(10-1)الدراسة المنهجية في عِلم الاقتصاد الوحدة والتعدد في العلوم والمناهج

محمد مدحت مصطفى
2017 / 4 / 3

في الدراسة المنهجية للعلوم الإنسانية بشكل عام والعلوم الاقتصادية بشكل خاص نتبين أننا أمام منهجان رئيسيان ترجع أصولهما إلى الخلاف بين النظرة المثالية في عملية المعرفة وبين النظرة المادية. فبينما يبدأ البحث لدى أنصار النظرة المثالية في تصور ذهني في العقل متجهة إلى المادة فإنه يبدأ لدى أنصار النظرة المادية من المادة متجهة إلى العقل، ويُطلق على العمليات التي تتم في الذهن متجهة إلى الواقع لتفسيره "الاستنباط" Deduction وهو في الأساس منهج الرياضيين والقانونيين الذين يبدؤون من العام وصولاً إلى الجزئي الخاص، ويُطلق على العمليات التي تتم على الواقع لاختباره "الاستقراء" Induction وهو في الأساس منهج الفيزيائيين والكيميائيين الذين يبدؤون من الجزئي الخاص وصولاً للعام، ومن هنا كان المنهجان الاستنباطي والاستقرائي المنهجان الرئيسيان المُستخدمان في البحث العِلمي. إلا أنه لا أفضلية لمنهج على آخر فلكل منهما مميزاته التي لا يُمكن إغفالها، ومن ثم نجد أن عدد كبير من العلماء يذهبون بالقول بأن هناك منهج واحد للبحث العِلمي يجمع بين الاستنباط العقلي والاستقراء التجريبي لأن المعرفة العِلمية تعتمد على الحس والعقل "اختباريه منطقية"، ويحبذون استخدام مصطلح "المنهج العِلمي" بدلاً من "المناهج العِلمية"، فالمنهج العِلمي يعتمد على مجموعة متداخلة من عمليات استقرائية واستنباطية Deductive- inductive Method في آن واحد. ويظهر ذلك بوضوح في أحد فروع عِلم الاقتصاد وهو ما يُعرف بالاقتصاد القياسي Econometric حيث يجمع بين التحليل الإحصائي كأداة اختباريه استقرائية وبين التحليل الرياضي كأداة ذهنية استنباطية وقد ظهرت أول بحوث هذا الفرع عام 1926م. والاقتصاد القياسي يُشير إلى قياس الظواهر الاقتصادية ومن ثم فهو ينتمي إلى الاقتصاد الكمي ولكن هذا المنهج يتجاوز القياس إلى التعبير عن الظاهرة. هذا الخلاف القائم بين القائلين بأن هناك منهج واحد للبحث العِلمي وبين القائلين بوجود مناهج للبحث العِلمي قام أساساً نتيجة للنزاع بين القائلين بأن هناك فروق أساسية بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية الأمر الذي يلزم معه وجود منهج خاص بكل منهما، وبين القائلين بوحدة العلوم الأمر الذي يستلزم معه وجود منهج واحد للبحث العِلمي.

أولاً: وحدة العلوم وانقسامها:
في البدء كانت العلوم واحدة لا انقسام فيها، وكان العالِم ينشغل بدراسة الظواهر والبحث في تفسيرها، وكانت هذه الظواهر تنتمي إما إلى ما يُعرف اليوم بالعلوم الطبيعية وإما إلى ما يُعرف بالعلوم الإنسانية. فالعالِم كان شاملاً يمتلك الحكمة في الطب كما يمتلكها في الفلك والرياضيات والتاريخ والفلسفة والاجتماع. وقد شهدت فترات ازدهار الحضارة الإنسانية سيادة أحد العلوم دون غيرها فاتصف المنشغلون بها باسم هذا العِلم السائد رغم انشغالهم بموضوعات باقي العلوم فنجد سيادة علوم الفلسفة في الحضارة اليونانية القديمة فلُقِبَ العلماء بالفلاسفة رغم أنهم انشغلوا أيضاً بدراسة الرياضيات وغيرها، وفي العصور الوسطى سادت في أوربا علوم اللاهوت وكانت موضوعات العِلم المختلفة تُدرس تحت غطائه أما العصور الوسطى في الشرق العربي فقد ساد فيها عِلم التاريخ فكان المؤرخون ينشغلون أيضاً بقضايا الكيمياء والطب والرياضيات كما ينشغلون بقضايا الاجتماع والاقتصاد. ثم أخذت العلوم في التبلور بشكلها الحديث وتخصصها وتخصص المنشغلون بها خلال عصر النهضة في أوربا. ثم واصلت تخصصها لتحقق مزيد من الانقسام ونرى المزيد من العلوم. وإذا كان العِلم المُحدد يُعرف بموضوعه وبمنهجه فإننا نجد أنفسنا أمام موضوعات عدة ومناهج عدة، ولكن الأمر كما رأينا في الفصول السابقة لم يكن بهذه البساطة، فإذا كان من السهل جمع عدة موضوعات متقاربة أو ذات علاقة تحت سقف عِلم واحد فإن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة لمناهج البحث التي كانت قد تطورت بشكل كبير. ولكن ما حدث هو تجمع العلوم التي تنشغل بقضايا الفرد والمجتمع تحت اسم العلوم الإنسانية، وتجمع العلوم التي تنشغل بظواهر الطبيعة تحت اسم العلوم الطبيعية ومنذ ذلك الوقت ثارت قضية هل هناك منهج عِلمي واحد يصلح للعلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية أم أن هناك منهج خاص بالعلوم الطبيعية وآخر للعلوم الإنسانية.

1- ثُنائية العلوم وثُنائية المنهج:
يضع أنصار ثنائية المنهج أو تعدد المناهج بالنسبة لكل من العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية مجموعة من الأسباب التي يؤسسون موقفهم عليها، ويُمكن تلخيص أهم هذه الأسباب على النحو التالي:
- أن العلوم الطبيعية تهدف للتوصل إلى تعميمات عن ظواهر متكررة ويُمكن التنبؤ بها، وأن العلوم الإنسانية تهدف لإدراك الخصائص الفردية لموضوعاتها نظراً لعدم حتمية تكرارها ومن ثم يصعُب التنبؤ بها.
- العلوم الطبيعية تبدأ عادة من مشكلة واقعية ولا تبدأ من فروض، والتوصل إلى نتائج فيها يتسم بقدر كبير من التجريد. أما العلوم الإنسانية فرغم أنها تبدأ أيضاً من مشكلة واقعية محددة ولا تبدأ من فروض، إلا أن التوصل إلى نتائج فيها يشوبها دائماً مشكلة القيم الإنسانية.
- أن منهج العلوم الإنسانية يُعتبر منهجاً للفهم يهتم بالتوصل إلى معنى من داخل الأفراد الذين يُشاركون في الواقعة الإنسانية محل البحث، ومن ثم يكون المعنى نتيجة لنشاط الوعي الإنساني. أما منهج العلوم الطبيعية فهو منهجاً للتفسير والبحث عن العلاقات بين الأشياء من الخارج، ومن ثم يكون تفسير هذه العلاقات أحد مظاهر إنتاج الوعي الإنساني.
- إن الطرق التي يستخدمها العلماء في العلوم الطبيعية هي وحدها التي يُمكن وصفها بالعِلمية لأنها تتعامل مع علاقات ثابتة وموضوعات مادية قابلة للقياس وتخضع للتجارب، بينما تفتقد العلوم الإنسانية لطرق القياس والتجريب لأنها تتعامل مع موضوعات نفسية ومعنوية ومن ثم لا يُمكن وصفها بالعِلمية .

2- وحدة العلوم ووحدة المنهج:
أما أنصار وحدة المنهج المُستخدم في العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية فإنهم ينطلقون من أن العلوم الإنسانية إنما هي امتداد أو فرع من العلوم الطبيعية، وقد دفعهم لذلك التطور الكبير الذي شهدته العلوم الطبيعية مقابل التطور الضئيل الذي حدث في العلوم الإنسانية، ومن ثم فإنه إذا ما أُريد للعلوم الإنسانية أن تلحق بالعلوم الطبيعية فإن عليها السير على خُطى هذه العلوم. وفيما يلي أهم الأسباب التي استند إليها أنصار وحدة المنهج بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية:
- ينظر هؤلاء إلى أن الإنسان ليس إلا جزء من الطبيعة ومن ثم فإنه كظاهرة يجب تفسيرها في إطار التفسير العام لبقية ظواهر الطبيعة. أما تميز العلوم الإنسانية بالتصورات الجزئية للأفراد والأحداث الإنسانية والنتائج غير القطعية وتميز العلوم الطبيعية بالتصورات العامة والنتائج القطعية فإنه لا يعني أن هناك اختلافاً في المنهج لأن هناك علوم طبيعية عديدة مثل الجغرافيا والجيولوجيا تهتم بالتصورات الجزئية للظواهر حيث نجدها في مكان ولا نجدها في آخر أو نجدها في زمان ولا نجدها في آخر، كما أن نتائجها ليست عامة ولا قطعية. وهناك علوم إنسانية عديدة مثل علم النفس الاجتماعي وعلم الاقتصاد تهتم بالتصورات العامة التي تجمع بين الأفراد أو بين المجتمعات، وقد حققت قوانينهما قدراً عالياً من الثقة في نتائجها وإن لم تكن مُطلقة.
- القول بأن العلوم الإنسانية علوم غير دقيقة والعلوم الطبيعية علوم دقيقة هو قول نسبي يعتمد على المقصود بدرجة الدقة لكنهما يشتركان بشكل عام في ضرورة استخدام منهج عِلمي ومن ثم التوصل لتفسيرات وتنبؤات تبدو منطقية. وإذا كانت دقة العلوم الطبيعية تعود لاستخدام المنطق الرياضي والقياس الكمي فإن هناك علوم طبيعية لا يُمكن اعتبارها من العلوم الدقيقة كالعمارة والطب بينما توجد علوم إنسانية يُمكن اعتبارها من العلوم الدقيقة مثل الاقتصاد وعلم النفس السابق ذكرهما، وهناك أيضاً عِلم السكان الذي يتضمن تحليلاً رياضياً دقيقاً. وعلى ذلك فإنه لا يُعتد بالتفرقة بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية استناداً لدقة القياس، فالعلوم الإنسانية كلها في طريقها إلى تحقيق قدر كبير من الدقة في القياس، ويُمكن اعتبارها بمثابة عِلم الفلك قبل أن يُصبح علماً دقيقاً وهو من العلوم المحسوبة ضمن العلوم الطبيعية.
- يُضاف إلى الرأي السابق أن المعنى الصحيح لدقة النتائج إنما هو مدى إمكانية بناء نسق نظري من النماذج تتضمن العلاقات بين متغيرات الظاهرة بحيث يُمكن استخلاص النتائج وبناء النظريات كما يحدث في عِلم الاقتصاد الإنساني وفي عِلم الأحياء الطبيعي. وعلى ذلك فإن صفة الدقة لا يُمكن إسباغها على كل العلوم الطبيعية كما لا يُمكن رفضها بالنسبة لكل العلوم الإنسانية.
- أن أساس التماثل في المناهج بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية إنما يقوم على ضرورة تقديم تفسيرات استنباطيه حدسية ثم اختبارها عن طريق التنبؤ، وهو ما يُعرف بالمنهج الفرضي الاستنباطي الذي لا يُقدم يقيناً بالنسبة للنتائج العِلمية لكنه يحتفظ بإمكانية إعادة المحاولة ومن ثم إمكانية تطوير النتائج.
- أن إمكانية استخدام العلوم الإنسانية للمناهج المُستخدمة في العلوم الطبيعية لا تزال مفتوحة كما ذكرنا من قبل، أما التقدم البطيء في ذلك المجال فيرجع إلى طبيعة العلوم الإنسانية ومع مزيد من العمل في هذا المجال يُمكن تحقيق الكثير. وفي هذا يقول جون مل أن أي واقعة تحدث إنما هي موضوع للعِلم حتى إذا لم نتوصل إلى نتائج محددة بشأنها استخداماً لإمكاناتنا الحالية لأن المستقبل مليء بالإمكانات الجديدة التي يتوصل إليها الإنسان دوماً.
- إن شيوع استخدام التجارب في العلوم الطبيعية إنما يستند بالدرجة الأولى إلى ما يُعرَف باطراد الحوادث بمعنى أنه يُمكن في ظل ظروف متماثلة وتحت شروط معينة التوصل لنفس النتائج. أما في العلوم الإنسانية فإن هناك صعوبة في إيجاد تلك الظروف المتماثلة، كما أن عملية التجريب على الإنسان عملية شاقة. وقد أمكن التغلب علي ذلك بالبحث عن المواقف المغايرة التي يُمكن أن تكون عليها الظاهرة الإنسانية. كما أن هناك بالفعل تجارب معملية خاصة بدراسة سلوك الأطفال على وجه التحديد. وهناك تجارب ميدانية يمكن التحكم في بعض متغيراتها ومثال ذلك التجارب الخاصة بدراسات نظم العمل في المصانع. وعلى ذلك فإنه بالرغم من أن التجربة تُعتبر أحد السمات البارزة للعلوم الطبيعية إلا أنه لا يُمكن اعتبارها سمة مطلقة لأن اختبار الفروض عن طريق التجارب لا يُعد بالخاصية العامة لكل العلوم الطبيعية، كما أنها لا تُمثل حداً فاصلاً بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية لأن الاختبار التجريبي يُستخدم أيضاً في العلوم الإنسانية كما وضح في عِلم النفس وعِلم الاجتماع بينما توجد بعض الفروض في العلوم الطبيعية لا تصلح للاختبار التجريبي ومثال ذلك فروض عِلم الفلك.