العراق الحديث يحدثنا عنن التحام نضال الشعب الكردي بكردستان العراق بنضال القوميات ، أي مع الشعب العربي ومع الكلدان والأشوريين والسريان والتركمان، في سبيل الاستقلال والسيادة الوطنية أولاً، وفي سبيل الحريات الديمقراطية والحياة الدستورية ثانياً، ومن أجل تأمين الحقوق القومية المشروعة للشعب الكردي ثالثاً. وإذ بدأ النضال الكردي في سبيل الحقوق والحريات الديمقراطية، تطور إلى مطلب الحكم الذاتي، ومن ثم إلى الفيدرالية في إطار الدولة العراقية ضمن الحق المشروع في تقرير المصير، بما في ذلك الحق في الانفصال وتشكيل الدولة الكردستانية. وبعد مرور 65 عاماً على إلحاق ولاية الموصل، ومعها إقليم كردستان العراق، بالدولة العراقية الملكية، حقق الخطوة المهمة على طريق ممارسة حق تقرير المصير بإعلان الفيدرالية في إطار الدولة العراقية في العام 1991. ولكن هذا الإنجاز لم يكن الهدف الأخير للشعب الكردي بالعراق، بل من حقه أن يعمل على تحقيق الاستقلال عن الدولة العراقية وتشكيل دولته الوطنية المستقلة. لقد اعترف بذلك الحزب الشيوعي العراقي ورفع الشعار منذ الخمسينيات من القرن العشرين، وكان موقف الكثير من التقدميين والديمقراطيين المستقلين مشابهاً لموقف الحزب الشيوعي العراقي. وكان أول من رفع هذا الشعار هو الشخصية الوطنية والأممية المعروفة والمناضل الماركسي والشخصية الشيوعية البارزة وعضو مجلس السلم العالمي الأستاذ والرفيق الطيب الذكر عزيز شريف (6 تشرين الثاني21 -1904 نيسان(1990 في العام 1950/1951. ثم تجلى بعد ذلك في رفع شعار حق تقرير المصير من قبل الحزب الشيوعي العراقي في العام 1952/1953. واستمر مرفوعاً حتى هذا اليوم.
منذ فترة والسيد رئيس إقليم كردستان العراق يتحدث عن إجراء استفتاء بشأن ممارسة حق تقرير المصير للشعب الكردي بكردستان العراق. لا أشك ولو للحظة واحدة بأن الشعب الكردي لا يريد ممارسة هذا الحق، بل سيؤكد الاستفتاء على الرغبة الصادقة لدى الكرد في ذلك. ولا أستطيع أن أؤكد رأي القوميات الأخرى بالإقليم بهذا الصدد، إذ يمكن أن يكون الموقف مغايراً. ولكن هذا أيضاً حق من حقوق القوميات الأخرى بالعراق وبالإقليم في آن واحد. وعلى وفق ما أراه بأن الاستفتاء سينتهي إلى نتيجة واضحة هي إقامة الدولة الكردية المستقلة على ذلك الجزء من الأرض الكردستانية التي تسمى جنوب كردستان.
ولكن تنفيذ هذا القرار، كما أرى يخضع لمجموعة من العوامل، التي لا أطرحها هنا لوضع العراقيل أمام تنفيذ ما يتوصل له الاستفتاء، بل انطلاقاً من الواقع الراهن في منطقة الشرق الأوسط عموماً، والعراق والدول المجاورة للعراق خصوصاً وكذلك الوضع بالإقليم ذاته.
وكما أرى فأن مهمة قادة إقليم كردستان دراسة وتحليل ومعالجة المشكلات التالية في ضوء المعطيات الراهنة والمتحركة مستقبلاً وبالوجهة المحتملة:
1. لا يستوجب تحقيق الانفصال وإقامة الدولة الكردستانية المستقلة إرادة الشعب الكردي حسب، بل لا بد من التيقن من مواقف القوى السياسية الفاعلة بكردستان ذاتها، وكيف هو موقفها الراهن وكيف سيكون موقفها بعد إعلان الاستقلال. إذ لدينا أكثر من تجربة على الصعيد الدولي، ومنها بشكل خاص جنوب السودان الذي ما يزال يعاني من حرب أهلية طاحنة لم تتوصل الأطراف الوطنية فيها، والتي ناضلت طوال سنوات في سبيل الاستقلال، من تحقيق وحدة الصف الوطني. وهي تخوض حرباً منهكمة ومدمرة ومشردة للشعب في جنوب السودان، ومثل هذه التجربة لا بد أن تؤخذ بنظر الاعتبار جدياً. إذ نحن نرى بوضوح كبير الصراع الدائر بالإقليم على السلطة والمال والنفوذ والذي تفاقم في الآونة الأخيرة والذي لا يهدد الوصول إلى موقف موحد فحسب، بل وينشأ احتمال النزاع العسكري الذي توقف منذ العام 1996.
2. لا بد من ترتيب الموقف مع الحكومة الاتحادية بشأن المناطق المتنازع عليها بصورة سلمية وديمقراطية بما يسمح بالوصول إلى نتائج مرضية للطرفين، ليس فقط لتلك المناطق التي تعتبر كردية والحكومات العراقية المتعاقبة تعتبرها عربية، بل وكذلك لمناطق المسيحيين التي تتداخل بين الإقليم والعراق، وبما يسهم الوصول إلى حلول عادلة ومخلصة. وهي إشكالية كبيرة في ظل النظام والوضع السياسي الراهن. إن القوى القومية، سواء أكانت عربية أم كردية، مستعدة لخوض النزاع العسكري على قطعة أرض صغيرة. وليس في مصلحة جميع القوميات الموجودة بالعراق نشوء مثل هذا النزاع. وأكثر المناطق سخون هي كركوك التي يفترض أن تعالج على وفق المادة 140 من الدستور العراقي وبعيداً عن التسويفات والتأخير التي تقود إلى الوضع الذي نحن فيه الآن ونشوء مشكلة رفع الراية الكردستانية أو رفض رفعها كما في قرار مجلس النواب العراقي.
3. إن الأوضاع بالعراق وبالإقليم تفتقد للكثير من الحريات العامة والحياة الديمقراطية السليمة، وبهذا يمكن أن تنشأ إشكاليات كبيرة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم وتنعكس على الوضع العام بالبلاد، إضافة إلى مواقف الأحزاب المختلفة على صعيدي العراق والإقليم.
4. ليست المشكلة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم تمس موضوع الأرض فقط، بل هي مرتبطة بالثروات التي في باطن الأرض، ولاسيما النفط، وهذا الأمر يفترض أن يسوى بروح ديمقراطية حريصة على بقاء العلاقات بين الشعبين حتى بعد حصول الانفصال وإقامة الدولة الكردستانية المستقلة. والسؤال هل الوضع الراهن مؤهل لذلك؟
5. إن إقليم كردستان العراق محاط بالدولة الإيرانية والدولة التركية وسوريا الجريحة، وهي دول كلها لا ترفض الدولة الكردستانية المستقلة فحسب، بل يمكن أن تقوم بعملية مباغتة ضد الإقليم والتي يعجز الإقليم في الدفاع عن نفسه، علماً بأن العلاقات الدولة تقوم على المصالح، ومصالح الغرب مع تركيا أكبر بكثير من مصالحه مع حكومة الإقليم، وكذلك مع حكومة العراق. وهي إشكالية يراد دراستها بعمق ومسؤولية كبيرة.
6. المشكلة تكمن أيضاً بأن هذه الدول، ورغم الرياء الذي يغلف موقفها حالياً، وبشكل خاص تركيا، فأنها يمكن أن تتفق على خنق الإقليم اقتصادياً وتجارياً، الذي لا يملك أي منفذ على بحر أو مياه إقليمية ولم يهيئ لأي أمن اقتصادي أو غذائي. وليس بغريب على هذه الدول التي تخشى أن تتعزز الحركات المماثلة في الأقاليم الكردستانية في دولها، وهو أمر متوقع طبعاً، ولا بد من أخذه بالحسبان، خاصة وأن السياسة الإقليمية يمكن أن تتجه للتلاقي بين إيران وتركيا والعراق وسوريا ضد الشعب الكردي في كل أجزاءه.
7. ولا بد هنا من إدراك حقيقة أن الاقتصاد الكردستاني اقتصاد استخراجي ريعي بنسبة عالية جداً، إضافة إلى كونه استهلاكي وليس إنتاجي، وبالتالي فهو يعتمد على النفط الخام تصديراً وعلى الموارد المالية للنفط المصدر في استيراد السلع الاستهلاكية لمعيشة الشعب، وهذه الحقيقة المرة هي نتاج للسياسات العراقية المتواصلة منذ عقود ضد التنمية الاقتصادية عموماً، وعلى صعيد الإقليم خصوصاً، وتواصلت هذه السياسة ضد التوجه صوب الاقتصاد الإنتاجي حتى بعد عام 1992 حتى قبل بدء أزمة الموارد المالية النفطية بسبب انخفاض أسعاره في السوق الدولية.
8. عليّ كاقتصادي وسياسي عراقي أن أشير بوضوح إلى أن القيادات الكردستانية يفترض أن لا تعتمد على الحماس الوطني وحده، فهذا لا يكفي أبداً، رغم أهميته وضرورته، بل يفترض توفير المستلزمات الضرورية على الصعد الداخلية والإقليمية والدولية من جهة، وتأمين الوعي الاجتماعي والمستلزمات الاقتصادية والاجتماعية اللازمة لمثل هذه الخطوة من جهة أخرى.
9. وأخيراً لا بد أن تؤخذ الأوضاع الراهنة في الحرب ضد داعش بنظر الاعتبار لكي لا تتبعثر الجهود التي يفترض توجيهها للمعركة ضد عصابات داعش الإرهابية.
أضع هذه الأمور أمام أنظار الأخوة الكرد لدراستها ولا شك بأنها غير غائبة عن أنظارهم، ولكن الواقع الذي يعيشه الشعب الكردي حالياً وكل الشعب العراقي يمكن ألا تسمح برؤية كل ما هو ضروري رؤيته حين الإقدام على خطوة الاستفتاء التي اعتقد بأن ليس هناك كردياً واحداً لا يؤيد ولا يوقع بعشرة أصابع علي حق تقرير المصير من حيث المبدأ، ويمكن أن يبرز الاختلاف في التوقيت وفي شروط ومستلزمات الإعلان عن الاستفتاء، ومن ثم ما بعد إعلان الخطوة أيضاً.
يقول البعض من الأخوة أنكم تؤيدون ذلك ولكن غالباً ما تضعون الكثير من المسائل التي أشبه بمن يقول "نعم"، ولكن..! من حمل السلاح مع الكرد بقناعة تامة في سبيل الديمقراطية للعراق وحق تقرير المصير للشعب الكردي، لا يمكن أن يتخذ مثل هذا الموقف السلبي. إلا إن الضرورة هي التي تستوجب طرح المسائل التي يفترض أن تدرس قبل البدء بالخطوة المرجوة، خاصة وأن الشعب الكردي وقيادته كثيراً ما لدغت من الدول الكبرى ومن دول الإقليم ومن الساسة العراقيين والحكومات العراقية المتعاقبة.
وأرى بأن من يدعو إلى ربط إعلان الاستقلال مع نتيجة الاستفتاء كمن يقول: اقتلوني ومالك!