(10-2)الدراسة المنهجية في عِلم الاقتصاد رحلة العلوم إلى الحتمية -اليقين الحتمي

محمد مدحت مصطفى
2017 / 4 / 5

اجتاز الإنسان رحلة طويلة في محاولاته الدؤوب لتفسير الظواهر المحيطة به. هذه الرحلة مرت بمنعطفات عديدة على مر التاريخ توصل خلالها الإنسان إلى العديد من النتائج. وهذه الرحلة الطويلة أيضاً إنما تدل على القدرة الإنسانية الخارقة في محاولة تفسير الظواهر الطبيعية المحيطة، كما أنها تدل على مدى انعكاس المناخ الفكري العام السائد في المجتمع على أسلوب تفكير العلماء. وقد استخدم الإنسان خلال فترة الحضارات الأولى مناهج للتفكير انتشرت على يد فلاسفة ذلك الزمان حيث لم تكن العلوم قد تبلورت بعد في شكلها الذي نعرفه بها الآن، هذه المناهج تبلورت في اتجاهين كان الاتجاه الأول يؤدي إلى نتائج حتمية تتسق مع النسق الحتمي المستقر الذي يقره الفكر اللاهوتي الحتمي لكنيسة العصور الوسطى زمن تبلور العلوم في شكلها الحديث، وهو ما عُرِفَ بالحتمية الفيزيقية. ومع سقوط سيطرة الكنيسة على الاقتصاد والمجتمع في أوربا، وانطلاقة النظام الرأسمالي مترافقاً مع اتجاهات الإصلاح الديني، اتسعت رقعة الحرية مما ساعد على خلق مناخ عام يُتيح للعلماء التفكير بلا حدود في مختلف القضايا، ومن ثم ظهر الاتجاه الثاني نحو النسبية لخلخلة فكرة الحتمية تمهيدا لسقوطها لصالح اللا حتمية. إلا أن ذلك القول لا يعني اختفاء التفكير الحتمي فهو نتاج إنساني يُمثل قناعة للعديد من البشر، كما أنه لا يعني عدم وجود التفكير اللا حتمي في فترات سيادة التفكير الحتمي، فالحديث عن منهج سائد لا يعني اختفاء أو عدم وجود مناهج أخرى. وينشغل هذا الفصل بدراسة رحلة منهجية العلوم من الحتمية المطلقة إلى نسبية اللا حتمية.

رحلة العلوم نحو الضرورة الحتمية

نحاول الآن بحث أسباب سيادة مبدأ الحتمية في العلوم منذ نشأتها الحديثة في العصور الوسطى إلى منتصف القرن التاسع عشر. كان لنشأة العِلم منذ جاليليو Galileo Galilei (1564 - 1641م) وحتى نيوتن Isaac Newton (1642 - 1727م) أثر حاسم على فلاسفة ذلك العصر، نظرا لما تميز به من سيادة النظرة الميكانيكية الحاسمة إلى العالم وما انطبعت عليه القوانين العِلمية بصبغة ضرورية بحتة لم يكن للاحتمال أي مكان فيها، حيث أضحت القوانين الطبيعية لها تركيب مماثل للقوانين الرياضية من حيث ضرورتها وشمولها. كان ظهور العلوم واتجاهها نحو الحتمية دراسة لتطور الفيزياء واتجاهها نحو الحتمية خاصة بعد أن أصبحت الفيزياء رياضية. وقد جاءت الحتمية الفيزيائية على يد نيوتن بعد إثبات حتمية حركة الكواكب في السماء وحتمية حركة الأرض. إلا أن أرسطو أصر على معارضته لكل هؤلاء الذين أثبتوا حركة الكواكب بما فيه الأرض، وأكد على ثبات الأرض. ولما كانت مركزية الأرض للكون وكمال الشكل الدائري لمسيرة الكواكب والأجرام تتفق مع اتجاهات الكنيسة في ذلك الوقت فقد تلقفتها لدرجة أنها اعتبرت أن التسليم بها مُشتق من التسليم بالكتاب المقدس. وقد استمر ذلك الوضع فترة طويلة حتى عام 1540م عندما بدأ ينهار على أيدي كل من كوبرنيكس، كبلر، وجاليليو. حيث أكد البولندي نيكولاس كوبرنيكس Copernicus N. (1472 – 1543م) على ثبات الشمس ودوران باقي الكواكب حولها بما فيها الأرض، وعلل بالتالي أسباب تعاقب الفصول. وقد رفضت الكنيسة هذه الأفكار، كما رفضها أيضا علماء ذلك العصر لأنها غير مُثبتة عِلميا وغير قابلة للتجريب. ثم جاء بعد ذلك يوهانز كبلر J. Kepler (1571 – 1630م) ليقوم بتصحيح المسارات الدائرية للكواكب ويجعلها اهليلجية الشكل. وخلال الفترة 1632 - 1638م نشر جاليليو جاليلي Galileo G. (1564 - 1641م) بحثين تعود أهميتهما إلى منهجهما العِلمي المُستخدم بالإضافة إلى نتائجهما التي أكدت على حتمية حركة الأرض. ومن الناحية المنهجية أعطى جاليليو العِلم الحديث المنهج الكمي التجريبي، كما أنه أول من جمع بين الرياضيات والفيزياء التجريبية، حيث حددت تجاربه القوانين التي توصل إليها مع استخدام الصياغة الرياضية لهذه القوانين، وكان يقول أن الرياضيات هي اللغة المناسبة للطبيعة، وكان من مؤيدي نظرية كوبرنيكوس. ويُمكن إبراز أهم النتائج التي توصل إليها فيما يلي:
- أن العالم ما هو إلا مادة وحركة، وأن المادة مجرد امتداد، والتغيرات الكيفية للمادة عبارة عن تغيرات كمية أو حركية.
- أن الأعراض الأولية اللازمة للأجسام هي: الشكل والمقدار والحركة والسكون وكلها قابلة للقياس، أما الأعراض الثانوية فهي مجرد احساسات مثل: الضوء واللون والصوت والطعم والرائحة والحرارة والبرودة.
- أن الأجسام تسقط على الأرض بسرعة متزايدة، بينما تتناقص سرعتها مع الزمن إذا قُذِفت عمودياً إلى أعلى وتوصل بذلك إلى قانون العجلة الثابتة.
- أن المسار الذي تأخذه قذيفة المدفع هو على شكل قطع مكافئ، باعتبار أن هذه الحركة هي محصلة للحركة الأفقية المنتظمة وحركة السقوط الحر الرأسية. كما توصل إلى أن الجسم لا ينتقل بذاته من السكون إلى الحركة، كما أنه لا يُغير اتجاهه بذاته، وأن الحركة تستمر بنفس السرعة كلما أزلنا العوائق الخارجية من أمامها، وهو بذلك يقترب من فكرة القصور التي مهدت لظهور قانون القصور الذاتي. وبذلك أخرج عِلم الميكانيكا من طابعه الاستاتيكي إلى طابعه الديناميكي.

تثبيت قوانين الحركة:
- جاء اسحق نيوتن Isaac Newton (1642 - 1727م) ليُكمل أعمال جاليليو ويؤكد ثبات القوانين الميكانيكية التي يتوصل إليها، حيث أكد في كتابه "المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية" الذي نُشر عام 1687م أن جميع الحركات سواء كانت فوق الأرض أم في السماء تحكمها قوانين واحدة مما جعل الحتمية مطبقة على الكون بأثره، كما أوضح أن منهجه في البحث هو المنهج الرياضي والمنهج التجريبي. ثم جاء كل من بيير سيمون لابلاس S. p. De Laplace (1749 – 1827م)، وجوزيف لاجرانج Joseph Lagrang (1736 – 1812م) ليدعما نتائج نيوتن بالتحليل الرياضي المتقدم.

حتمية قوانين الكهرباء:
ويكاد يكون القرن الثامن عشر قرن الكهرباء حيث تطورت تطورا كبيرا في الاتجاه الحتمي وذلك على يد كل من: الطبيب الإيطالي لويجي جلفاني Luigi Galvani (1737 - 1780م) الذي اكتشف بالصدفة أن عضلة رجل الضفدع عندما يوصل طرفاها بمشرط تُحدث شرارة كهربائية خفيفة تؤدي لانتفاض العضلة، وبنيامين فرانكلين Benjamin Franklin (1706 - 1790م) السياسي الأمريكي الذي أجرى بحوثاً هامة عن الكهرباء الساكنة، وألكسندر فولتا Alessandro Voltaire (1745 - 1827م) الذي توصل لاختراع البطارية كمصدر للكهرباء المستمرة. ويمكن القول أن عصر الكهرو مغناطيسية قد بدأ مع الدانمركي كريستيان أورستد Christian O. (1777- 1851م) عندما لاحظ في إحدى تجاربه عن تأثير التيار الكهربي على الإبرة المغناطيسيسة أن هذه الإبرة تتحرك بطريقة تدل على أن القوة المغناطيسيسة عمودية على اتجاه التيار. وتطورت البحوث على يد الفرنسي أندريه ماري أمبير Andre Marie Ampere (1775 - 1826م) ، ثم الألماني جورج سايمون أوم Georg Simon Ohm (1787 - 1854م) الذي توصل للقانون المعروف باسمه والخاص بفرق الجهد بين قطبي البطارية. كما تمكن الإنجليزي ميشيل فراداى M. Faraday (1791- 1867م) من صياغة قوانين تربط بين القوة الكهربية والقوة المغناطيسية وهو ما مكان منفصلاً عند العلماء من قبل.

الحتمية في الكيمياء:
في الكيمياء حققت البحوث والدراسات خطوات هامة على طريق القوانين الحتمية، ففي دراسات الهواء أجرى العالِم الإنجليزي روبرت بويل Robert Boyle (1627 - 1696م) تجارب على خواص الهواء الطبيعيـة وتوصل إلى القانون المعروف باسمه حول العلاقة بين حجم الغاز وضغطه.
- جاء أنطوان لافوازييه A. Lavoisseur (1743 - 1794م) الكيميائي الفرنسي ليُكمل حلقات الحتم والضرورة التي تتسم بها القوانين العِلمية،حيث أثبت حفظ المادة وعدم فنائها حيث لا شيء يفنى ولا شيء يُخلق من عدم، وأثبت بالتجريب أن وزنهما يزيد بالاحتراق وأن هذه الزيادة تأتي من الهواء. وعندما اكتشف العالِم الإنجليزي جوزيف بريسلي J.Priestly (1733 - 1804م) أن الأكسجين هو ذلك الغاز الذي تمتصه المعادن من الهواء أعاد لافوازييه حساباته الرياضية الخاصة بتركيب الهواء فقد كان أيضا أول من أخضع الكيمياء للرياضة.

الحتمية في البيولوجي:
في العلوم البيولوجية ظهر في الإسكندرية هيروفيلوس الخلقيدوني مؤسس عِلم التشريح ووظائف الأعضاء والذي كان أول من ميز المخ ووصفه واعتبره مركز الإدراك مخالفا بذلك تعاليم أرسطو باعتبار القلب مركز الإدراك. وعمل العالِم وليم هارفي William Harvey (1578 – 1657م) على اكتشاف الدورة الدموية عام 1628م. كان للتقسيم بين العقل والمادة أثره في تقدم علوم التشريح لكنه في نفس الوقت كان عائقا أمام الحتمية العِلمية، ولم يُمكن تجاوز هذه العقبة رغم الاقتناع بامتداد قوانين الفيزياء إلى الأجسام الحية أيضا "فقوانين سقوط الأجسام تنطبق على الأجسام الحية وغير الحية"، بل وامتداد قوانين الكيمياء إلى الأجسام الحية أيضا "كيمياء الهضم" على سبيل المثال. أما السبب في تأخر الحتمية البيولوجية فيرجع إلى افتراض وجود "القوى الحيوية" في الكائنات الحية وهذه القوى الحيوية تتعارض تماما مع الحتمية، فهي قوى تلقائية تتعارض مع حتمية القوانين الفيزيائية وقد تزعم هذا الاتجاه علماء كبار في التشريح أمثال مارشيللو مالبيجي Marceilo Mallpigh (1628 – 1694م)، وأنطون ليفنهوك Anton Von Leeu Vonhoek (1632 – 1723م)، وجورج كوفيه George Cauvier (1769 – 1832م)، حيث أكد هؤلاء جميعا وغيرهم على ضرورة أن يبقى سر الحياة غامضا وأن البحث عنه مضيعة للوقت. حتى جاء رودلف هيرمان R. Herman (1817 – 1881م) واتخذ من الميكانيكا البيولوجية منهجا له حيث اعتبر سائر الكائنات الحية ماكينات يُمكن وصفها وشرحها استرشادا بمبادئ الميكانيكا مما يعني ارتباطها بعلاقات عِلّية. ومع ظهور أبحاث الطبيب الفرنسي كلود برنار Claude Bernard (1813 - 1878م) في كيمياء الهضم والجهاز العصبي نضُجت الحتمية البيولوجية واعتبر فكرة القوى الحية نوع من الخرافات يُعبر عن كل ما هو مجهول بالنسبة للإنسان، وأن الأساس المادي لجميع وجوه النشاط البدني ينشأ عن العالم الجامد ثم لا يلبث أن يعود إليه. واقترح أن يكون الاهتمام عند دراسة الكائنات الحية ببيئتين هما البيئة الخارجية وهي البيئة المشتركة بين الكائن الحي والأجسام الجامدة، والبيئة الداخلية وهي الخاصة بالكائن الحي ذاته ومن أهمها الدم. وبهذا استكملت علوم البيولوجيا عِلميتها على يد برنار واندمجت في نسق العلوم الطبيعية. وجاء شارل داروين Charles Robert Darwin (1809 - 1882م) ليقدم للحتمية سندا آخر يتمثل في الحتمية العِلّية للتطور التاريخي، وتبعه في نفس الاتجاه باتيست لامارك Jean Baptiste Lamarck (1744 - 1829م). ثم جاء جورج بوفون George Bofon (1707 - 1788م) ليؤكد على أن الأرض مرت بمراحل من التطور في زمان أطول بكثير من الستة آلاف سنة المذكورة في التاريخ الديني، وتبعه أيضا في نفس الاتجاه شارل ليال Charle Leiall (1797 - 1875م) الذي جاء بنظرية تطورية للأرض تُخالف الكتاب السابقين الذين حاولوا لأسباب لاهوتية التوفيق بين النتائج المادية الملموسة للجيولوجيا والحفريات وبين التفسيرات الحرفية للعهد القديم. وبنفس اليقين تقدم توماس هنري هكسلي T. H. Huxley (1825 - 1895م) بدفاعه المجيد عن داروين استنادا إلى حقيقة أنه إذا ما كانت الحياة مستحيلة على وجه الأرض عند نشأتها حيث الحرارة المرتفعة للقشرة الأرضية فلابد وأن تكون الحياة قد تشكّلت من المادة اللا عضوية.