(10-5)الدراسة المنهجية في عِلم الاقتصاد- المنهج قبل نشأة عِلم الاقتصاد

محمد مدحت مصطفى
2017 / 4 / 9


من المعروف أن نشأة عِلم الاقتصاد في القرن السابع عشر لا تَعني أنه لم تكن هناك أفكار اقتصادية قبل ذلك التاريخ، فقد تناول المفكرون الأوائل العديد من هذه الأفكار الاقتصادية في إطار العلوم التي كانت سائدة في ذلك الوقت وهي علوم الفلسفة والتاريخ. ويُمكن تتبع المنهج الذي استخدمه هؤلاء المفكرون من خلال دراسة لأعمال أفلاطون وأرسطو، ثم دراسة لنموذج مدرسي لسان توماس الاكويني، ونختتم بدراسة لأفكار التجاريين.

1- أفلاطون وأرسطو:
يُمكن البدء بكتاب أفلاطون Plato (427 - 347 ق.م) بعنوان "الجمهورية" الذي قدم فيه وصفا لتقسيم العمل وأصل الدولة، ثم تحدث عن التخصص وتقسيم العمل وما يستتبعه من قيام التجارة. وفي جمهورية أفلاطون المثالية توجد طبقتان هما الحكام والمحكومين، وكان يرى إلغاء الملكية الخاصة والعائلة لدى الحكام والجنود بينما سمح بها لعامة الشعب. وعلى الدولة أن تتدخل لمنع الثراء الفاحش والفقر المدقع، وكان يرى في قيمة النقود استخدامها لتسهيل التبادل وليس في حجم ما تحويه من معدن نفيس، ونجد في فكره مزيج عجيب من الرجعية والمثالية. أما تلميذه أرسطو Aristotle (384 - 322 ق.م) في كتابيه "السياسة" و "الأخلاق" فيهاجم المشاركة في الملكية ويعتبر الملكية الخاصة دافعا هاماً للتقدم. وقدم أرسطو تفسير للتفرقة بين قيمة الاستعمال وقيمة التبادل، ومع تبريره لأهمية النقود في المجتمع كوسيط للتبادل إلا أنه أدان الربا باعتبار أن النقود لا تلد.

2- المدرسيين:
في العصور الوسطى وهي الفترة ما بين سقوط الإمبراطورية الرومانية إلى سقوط القسطنطينية في يد العثمانيين كان النظام الإقطاعي هو السائد في أوربا وتداخلت سلطة الكنيسة مع سلطة الإقطاعيين مع احتفاظ الأولى بالمرجعية الدينية لتبرير أو رفض التصرفات الاقتصادية والأفكار الدنيوية. أدى هذا الوضع إلى دراسة مختلف العلوم في إطار العِلم الرئيسي وهو عِلم اللاهوت وقد أطلق على هؤلاء العلماء اسم المدرسيين لأنهم لا يستطيعون الخروج على القواعد أو الموضوعات التي تحددها الكنيسة لتكون محلا للدراسة والنقل وليست محلا للبحث ومن هنا جاءت القيود المفروضة على تطور العلوم خلال تلك الفترة، وقد امتد مفهوم المدرسيين ليشمل بعد ذلك المتشيعين لفكر رائد من الرواد تبعاً للمجال الذي يعمل به بحيث لا يخرجون عن تعاليم ذلك الرائد أو المُعلم.

ولعل أبرز هؤلاء في مجال بحثنا سان توماس الإكويني Saint Thomas Aquinnas (1225 - 1274م)، في ذلك الوقت كانت الكنيسة تقبل فكرة أرسطو الخاصة بالتفرقة بين الاقتصاد الطبيعي وبين الاقتصاد الذي يقوم على جمع المال، مع التركيز على قواعد الأخلاق باعتبارها قوانين، وترسيخ الأفكار الخاصة باستنكار قيام المسيحيين بالتجارة. أما الأمر عند توماس الاكويني فكان مختلفاً حيث حاول التوفيق بين الآراء الكنسية وبين واقع تطور المجتمع الذي يعيش فيه، فمع انتشار تقاضي الفائدة أصبح الاهتمام بتنظيم الربا أكبر من الاهتمام بتحريمه حيث كانت الكنيسة قد أصدرت قراراً قطعياً بتحريم الربا عام 1179م. وكان توماس يرى أن الملكية الفردية مشروعة وإن كان القانون الطبيعي لا يُحتْم وجودها، بل وفضلها على الملكية الجماعية. وفي نظرية الأثمان نجد أنه خرج بفكرة "الثمن العادل" التي تسمح للتاجر بالحصول على قدر من الربح يكفي لإعالة أسرته، كما اشترك مع أرسطو في تحريم الربا حتى إذا ثبُتَ تعرض المُقترض للضرر وهو الأمر الذي أباحه بعض المفكرين. من الناحية المنهجية نجد أن كل من أفلاطون وأرسطو يُخضِع أحكامه للأخلاق والفلسفة والسياسة بالرغم من مدخل أرسطو لتحليل قيمة التبادل إلا أن اهتمامه بالجانب الأخلاقي كان أكبر. أما توماس الإكويني فإنه لم يتخلص من فلسفته الميتافيزيقة بالرغم من أنه حاول التوفيق بينها وبين واقع عصره.

3- التجاريين:
تبلور المذهب الاقتصادي الذي عُرِف بالتجاريين Merchantilism خلال قرنين من الزمان تبدأ من منتصف القرن السادس عشر وتنتهي في منتصف القرن الثامن عشر، وكان آدم سميث هو الذي أطلق هذه التسمية على أصحاب هذا المذهب. وقد تبلور هذا المذهب على يد عدد كبير من المفكرين: فمن فرنسا نجد جان بودان Jean Bodin (1520 - 1596)، وأنطوان دي مونكريتيان A. de Montchretien (1576 - 1621م). ومن إنجلترا نجد توماس من Tomas Mun (1571 - 1641)، وجون تشايلد John Child (1630 - 1699م) ووليام تمبل W. Temple (1628 - 1698م). ومن إيطاليا نجد انطونيو سيرا Antonio Serra "نشر كتابه في 1613م". ومن أسبانيا نجد أورتيز L. Ortiz Juan "نشر كتابه في 1558م"، ودى أوليفارس D. de Olivares "نشر كتابه في 1621م". ومن ألمانيا نجد فون هونريك Von Hornik (1638 - 1712م).

وقد ترافقت تلك الفترة مع انهيار النظام الإقطاعي في أوربا، والتوسع في النشاط التجاري الذي استلزم اتساع نطاق التعامل النقدي. ثم كان ظهور المدن مركز النشاط التجاري والصناعات الناشئة، وبداية ظهور الدولة القومية. وقد استلزمت تلك المرحلة ظهور مفكرين يعبرون عن مصالح النظام الجديد ومن هنا تداخلت الأفكار الاقتصادية مع الأفكار السياسية عند هؤلاء المفكرين. ففي الوقت الذي هاجموا فيه تدخل الدولة في المسائل الاقتصادية طالبوا بدولة قوية تحمى مصالحهم وتحطم الحواجز التي أقامتها العصور الوسطى أمام التوسع التجاري، وطالما كان الربح هو الهدف فإن نظرتهم للنقود والمعادن النفيسة كانت محل اهتمام كبير. وقد تميز المناخ العام لتلك الفترة بمحاولات للتحرر في التفكير. ثم جاء مكيافلليMachiauelli (1469 - 1527م) نصير الدولة والأمير الذي قال بضرورة التفرقة بين الإنسان كما كان وبينه كما ينبغي أن يكون، وأن محاولة التمسك بالفضيلة في عالم الكثيرون من أهله خالين منها، محاولة معناها اجتلاب الدمار، لذلك طالب في دراسته عن الأمير الحكيم بأن تكون الضرورة لا الفضيلة مرشده ودليله. ورغم الاعتراض على كثير من أفكار مكيافللي إلا أنه منذ ذلك الوقت أقيمت الفلسفة الاجتماعية على أساس عقلي وإيجابي. وليس هناك أفضل من بيكون للتعبير عن طبيعة العصر ذلك أنه وضع الأسس الفلسفية التي يقوم عليها العِلم التجريبي، ونقل منهج البحث العقلي من العلوم الطبيعية إلى دراسة الإنسان ومجتمعه. ثم جاء توماس هوبز ونبذ مفهوم حق الملوك المقدس، فالملوك لا يستمدون سلطتهم بمقتضى حق مقدس وأن اللّه هو القاضي الأخير الذي يحكم على حكمهم. وهناك أيضا المفكر الكنسي كالفن Calvin (1509 - 1564م) الذي كانت آراؤه الخاصة بتبرئة النشاط التجاري، وبأن تحقيق الأرباح والثروة دليل على رضى الرب عن المرء أثره الكبير في تحرر أفكار التجاريين، وهي فلسفة تلائم الحياة الاقتصادية الجديدة.

أما رواد مدرسة التجاريين فكان أمامهم قضية هامة يجب حسمها وهي قضية الربا "الفائدة" ويُمكن التمييز بين اتجاهين داخل هذه المسألة. في الاتجاه الأول يظهر كارلوس مولينايس بكتابه "بحث موجز في الربا" الذي نشره عام 1546م وفيه دافع عن تقاضي الفائدة بشرط تحديد سعر أعلى لها، وفي الاتجاه الثاني نشر توماس ويلسون في نفس الوقت تقريبا كتابه بعنوان "حديث عن الربا" عارض فيه الربا بشدة، وسمح بتقاضيه فقط في حالة التأخير عن السداد. وهي حلول كما نرى لا تحاول استثارة الكنيسة ضدها.

ومن الناحية المنهجية كان التجاريين الأوائل ما يزالون تواقين للإبقاء على العنصر المعياري، كما كان لديهم ارتباط لا يُمكن فضه بين تحليل ما هو كائن وبين الأمر كما ينبغي أن يكون. يظهر جان بودان Jean Bodin (1570 - 1620م) الذي أورد في كتابه "رد على تناقضات مالستروا" المنشور عام 1569م خمسة أسباب لارتفاع الأثمان هي: وفرة الذهب والفضة، أسلوب الاحتكارات، الندرة، ترف الملك والأمراء، ثم تخفيض العملة. ويدعم بودان رأيه بالأدلة التاريخية والاستنباطية، وجان بودان كان من الاقتصاديين المستنيرين الذين جعلوا علاقة الإنسان بالإنسان، بدلا من علاقة الإنسان باللّه الأساس الذي يقوم عليه البحث الاجتماعي، ودافع عن الدولة المدنية المركزية ذات السيادة التي تكون مصدر كل القانون والنظام. وفي نفس الاتجاه أيضا نجد جون ستيفان هيلز John Stephen Hales (1921- 2002م) في كتابه "مقال عن الرخاء المشترك لإنجلترا" المنشور عام 1581م يستخدم التحليل العقلي العملي، فهو إنساني النزعة أزعجته النتائج المأساوية للثورة الزراعية على فقراء الفلاحين، إلا أنه لم يستنكر السعي وراء المصلحة الذاتية باعتبارها من السمات الطبيعية للبشر مع العمل على تسخير تلك المصلحة الذاتية للخير المشترك، وكان هيلز واحدا من أعضاء اللجنة التي تشكلت لبحث موضوع حركة الأسيجة في إنجلترا. وفي كتاب توماس من "بحث في التجارة من إنجلترا إلى جزر الهند الشرقية" المنشور عام 1621م دافع عن شركة الهند الشرقية وذكر أن ما تجلبه إلى البلاد من المعادن النفيسة يفوق بكثير ما تصدره من سلع، ثم قدم تحليل لفكرة الميزان التجاري، وفرق بين النقود ورأس المال، كما أكد أنه لا سبيل لتحقيق الفائض إلا بخفض الواردات والاستهلاك المحلي من السلع المستوردة وتشجيع زيادة التصدير وإعادة التصدير. وقد استعان توماس من في منهجه التحليلي بالحسابات التقويمية للعملات مع المعادن النفيسة.

أما الأفكار الاقتصادية للتجاريين فيُمكن تلخيصها في:
- الإقرار بالملكية الفردية كأساس للنشاط الاقتصادي، وغاية النظام الاقتصادي تحقيق الدولة القوية فيما عُرِف بنظرية الاقتصاد للقوة.
- الثروة هي التي تحقق قوة الدولة، والثروة هي حجم ما تملكه الدولة من الذهب والفضة والمعادن النفيسة، وكمية الثروة ثابتة في العالم فزيادتها في أحد البلدان تعني نقصانها في أخرى.
- ضرورة تدخل الدولة لحماية التجارة الوطنية.
- النظر إلى النقود في حد ذاتها باعتبارها ثروة، مع محاولة الكشف عن أسباب ارتفاع الأسعار وانخفاض قيمة النقود كما فعل بودان الذي توصل لأسس النظرية الكمية في قيمة النقود.
- أصحاب فكرة الميزان التجاري وضرورة تحقيق فائض فيه كما فعل من.
- تبرير الحصول على فائدة رأس المال، ومواجهة تحريم الربا.

ومن الناحية المنهجية كان التجاريين الأوائل ما يزالون تواقين للإبقاء على العنصر المعياري، كما كان لديهم ارتباط لا يُمكن فضه بين تحليل ما هو كائن وبين الأمر كما ينبغي أن يكون.