(10-3)الدراسة المنهجية في عِلم الاقتصاد- رحلة العلوم إلى اللا حتمية

محمد مدحت مصطفى
2017 / 4 / 6

هل يُمكن أن يتصور أحد انهيار هذا البناء الضخم المُحكَم للحتمية العِلمية والذي رفض منح القوانين والنظريات صفة العِلمية ما لم تكن حتمية؟ هذا البناء الذي استغرق نحو قرنين من الزمان ليكتمل بناؤه على يد كبار المفكرين من العُلماء والفلاسفة. في الواقع تأتي الإجابة التاريخية على السؤال بنعم. ولكن كيف حدث ذلك وهل تم بين يوم وليلة؟ تقديم الإجابة على ذلك السؤال تستلزم الخوض قليلاً في معرفة أهم النظريات العِلمية الحديثة التي تأسست عليها الفيزياء الحديثة المُشيدة على الاحتمال واللا حتم.


1- نظرية القوى الحرارية:
المواجهة الأولى للحتمية كانت في تفسير نظرية القوى الحرارية، والتي تمت عبر سلسلة منطقية من النتائج، وذلك على النحو التالي: فكرة أولى تقضي بأن الحرارة حركة ميكانيكية لجسيمات الأجسام الدقيقة، وأن سرعة هذه الحركات تزيد بالحرارة. فكرة ثانية كانت تقضي بافتراض أن الحرارة عنصر مادي لا وزن له أُطلق عليه كالوري caloric. كما أن مادة الحرارة تنطلق عن طريق الاحتكاك. ثم فكرة ثالثة جاءت عن طريق القول بثبات الكمية الكلية للطاقة داخل نظام مُعين، فالكمية التي تُفقد في الشُغل work تعود إلى الظهور مرة أخرى في شكل حرارة heat. أدت قوانين الحِفظ الثلاثة "بقاء المادة، بقاء الكتلة، بقاء الطاقة" إلى ظهور المبدأ الأول في القوى الحرارية وهو ما سُمي بقانون حفظ الطاقة conservation أو قانون تكافؤ الحرارة والشُغل الذي توصل إليه من خلال التجريب جيمس بريكوت جول James Prescott Joule (1818 - 1889م)، فكل كمية محددة من الحرارة تساوي كمية محددة من الشُغل الميكانيكي، وأن الطاقة لا تفنى ولا تنعدم إنما تتحول. وهو ما يُعرف بالمبدأ الأول للقوى الحرارية، وهو أيضا لا يتعارض مع الفيزياء الكلاسيكية.

أما المبدأ الثاني في القوى الحرارية فقد ظهر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وهو يُطيح بمبدأ بقاء الطاقة، ويَحِل الاحتمال محل اليقين، والتنبؤ التقريبي محل التنبؤ القطعي، ويستند إلى عدم إمكانية التحويل الكامل للحرارة إلى شُغل. حيث لابد وان يُفقد جزء من الحرارة عن طريق الطاقة الميكانيكية، ويذهب هذا الجزء إلى القسم البارد من الآلة. ومن هنا ظهر مفهوم الأنتروبيا theentropy وهو دالة ديناميكية حرارية تُحسب عن طريق قسمة كمية الحرارة على درجة الحرارة، لذلك فهي تميل إلى أن تزيد تلقائيا في العمليات الطبيعية، لا أن تبقى ثابتة كما هي في الآلة الحرارية الدقيقة. وقد تمت صياغة هذا القانون على يد رودلف كلاوسيوس R. Clausuis (1822 - 1888م) عن طريق التحليل الإحصائي وليس عن طريق الاستنباط الرياضي المستند لمعطيات ثابتة. ويُعَد هذا المبدأ خروج على قواعد الفيزياء الكلاسيكية التي تقرر بقاء العالم إلى الأبد على نفس الحالة. واستنادا إلى تلك النتائج تمكن العالم الفرنسي نيكولا كارنو Nicolas Leonard Sadi Carnot (1796 - 1832م) من التوصل لفكرة المحرك الحراري من خلال هذه الدورات الحرارية. وأمكن أيضا عن طريق التحليل الإحصائي التوصل إلى قيمة الصفر المطلق لدرجة الحرارة وتقع في التدريج المئوي تحت نقطة تجمد الماء بنحو 273.15 درجة، ولم يُمكِن عمليا حتى الآن الوصول لهذه النقطة.

2- النظرية الحركية للغازات:
تبدأ النظرية الحركية للغازات The Kinetic Theory of Gases بقانون النسب الثابتة، الذي يُقرر أن نسبة أحجام الغازات المتفاعلة إلى أحجام الغازات الناتجة دائما تكون نسبة حسابية بسيطة لا كسور فيها. وبناء عليه جاء قانون أفوجادو للعالِم الإيطالي اميديو أفوجادرو Amedeo Avogudro (1776 - 1856م) الذي افترض أن الحجوم المتساوية من الغازات تحتوي على نفس العدد من الجزيئـات عند نفس الظروف من الحرارة والضغط. وظلت هذه القوانين قائمة طوال القرن التاسع عشر دون أن تتوفر وسائل تجريبية لتحقيقها. وفي القرن العشرين مع تطور وسائل القياس والتجريب، واستنادا إلى ذات الفروض لم يُمكن تحديد حركة جزيء واحد، ولكن أمكن تحديد حركة مجموع الجزيئات باستخدام القوانين الإحصائية. فتحديد حركة كل جزيء يعني ضرورة تحديد المواضع الأصلية والسرعات الأصلية لكل منهم، وهذا مستحيل عمليا نظرا للحركة الدائمة للجزيئات وتصادمها الدائم وتغير اتجاهها غير المنقطع.

3- نظرية الحركة البروانية:
تُنسب نظرية الحركة البروانية The Theoy of Brownan Movement إلى عالم النبات الإسكتلندي روبرت براون Robert Brown(1773 - 1858م) الذي اكتشف عام 1827م أن حركة حبوب اللقاح للنباتات تتحرك في الماء بشكل دائم، وأن حركتها تلك غير منتظمة، ثم أعيدت التجربة على أجسام غير نباتية فوجد نفس الظاهرة حيث الجسيمات الميكرو سكوبية لأي مُعلق في الماء تقوم بحركات اهتزازية مستمرة وبشكل اتفاقي مما يُمثل خروجا على الفيزياء الكلاسيكية التي تنص على أن الجسم يظل ساكنا ما لم يؤثر عليه مؤثر خارجي. ووفقا للفيزياء الكلاسيكية أيضا فإن أي جسم في العالم يتعرض إلى قوى تؤثر فيه من الجسيمات الأخرى سواء عن طريق التلامس أو عن طريق التجاذب عن بُعد. وقد وجِدَ بدراسة أثر الحرارة على الحركة البروانية أن الحركة الحرارية للمادة تنعدم تماما عندما تصل درجة الحرارة إلى 273 درجة تحت نقطة تجمد الماء، حيث تكف جميع الجزيئات عن الحركة لذلك يُطلق عليها الصفر المطلق، فلا حركة أبطأ من السكون المطلق.

4- النظرية النسبية:
ترجع أهمية تلك النظرية بالدرجة الأولى إلى تغير المفاهيم عن المكان والزمان المطلقين، وقد استخدم ألبيرت أينشتين Albert Einstein (1879 - 1955م) مُبتدع هذه النظرية مصطلح "المكان- الزمان" بدلا من المصطلح التقليدي "المكان والزمان". كما تم تعديل كتلة الأشياء بحيث تتزايد بمقدار محدد مع زيادة سرعة هذه الأشياء، وذلك بعد أن كانت كتلة الأشياء ثابتة وفقا للمفهوم التقليدي. كما أنها وحدت بين الكتلة والطاقة، وألغت قاعدة التأثير عن بُعد، واستبعدت الأثير. وتنقسم النظرية النسبية إلى النظرية النسبية الخاصة والنظرية النسبية العامة Special and General Theory of Relativity وقد ظهرت الأولى عام 1905م وظهرت الثانية عام 1916م وهما مكملتان لبعضهما البعض.
- النظرية النسبية الخاصة: ويُمكن تلخيصها في قوانينها الخمس الشهيرة :
- القانون الأول: وهو الخاص بانكماش الأجسام في اتجاه حركتها، مع تزايد هذا الانكماش بتزايد السرعة، ويُمكن حساب مقدار هذا الانكماش من خلال معادلة خاصة. وكلما اقتربت سرعة الجسم من سرعة الضوء 229.8 كم/ ثانية كلما اقترب طول ذلك الجسم من الصفر. وهذا يعني أن طول الجسم يختفي حين يصل إلى سرعة الضوء.
- القانون الثاني: وهو الخاص بازدياد كتلة الجسم بازدياد سرعته، حتى إذا وصل إلى سرعة الضوء تُصبح كتلته لا نهائية. لذلك كانت سرعة الضوء هي أقصى سرعة ممكنة ومن المعروف أن الكتلة في الفيزياء الكلاسيكية ثابتة سواء كان الجسم ساكنا أم متحركا.
- القانون الثالث: وهو خاص بطريقة حساب السرعة النسبية لجسمين يتحركان بالنسبة لبعضهما في اتجاه معاكس، من خلال معادلة خاصة.
- القانون الرابع: وينص على أن الطاقة تساوي الكتلة مضروبة في مربع سرعة الضوء.
- القانون الخامس: يتباطأ الزمن تبعاً للسرعة وبنفس المُعامل الذي ينكمش به الطول، لذلك يختلف الزمن باختلاف السرعة التي يتحرك بها راصد الزمن، وبالتالي ينهار الزمن الموضوعي المطلق في الفيزياء الكلاسيكية.
-النظرية النسبية العامة: يقول أينشتين أنه عند أي نقطة في الفضاء تتكافأ الآثار الناتجة عن قوى الجاذبية والحركة بعجلة، ولا يُمكن التمييز بينهما. وكان الدانيمركي اولاوس رومر Aulaus Raumer (1644 - 1710م) قد تمكن من قياس سرعة الضوء عام 1675م برقم جديد وهو 227 ألف كيلو متر في الثانية، ثم قام جيمس برادلي James Bradley (1693 - 1762م) بمحاولة أخرى كانت أقرب إلى الدقة، ومن المعروف أن سرعة الضوء المحسوبة حاليا هي 299792.58 كيلو متر في الثانية الواحدة. وقد ساعدت النظرية النسبية في القضاء على فكرة وجود الأثير فقد تلقى أينشتين نتائج تجارب ميكلسون Michelson (1852 - 1931م) الخاصة بثبات سرعة الضوء والتجارب الخاصة بتداخل الموجات الضوئية ليُثبت ضرورة التخلي عن فكرة الأثير، وهي أحد مكونات الفيزياء الحتمية. وفي النسبية العامة يأخذ أينشتين بالكون ذو الأبعاد الأربعة "طول،عرض، ارتفاع، وزمن" أو ما يُعرف بالوجود الرباعي المتصل، وكان الرياضي الألماني هيرمان مانكوفسكسي H. Minkowski (1864- 1919م) أول من قدم لهذه الفكرة. وفيها يتم رفض فصل المكان عن الزمان، فالواقع الحي يفترض دمج المكان والزمن ليؤلفا كياناً واحداً، هو المتصل.

5- نظرية النشاط الإشعاعي:
لاحظ الفرنسي هنري بكريل H. Becquerel (1852 – 1908م) أن معدن اليورانيوم يؤثر على الألواح الفوتوغرافية في الظلام التام، وأن ثمة إشعاعاً متصلاً ينبعث منه وليس نتيجة لأي إثارة خارجية، وأن هذا الإشعاع يحدث نتيجة للانفجار التلقائي لذرات اليورانيوم. وتمكن كل من الفرنسي بيير كوري Pierre Curie (1859 – 1906م) والفرنسية بولندية الأصل ماري كوري Marie Curie (1876 - 1934م) من عزل مادة أنشط بكثير من اليورانيوم وهي الراديوم، وتوصلا إلى أن قوة الإشعاع لا يُمكن زيادتها أو إنقاصها. كما أن الإشعاع في حالة الراديوم بطيء حيث تبين أنه لابد من مرور 1590 سنة حتى تفقد ذرات الراديوم نصف نشاطها الإشعاعي، وليتحول الراديوم بعد ذلك إلى رصاص وهليوم. ولكن يبقى السؤال هو أي من الجسيمات تُفقد أثناء ذلك النشاط الإشعاعي حيث لوحظ أن مصدر هذا الإشعاع هو نواة الذرة. وأمكن تصنيف تلك الإشعاعات إلى ثلاث: الأولى وتُطلق جسما ثقيلا يُعرف باسم ألفا، والثانية تُطلق إلكترونا سريع الحركة يُعرف باسم بيتا، والثالثة تُطلق كمية ذات إشعاع تردده عال جدا وتُعرف بأشعة جاما. هذه العمليات الثلاث تُعرف باسم النشاط الإشعاعي. وقد أمكن عن طريق حساب الاحتمالات والمناهج الإحصائية التوصل إلى حسابات للعناصر الأخرى من خلال مجاميع أو حِزم الإشعاعات وبالتالي من حساب متوسط النشاط الإشعاعي بدلاً من حساب الإشعاع الواحد المنفرد. وهذه الظاهرة تواجه العِلية السببية الكلاسيكية حيث انه ليس ثمة سبب حتى الآن يؤكد تحلل ذرة بالذات دون غيرها. كما أن حساب زمن التحلل هو حساب تقريبي وليس مؤكَد.

6–نظرية التركيب الدقيق للذرة:
يُعَد لوقيبوس الميليتي أول من قال بأن المادة تتكون من جسيمات منفصلة وكان ذلك في القرن الخامس قبل الميلاد، ثم جاء تلميذه ديموقريطس وتبنى الفكرة وأعطاها التسمية المستعملة إلى اليوم "أوتوموس" بمعنى الجزء الذي لا يتجزأ. حتى جاء جون دالتون J. Dalton (1766 - 1844م) وأضاف أنها أصغر وحدة في المادة تدخل في التفاعلات الكيميائية، وجاء العالِم الروسي ديمتري مندليف (1834- 1907م) ليقوم بترتيب العناصر ترتيباً تصاعدياً تبعاً لوزنها الذري. ثم تمكن العالِم الإنجليزي سير جوزيف جون طومسون J. J. Thomson Sir (1856 - 1940م) في أواخر القرن التاسع عشر من تحطيم الذرة أثناء دراسته لأشعة الكاثود وقال بإمكان بث جسيمات أصغر منها تحمل شحنات كهربية سالبة "عُرِفَت بعد ذلك بالإلكترونات". وفي عام 1911م تمكن النيوزيلندي سير ارنست رذرفورد Rutherford Sir E. (1871 - 1937م) بمعاونة العالِم هانس جايجر Hans Geger (1882 - 1945م) من تحطيم نواة الذرة عام 1924م وليقدم النظرية الحديثة للذرة والتي تُرجِع كل تغيرات المادة إلى جسمين أصليين هما البروتونات والإلكترونات. وكهربيا يُضاد أحدهما الآخر تماما، فللبروتون نشاط كهربي موجب، وللإلكترون نشاط كهربي سالب. كما أن كتلة البروتون تُعادل 1837 ضعف كتلة الإلكترون، وعلى ذلك فكل المادة تقريبا تتركز في البروتونات. ولا يوجد البروتون منفردا إلا في غاز الهيدروجين الذي يبدو انه أول أشكال المادة، إذ تتكون ذرته من بروتون واحد وإلكترون واحد. كما أن الإلكترونات تدور حول نواة الذرة في مدارات تُشبه تلك التي تدور فيها الكواكب حول الشمس، كما أمكن التوصل إلى العديد من الجسيمات، بل وتؤكد المعادلات الرياضية وجود جسيمات أخرى داخل نواة الذرة لم يُكشف عنها بعد. وأضاف الدانمركي نيلز بور Niels Bohr (1885 - 1962م) فكرة انتقال الإلكترونات من مدارها إلى مدارات أعلى وما يصحبها من انطلاق للطاقـة. واكتشف جوزيف فون فراونهوفر (1787 – 1826م) أن طيف ضوء الشمس يحتوى على عدد من الخيوط المظلمة، تبين فيما بعد أن مواقعها تتطابق مع مواقع الخطوط الملونة التي تظهر في طيف التفريغ الكهربائي في غاز الهيدروجين. بعد كل هذا الجهد لمعرفة تركيب الذرة فإن العلماء وجدوا أن ذلك غير كافي لإعطاء وصف كامل للذرة وأنه لابد أيضا من وصف الطريقة التي تتماسك بها هذه المكونات حتى وضع الإيطالي انريكو فيرمي Enrico Fermi (1901 – 1954م) نظرية إحلال شعاع بيتا الضعيف انطلاقا من مفهوم التفاعل، فأسهم بذلك إلى حد كبير في اختراع أول مفاعل نووي.

7-ميكانيكا الكم:
في نموذج راذرفورد - بور للذرات نجد أن الإلكترونات تسير في مدارات حول النواة كما تسير الكواكب في مدارات حول الشمس. وإذا غير الإلكترون مداره فجأة عن طريق "الوثبة الكبرى" تُطلق كمية من الطاقة تُسَمى الكمة Quantum هي بعينها كمية الطاقة التي نجدها في الإشعاع، وفي عام 1900م قام ماكس بلانك Max Plank (1858 - 1947م) بتفسير بث الجسم الحار لكل من الحرارة والضوء بمقادير متقطعة على هيئة حِزَم أطلق عليها التسمية السابقة وهي الكمّة. والمقصود بالكمّة كطاقة مقدار محدد لا يُمكن تجزئته. وكان أيضا من أهم إنجازات فيزياء القرن التاسع عشر إثبات المبدأ المعروف بقانون بقاء الطاقة. أما ميكانيكا ذلك القرن فقد صورت الكون من عالم المادة ويتكون من ذرات وعالم الإشعاع ويتكون من موجات. وفي الضوء كان نيوتن يرى انه يتألف من جسيمات متناهية في الصغر تصدر عن الشمس وتقذف باستمرار. وتلك الجسيمات شبيهة بتلك التي تُصدرها طلقة البارود. والسبب في ذلك أن نيوتن كان مقتنعا بان الضوء عبارة عن أشعة تسير في خطوط مستقيمة. وعلى العكس من ذلك احتضن العالِم الهولندي كرستيان هوجنز C. Hayghens (1629 - 1695م) النظرية الموجية حيث يرى أن الضوء يسير في موجات بدلاً من خطوط مستقيمة، إلا أن نظريته الموجية تلك لم تصادف نجاحا في ذلك الوقت، حتى جاءت التجارب الحديثة لتُثبت الطابع التموجي للضوء، ووضعت حدا للتفسير الذري للأشعة الضوئية. إلا أن ماكس بلانك جاء بعد ذلك ليُثبت أن الضوء يتكون من جزيئات هي الفوتونات photons "ومن ثم أيد بلانك نظرية نيوتن" وصور بلانك الإشعاع في صورة ذرية مُشابهة لما سبق أن وصِفَت به المادة. وافترض أن الإشعاع لا ينطلق من المادة على شكل تيار متصل مثل تيار الماء المتدفق من خرطوم، بل هو أشبه بطلقات من الرصاص تنطلق من مدفع رشاش. فالإشعاع ينطلق على هيئة مقادير منفصلة، ويخضع لتحكم أعداد صحيحة لوحدة أولية للطاقة أطلق عليها اسم الكمّة ( الكوانتم Quantum ) وبالتالي تكون وحدة الطاقة مؤلفة من وحدات أولية هي الكمّات Quanta ولا يكون هناك جزء أو كسر من الكوانتم "فالكوانتم إذن هو وحدة الطاقة الإشعاعية مع ملاحظة أن كمية وحدة الطاقة تتوقف على طول موجة الإشعاع الذي ينتقل به الكوانتم، فكلما كان طول الموجة أقصر كان الكوانتم أكبر". وتُسمى كمية الطاقة المُعينة في هذه الحالة بالفوتون photon والفوتون هو الجسيم في كل إشعاع. فهناك فوتونات لأشعة اكس، وفوتونات للأشعة تحت الحمراء … وهكذا. وللفوتون خواص تختلف عن خواص جسيمات المادة ، فالكتلة التي تُنسب إلى الفوتون أقل بكثير من كتلة الإلكترون. أي أنها كتلة تكاد تكون منعدمة.

8- الميكانيكا الموجية:
بناء على ما سبق أصبح لدينا نظريتان لطبيعة الضوء، الأولى تصوره على أنه جسيمات تسير في خطوط مستقيمة لاسحق نيوتن، والثانية تصوره على انه موجات لكريستيان هويجنز وكان إثبات النظرية الأولى عن طريق دراسة سقوط الإشعاع على مادة، بينما كان إثبات النظرية الثانية عن طريق دراسة سلوك الإشعاع عند الانتقال خلال الفراغ. وكانت نقطة التحول الجديدة في نظرية الضوء والمادة على يد العلِم الفرنسي لويس دي برولي Louis de Broglie (1892- 1987م) حيث حاول أن يُفسر الازدواجية بين وصف الموجة ووصف الجسيمات الأولية للمادة. وبيّن أن موجة مادية مُعينة يُمكن أن تتطابق مع حركة الإلكترون مثلما تتطابق موجة الضوء مع حركة كوانتم الضوء. إذن فقد تجرأ برولي بإعلان الفكرة القائلة بأن الضوء يكون له سلوك الجزيئات وكذا الموجات. وتمكن من صياغة هذا الرأي في معادلات، فهو يُعَرّف مبدئيا الخواص الموجية للإلكترون ثم يؤلف بين هذه التعريفات في فرض نظري ضخم هو الميكانيكا الموجية Wave Mechanics. ثم توالت بعد ذلك إثباتات جديدة لنظرية برولي لحل التناقضات بين صورة الموجة وصورة الجسيم عن طريق تصور موجة الاحتمال، وذهبوا إلى أن الموجات الكهرومغناطيسية موجات حقيقية تُعطي احتمالية تواجد الجسيم في مكان أو آخر. وأن قوانين الطاقة والتحرك لا يُمكن أن تصدق كحالة فردية وإنما تصدق فقط في المتوسط الإحصائي. وكان هذا التصور للموجة جديدا تماما منذ فيزياء نيوتن. وقدم الشاب الألماني فيرنز هيزنبرج W. Heisenberg (1901- 1976م) تصورا جديدا فبين أن هناك قدر مُحدد من اللا تحديد indeterminacy فيما يتعلق بمسار الجزيء، مما يجعل من المستحيل التنبؤ بهذا المسار بدقة، وهي نتيجة صاغها في مبدأه المعروف بمبدأ اللا تحدد.

نتائج رحلة العلوم الحديثة

كان من أهم نتائج العلوم الحديثة الإطاحة بحتمية العلوم الكلاسيكية وإفساح المجال أمام اللا حتمية. فكان القضاء على التفسير الميكانيكي للظواهر، والقضاء على التفسير المُطلق للسببية. وتضيف النسبية البُعد الرابع للكون وهو الزمان بعد أن حددته الفيزياء الكلاسيكية بالطول والعرض والارتفاع. ثم تُضيف تحدب الفضاء بشكل قريب من تحدب الأرض لتقضي على فكرة الخط المستقيم أساس الهندسة الإقليدية من الناحية المنطقية وتبقي عليها من الناحية التجريبية. ورغم كل ذلك يجب التأكيد على أن العلوم الحديثة لم تُطح كلية بالعلوم القديمة ولكنها أطاحت بالقيود المفروضة على طريقة التفكير، حيث لا تزال الاستفادة قائمة بنتائج العديد من العلوم الكلاسيكية:
1- أن الفيزياء الحديثة لم تُطح بالفيزياء الكلاسيكية ولم تنقص من صحتها. فإذا كانت نظرية النسبية عالجت بعض الغموض في مفهوم الزمن، وإذا كانت نظرية الكم قد عالجت بعض الغموض في مفهوم المادة فإننا لا نشك في أن التطور العِلمي في المستقبل سيحتم مراجعات جديدة، وفي أن المفاهيم التي نستعملها اليوم سيثبت أنها محدودة التطبيق بالنسبة لمعنى لم يُعرف بعد.
2- الفيزياء الكلاسيكية تحاول بناء مفهوم للمادة والعالم بشكل مستقل عن الخبرة الذاتية للإنسان. لذلك فإن مفاهيم الفيزياء الكلاسيكية ستظل دائما الأساس لأي عِلم مضبوط وموضوعي. بل إن الفيزياء الكلاسيكية تُغطي بشكل مناسب الجزء الأكبر من مجال العِلم الفيزيائي، وإننا عادة ما نُطَعْم كثير من المقدمات الحديثة بهذه المعرفة الأقدم وتظهر كما لو كانت تصحيحات لها.
3- إن معظم ظواهر الطبيعة ليست مرتبطة بعضها ببعض بل على العكس مستقلة ومع ذلك فإن لها أو من الممكن أن يكون لها علاقات فيما بينها. وعن طريق النشاط الإشعاعي الصناعي نستطيع أن نقرر أننا وجدنا نيوترونا أي "جسيما معينا" في هذا المكان المحدد وفي ذلك الوقت، إذن فللفيزياء الحديثة موضوعيتها.
4- القوانين الإحصائية تجعل للترتيبات غير المنتظمة درجة عالية من الاحتمال. إن الذي يُبقي على الاعتقاد بحقيقة الصدفة "بمعنى غياب العِلة" هو تفسير باطل لحساب الاحتمالات. والمقصود بحساب الاحتمالات مجموعة من المبادئ الرياضية تسمح بتحديد فرص وقوع حادث اتفاقي. ويبدو للوهلة الأولى أن الرياضة ذاتها تبرر الصدفة ما دامت تقيسها، ولكن الأمر على خِلاف ذلك فحساب الاحتمالات ليس حسابا للصدفة بل هو على العكس من ذلك حساب لحتمية مجهولة جزئيا عن طريق عناصر منها نستطيع معرفتها. وهذا يؤكد الأساس الموضوعي لعِلم الفيزياء الحديثة.