(10-6)الدراسة المنهجية في عِلم الاقتصاد- الحتمية والمنهج عند الكلاسيك

محمد مدحت مصطفى
2017 / 4 / 10

بعد مدرسة التجاريين ظهر مجموعة من المفكرين أكثر انضباطا في استخدام منهج البحث العِلمي عند تحليل الظواهر الاقتصادية، وإليهم يعود الفضل في وضع الأفكار الاقتصادية على طريقها الصحيح نحو تأسيس عِلم الاقتصاد السياسي كعِلم مستقل. ويُمكن التمييز داخل هؤلاء المفكرين بين الرواد الإنجليز والرواد الفرنسيين حيث أسهم كل منهما بإضافات متميزة سواء في مجال الأفكار والنظريات أو في مجال منهج البحث العِلمي.

1 - الرواد الإنجليز:
ضمت مجموعة الرواد من الاقتصاديين الإنجليز كل من : جون لوك (1630 - 1704م)، دودلى نورث D. North (1646 - 1691م)، ديفيد هيوم David Hume (1711 - 1776م)، جيمس ستيوارت (1712 - 1780م)، جون لو John Law (1671 - 1729م)، وليم بيتي William Petty (1623 - 1687م). وقد توصل هؤلاء المفكرون إلى العديد من المقولات والنظريات التي تُعَد من العناصر الرئيسية عند الكلاسيك.

يُعَد وليم بيتي أول اقتصادي إنجليزي مهد الأرض للمذهب الكلاسيكي، وييعتبره البعض مؤسس الاقتصاد السياسي. في كتابه "عِلم الحساب السياسي" الذي نشره عام 1672م يقرر بيتي بشكل واضح منهجا جديدا في البحث الاقتصادي فيقول بأنه بدل الاستعانة بألفاظ التفضيل والحجج العقلية يفضل استخدام مصطلحات العدد والوزن والمقياس وبالاقتصار على استخدام الحجج المستندة إلى الحواس وعلى بحث أمثال تلك العِلل التي لها أسس ظاهرة مركبة في الطبيعة، وتمسك بيتي بهذا المنهج التجريبي، كما حظي بالشهرة في مجال إرساء أسس عِلم الإحصاء. ويُعتبر بيتي بحق أول من ابتدع هذا النظام، فهو لم يبين بأسلوبيه العملي والنظري فحسب الطريقة التي ينبغي بها جمع المعلومات وتنظيمها، ولكنه لم يُهمل الوظائف الأوسع للبحث الإحصائي، فقد وضع البحث الواقعي في مكانه الصحيح بالنسبة للتحليل النظري. وكانت أهم أفكار بيتي الاقتصادية حول المالية العامة وطرق تنظيم جباية الضرائب، وأهمية فرض ضرائب على مُلاك الأراضي، وكذلك نظريته في الريع التفاضلي. ومن أقواله المأثورة أن العمل هو أب الثروة والأرض أمها، كما يقرر أن ثروة الأمة هي نتاج لعمل الماضي. ويُعَد بيتي من أوائل من نادى بنظرية العمل في القيمة، حيث تقاس القيمة بكمية العمل المبذول في إنتاج السلعة.

أما جون لوك فكان ينظر إلى الدولة كوليد للقوة الاقتصادية، وأن الملكية المتولدة عن الجِد والعقل لها الحق في الأمن الذي يجب أن توفره الدولة. وفي عام 1691م قدم دراسة عن أثر خفض سعر الفائدة ورفع قيمة النقود، واتبع لوك في منهجه طريق بيتي في استخلاص نظريته في الفائدة من تحليله للريع، حيث كان لوك ما يزال يعتبر أن الريع هو الفائض الوحيد الذي يتحقق في المجتمع، وتسائل كيف يكون للنقود وهي عقيمة بطبيعتها نفس الطابع الإنتاجي للتربة التي تُنتج بالفعل شيئا نافعا. وتوصل إلى أن التوزيع المتفاوت للأرض هو الذي مكّن الذين يملكون أرضا تزيد على ما يستطيعون زراعته بأنفسهم من اختيار المستأجر الذي يحصلون منه على الريع، كذلك فالتوزيع المتفاوت للنقود مكّن الحائزين لها من إيجاد مستأجر لها يستطيعون أن يتقاضوا منه فائدة. وعن رأيه في القيمة قال أن الأرض مِلك مشترك لجميع الناس، ولكن الملكية الخاصة يبررها أن الإنسان مزج عمله بهبات الطبيعة. والملكية المشروعة يحددها المقدار الذي يحتاج الإنسان إليه في معاشه، وبالمثل فالملكية في الأرض يحددها المقدار الذي يستطيع الفرد أن يزرعه، والعمل هو المصدر الرئيسي للقيمة، فكل القيمة تقريبا لمنتجات الأرض تُعزى إلى العمل، أما ما عدا ذلك فهو هبة من الطبيعة. بالإضافة إلى نظريته الكمية في النقود قدم اقتراحه بإصدار النقود الورقية ليستخدمها الأفراد في التداول على أن تتراكم المعادن النفيسة في خزائن الدولة.

وبالرغم من شهرة ديفيد هيوم في مجال الفلسفة فقد قدم أفكارا اقتصادية في مجال النقود والأثمان والفائدة والتجارة الخارجية إلا أن أغلبها كان تلخيصا لأعمال السابقين. كما يُعتبر كتاب ريتشارد كانتيون Richard Cantillon (1680- 1734م) "مقال عن طبيعة التجارة بوجه عام" الذي نشره عام 1755م أهم كتاب صدر قبل كتاب سميث في ثروة الأمم. ويبدأ الكتاب بتعريف الأرض بأنها مصدر الثروة وأن العمل هو القوة التي تُنتجها، ثم يأخذ في مناقشة الأجور والقيمة والسكان والنقود. ويحلل كانيتون الآثار المترتبة على الزيادة في وسيلة التداول، وحذر من استخدام النقود الورقية مدعيا أنه يُطاح بها عند أول بادرة لفقدان الثقة فيها. وفي نظرية القيمة يقول أن العمل يُشكل في بعض الحالات كل القيمة، وفي حالات أخرى جزء من القيمة مثل حالات قطع الأشجار حيث تكون الأرض المحدد الرئيسي للقيمة. وقال أن القيمة الحقيقية للعمل تكمن في مقدار الأرض اللازمة لإنتاج ما يكفي لعيش العمال ويضاف إليه مقدار مساو لتربية طفلين إلى أن يستطيعا مزاولة العمل.

2 – الرواد الفرنسيين:
ضمت مجموعة الرواد من الاقتصاديين الفرنسيين الذين عُرِفوا بالطبيعيين "الفيزوقراط" كل من: فرانسوا كينيه Francois Quesnay (1694 - 1774م) مؤسس المذهب والذي نشر كتابه الرئيسي "الجدول الاقتصادي" عام 1758م، ماركيز دى ميرابو Le Marquis de Mirabeau (1715 - 1789م) الـذي نشر كتـابه الهام "الفلسفة الزراعية" عام 1763م ثم نشر كتابه "نظرية الضريبة" عام 1769م، مرسييه دى لاريفيير Mercier de La Riviere (1720 – 1793م) الذي نشر كتابه الشهير "النظام الطبيعي للجماعات السياسية" عام 1767م، ديبون دى نيمور Dupont de Nemours (1729 – 1817م) الذي نشر كتابه "الفيزوقراط: الدستور الأساسي لأنفع الحكومات للجنس البشري" عام 1761م، وفنسنت دى جيورناى Vincent de Gournay (1712 – 1759م). ثم يأتي الفرنسي كوندياك Condillac (1715 – 1780م) ليقدم بدايات لظهور فكرة المنفعة في تحديد القيمة، وهي الفكرة التي ستتبلور بعد ذلك بنحو مائة عام. بالإضافة لأعمال تورجو A. R. J. Turgot (1727-1781م).

من الناحية المنهجية كان الفيزوقراط من الرواد الأوائل في تطبيق مذهب القانون الطبيعي "الحتمي" في العلوم الاجتماعية، فالظواهر الاقتصادية تخضع لقوانين طبيعية لا دخل فيها لإرادة الإنسان تماما كما تخضع الظواهر الطبيعية والبيولوجية لقوانين الطبيعة. وتتصف هذه القوانين بكونها: أزلية لا تتغير أبدا، عالمية تنطبق على جميع البلدان، مطلقة لا استثناء فيها، إلهية فرضها اللّه وحتّمها. والنشاط الاقتصادي للأفراد يحركه مبدأ المنفعة الشخصية، ويحكمه مبدأ المنافسة. وأن مصلحة الجماعة تتحقق بتحقق مصلحة الأفراد، فلا تعارض بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة. وهم أول مدرسة عِلمية تستخدم المناهج العِلمية في العزل والتجريد، كما اعتمد جدول كينيه الاقتصادي على التجريد الكامل بشكل مبسط ومنطقي. وانطلاقا من فكرة القانون الطبيعي كان تأييدهم لحرية التملك، وتأييدهم للنظام الملكي في فرنسا باعتباره نظاما طبيعيا. أما مهمة الدولة فهي الكشف عن القوانين الطبيعية ثم إصدارها في قوانين وضعية حيث لا يصح أن تخالف القوانين الوضعية القوانين الطبيعية. وبالتالي فإنهم أيضا كانوا من أنصار حرية التجارة وهو أصحاب العبارة الشهيرة "دعه يعمل دعه يمر" Laisser Faire , Laisser Passer التي أطلقها دى جيورناى de Gournay. وعلى ذلك يُمكن اعتبار الفيزوقراط أول من حاول تأسيس عِلما مستقلا للاقتصاد السياسي خاصة بعد تخليص الدراسات الاقتصادية من التبعية للفلسفة والدين، كما أنهم أول من حاول التوصل لقوانين عامة تحكم الظواهر الاقتصادية، كما يُنسب إليهم تأسيس المذهب الفردي أو المذهب الحر.

أما الأفكار الاقتصادية للفيزوقراط فيمكن تلخيصها في:
- التفرقة بين النشاط المنتج والنشاط غير المنتج، فالأول هو ذلك الذي يُضيف من المنتجات أكثر مما أستخدم في الإنتاج، وعلى ذلك فالزراعة هي النشاط الاقتصادي المنتج الوحيد، أما الصناعة والتجارة فرغم أنهما نافعتان إلا أنهما غير مُنتجتان.
- ينقسم المجتمع إلى ثلاث طبقات، واحدة منتجة تضم المزارعين، وأخرى عقيم تضم الصناع والتجار، وثالثة تضم الملك والحاشية وملاك الأراضي.
- يتم تجدد الإنتاج أو دورة الناتج الكلي في المجتمع عن طريق تداول السلع والنقود بين الطبقات الثلاث.
- توحيد الضرائب في ضريبة واحدة تُفرض على الإنتاج الزراعي.

3- الحتمية عند الكلاسيك:
في نهاية القرن السابع عشر كان تنظيم الدولة للحياة الاقتصادية آخذا في التداعي وكانت الرأسمالية الصناعية آخذة في الصعود. وكان التغيير في مركز العامل قريبا من تحول التاجر إلى رجل صناعة فلكي يصبح رأس المال التجاري رأس مال صناعيا لزمه أن يجد العمل والأرض والمواد الأولية بوصفها سلعا يُمكن شراؤها. كانت الأرض والمواد الأولية سلعا قابلة للتسوق قبل القرن الثامن عشر بوقت طويل، فبيع السلع وشراؤها بما فيها المواد الخام كان قد أصبحا من الأمور المعتادة قبل بدايات الصناعة الحديثة، كما عمل التحرير النسبي للزراعة وانهيار النظام الإقطاعي على أن تصبح الأرض بالتدريج سلعا قابلة للتسوق أيضا أما بالنسبة إلى العمل فإن التغيير كان أبطأ خطى، وفي ظل الظروف والمتغيرات الجديدة الخاصة بتبلور النظام الرأسمالي نشأ وتبلور عِلم الاقتصاد على يد مجموعة من المفكرين الذين عُرِفوا بالكلاسيك.

كان المناخ الفكري العام عند نهايات القرن الثامن عشر متأثرا بفكرة القوانين العِلمية العامة التي تحكم العالم كله، ومهمة العِلم تكمن في الكشف عن هذه القوانين، مع امتداد أثر هذه القوانين إلى العلوم الاجتماعية. ومن الناحية الفلسفية انتشر مذهب الذاتية الفردية حيث تخلص الفرد من الآراء المفروضة سواء من الكنيسة أو من الفلسفات القديمة وتلخص مقولة ديكارت "أنا أفكر، إذن أنا موجود" هذا الموقف. ثم كانت فكرة العقد الاجتماعي لجان جاك روسو J. J. Rousseau (1712 - 1778م) في فرنسا حيث يجب أن تقوم الدولة بناء على عقد اجتماعي بين الأفراد. ويضاف إليهم مذهب النفعية في إنجلترا الذي جاء به جيرمي بنثام Jermy Bentham (1748 - 1832م) الذي ينص على أن الفرد هو أفضل من يُقدر مصالح نفسه. ولكن حتى ذلك الحين لم يظهر المفكر الاقتصادي الشامل الذي يستطيع أن يربط بين التغيرات الاجتماعية والتطورات الاقتصادية رغم ما ذكرناه من أمثلة متناثرة للفكر الاقتصادي طوال الفترة الماضية، حتى ظهر آدم سميث ليقدم ذلك كله في عمل متكامل يُدشن به بداية عِلم الاقتصاد، ثم يُضيف ديفيد ريكاردو المزيد من التطوير في أسلوب البحث المنهجي، حتى ينضم روبرت مالتس ليُكمل ثالوث فكر الكلاسيك على النحو التالي:

نشر آدم سميث Adam Smith (1723 - 1790م) كتابه "بحث في طبيعة وثروة الأمم" عام 1776م. وكان سميث أول اقتصادي أكاديمي وشغل منصب أستاذ للمنطق ثم أستاذ للفلسفة الأخلاقية في جامعة جلاسجو، وانعكس ذلك في درجة تفكيره المنظم بالقياس إلى الذين تقدموه. في كتابه الأول "نظرية المشاعر الأخلاقية" المنشور عام 1759م نرى اهتمامه بمشكلات السلوك الإنساني وكيفية معالجتها، بالإضافة إلى بعض المعلومات والأفكار الاقتصادية. وفي هذا الكتاب يحدد سميث ستة دوافع للسلوك الإنساني هي: النفس، العطف، الرغبة في الحرية، الإحساس بالتوافق، عادة العمل، ثم الميل للتبادل. وبناء على ذلك فإن الفرد هو أفضل حكم على مصلحته، لذلك ينبغي إفساح الطريق له لأنه في هذه الحالة لن يحقق أفضل ميزة له فقط بل وسيعمل أيضا على تنمية الخير المشترك لأن العناية الإلهية جعلت من المجتمع نظاما يسوده نظام طبيعي، وهي أصل فكرة اليد الخفية التي تحقق التوازن التي ظهرت في كتابه الثاني. أما الحكومة فلها أدوار ثلاث هي: الدفاع ضد العدوان الخارجي، إقامة العدل، ثم القيام بالأعمال التي لا يُقبل عليها الأفراد بسبب انتفاء الربح المناسب منها. كما أن تقسيم العمل يُمكّن الإنسان من زيادة إنتاجيته إلا أنه لن يجعله مستقلا عن الآخرين حيث يُصبح من صالح الأفراد التبادل فيما بينهم. كما يرفض اهتمام المجتمع بحرفة على حساب حرفة أخرى مثل الاهتمام بالصناعة على حساب الزراعة. وفي نظرية القيمة يقدم تحليلا رائعا حيث يفرق بين القيمة في الاستعمال والقيمة في التبادل، وفي مصدر القيمة اعتبر أن العمل هو المصدر الوحيد للقيمة، كما أنه أيضا مقياس للقيمة. ونجده أيضا يضع افتراضات للتبادل. وعن الريع يقول أن الأجور العالية أو المنخفضة والربح هي أسباب ارتفاع الثمن أو انخفاضه، وارتفاع أو انخفاضه نتيجة مترتبة عليه، ويسبق ريكاردو في القول بأن السبب في الريع التفاضلي هو الاختلاف في الموقع أو الخصوبة، وفي المالية العامة يرفض فكرة فرض الضرائب على الأرباح مع تحبيذه لفرضها على مُلاّك الأراضي الذين يحبون أن يحصدوا ما يزرعه الآخرون.

يأتي ديفيد ريكاردوDavid Ricardo (1772 - 1822م) ليُكمل الطريق وينشر مؤلفه الهام "مبادئ الاقتصاد السياسي والضرائب" عام 1817م. ومن أهم إضافات ريكاردو فكرته في فائض القيمة فقيمة العمل الذي يشتريه الرأسمالي أكبر من مقدار العمل المتجسد في الأجور التي يدفعها مقابل هذا المقدار، وهكذا يظهر فائض يستولي عليه الرأسمالي. وهي الفكرة التي أخذها بعد ذلك وعمّقها كارل ماركس. وفي التبادل رفض استخدام كمية العمل كمقياس للقيمة، وأن القيمة التبادلية تستمد من ندرة العمل. وفي الريع يرفض ريكاردو فكرة الريع المطلق، ويُعَمق فكرة الريع التفاضلي ويوضح أن هناك حالات لا وجود فيها للريع.

أما توماس روبرت مالتسThomas Robert Malthus (1766 - 1836م) رجل الدين الذي اكتسب شهرة عالية في نظرية السكان فقد كانت له أراء هامة أخرى. ونشر كتابه "مقال عن مبدأ السكان كما يُؤثر في التحسين المستقبلي للمجتمع" ونشره عام 1798م وأوضح فيه فكرته المتشائمة عن التناقض بين نمو السكان ونمو الغذاء متأثرا في ذلك بقانون تناقص الغِلة.

في إنجلترا قام جون ستيوارت مل J. Stuart Mill (1806 - 1873م) الذي أُطلِق عليه آخر الكلاسيك العِظام، بترويج أفكار الكلاسيك بعد أن قام بتجميع تلك الأفكار في كتابه الشهير "مبادئ الاقتصاد السياسي" والمنشور عام 1767م الذي ضم خلاصة فكر الكلاسيك والتجديدات التي جرت عليه وأصبح إنجيل الدارسين لعِلم الاقتصاد لأكثر من خمسون عام. ومن الناحية النقدية ليست هناك إضافات عِلمية ذات قيمة لمل فهو رمز للانتقاء والتوفيق حيث يعكس الزمن الذي شهد ذروة الرأسمالية التنافسية المبكرة مع ظهور انتقادات الاشتراكيين لها. وتستطيع أن تجد في آرائه تأييد للفكرة ونقده لها في آن واحد إلا أن تأثير مل في مجال الاجتماع والفلسفة كان أكبر فهو مصلح اجتماعي وله ميول للاشتراكية الفابية. وكان مل ينظر للاقتصاد السياسي على أنه أحد فروع عِلم الاجتماع الذي كان لا يزال من المُتعيّن خلقه ولابد من تكملته بعلم العادات والتقاليد وعِلم الأخلاق. نرى مل يأخذ بآراء التجاريين في الربح، إلا أنه فرق بين الربح النسبي الذي ينتج عن إعادة توزيع الثروة بين الأفراد وبين الربح الإيجابي الذي ينشأ عن الزيادة في كمية العمل ومهارتها. وفي تحديد قيمة السلعة يقول أنها تتحدد بناء على متوسط ما يستطيع أن يُنتجه العامل في فترة زمنية معلومة، والنفقة اللازمة لإشباع الحاجات الضرورية للعامل وتوفير الأدوات المتعلق بمهنته، ثم قيمة المواد الأولية التي يستخدمها العامل. وأي شيء يزيد عن هذا هو ربح صاحب الصناعة والذي يتوقف على العرض والطلب. وتعود أهمية مل أيضا أنه تتبع في كتابه التغيرات في أساليب الإنتاج والعلاقات بين الطبقات.
أما الأفكار الاقتصادية للكلاسيك فيمكن تلخيصها في:
- الاعتقاد بالقوانين الطبيعية التي تتحكم في أمور الطبيعة والمجتمع بحيث لا يستطيع الفرد أو الدولة تغييرها. وأن القوانين الاقتصادية قوانين موضوعية تعمل بشكل مستقل عن وعي الأفراد.
- اعتقد الكلاسيك بمبدأ الحرية الاقتصادية التي تتمشى مع طبيعة النفس البشرية، ومن ثم حرية التجارة وتحديد الأثمان دون ما تدخل من الحكومة.
- أن المنافسة الكاملة هي الوحيدة الكفيلة بحُسن تخصيص الموارد على الأنشطة الإنتاجية بما يؤدي لاختفاء المخزون السلعي غير المرغوب، كما أنها تعمل على توزيع الدخول على كل من شاركوا في العملية الإنتاجية. وأن فكرة الرشادة الاقتصادية المنبثقة من الرجل الاقتصادي كفيلة بضمان تحقيق المبدأ.
- الاقتناع بوجود اليد الخفية التي تعمل على تحقيق الاستقرار والتوازن بشكل يحقق مصالح كل من الفرد والمجتمع دون ما تناقض، وهذه اليد الخفية كفيلة بإعادة التوازن عندما يختل نتيجة لأي سبب من الأسباب.
- اقتنع الكلاسيك بفكرة تفوق زيادة السكان على زيادة الموارد، وأن الحل الوحيد يتركز في عملية ضبط المواليد. كما اقتنعوا بأن ريع الأرض يعود إلى الندرة النسبية للأراضي والتفاوت في درجة خصوبتها، وانه يظهر نتيجة لارتفاع السعار وليس سبباً لهذا الارتفاع.
- الاقتناع بقانون تناقص الغِلة ومحاولة تطبيقه على كافة الأنشطة الإنتاجية بما فيها الصناعة وإهمال دور التقدم التكنولوجي في الحد من آثار هذا القانون.
- الاقتناع بنظرية العمل في القيمة حيث تكتسب السلع قيمتها من كمية العمل المبذولة في إنتاجها مع التفرقة بين قيمة الاستعمال وقيمة التداول أي التفرقة بين الثمن والقيمة.
- الاقتناع بنظرية كمية النقود التي تُرجع التغير في قيمة النقود إلى التغير في كمية عرضها بعلاقة عكسية. أما سعر الفائدة على النقود فيتحدد أيضاً عن طريق قوى عرض المدخرات وقوى طلب الاستثمار.

من الناحية المنهجية حققت الكلاسيكية بوصفها مذهبا عِلميا درجة من الكمال تزيد على ما حققه الفكر الاقتصادي قبلها، فقد حاولت أن تربط كل جزء من بنيانها التحليلي بكل جزء آخر وبالبنيان الكلي. وقد نشأ الكلاسيك في ظل سيادة القوانين الطبيعية الحتمية، ومن هنا يُمكن القول أن نشأة عِلم الاقتصاد كانت في ظل سيادة منهجية الضرورة الحتمية. وقد ظهر ذلك جليا في أعمال سميث بدءا من افتراضاته العامة وصولا إلى استنباطات خاصة، كما أنه استعان كثيرا بالأمثلة التاريخية. ويبدو أن تغييرا في المنهج كان ضروريا حتى يتسنى السير خطوة في اكتشاف القوانين التي يقوم عليها النظام الاقتصادي، فالمنهج الاستنباطي الشديد الذي غالبا ما يُعزى إلى ريكاردو حل محل ذلك المزيج الأقل صرامة من الاستنباط والتاريخ الذي سار عليه سميث. فهناك قدر وافر من التعليل المُسبق في أعمال ريكاردو، وهناك افتراض وجود الإنسان الاقتصادي الذي يعمل على تحقيق القدر الأقصى من المزايا، وهناك فروض مسلم بها بشأن الإطار الاجتماعي كوجود المنافسة، وفي عمليات الإيضاح كان الاعتماد بوجه عام قائم على الافتراض أكثر منه على التاريخ ، وتشعر بسهولة أن هناك درجة عالية من التجريد. أما روبرت مالتس فقد حاول أن يجمع بطريق الاستنباط ما يُثبت به نظريته فاستخدم المادة التاريخية لدعمها. كما أكد على أهمية الحاجة إلى مقدمات إضافية مستمدة من مادة تجريبية في بحث المشكلات قصيرة الأجل. بينما واصل ريكاردو الاعتماد على العمليات طويلة الأجل التي يُمكن توضيحها توضيحا وافيا عن الاستنباط من المقدمات المبدئية.

4- الحتمية عند ماركس:
أثار منهج البحث الماركسي كثير من الجدل بين المنشغلين بالعلوم الاجتماعية بصفة خاصة، وكارل ماركس Karl Marx (1818-1883م) واحدا من أهم المفكرين الذين أثروا الفكر والمعرفة الإنسانية بالقوانين الخاصة بتطور المجتمعات، ويصعُب تصنيفه من علماء الفلسفة أم الاقتصاد أم الاجتماع حيث كانت إضافاته العلمية في الفروع الثلاث غاية في الأهمية، إلا أن ما يجمعها كان منهجية التفكير المستخدمة. فمن الناحية المنهجية يُعَد ماركس أول من استخدم التجريد في دراسة الظواهر الاجتماعية بصفة عامة والاقتصادية بصفة خاصة. كما وضع حداً للصراع بين أنصار المنهج الاستقرائي وأنصار المنهج الاستنباطي حيث بين أن كلا المنهجين يمتلك الأسس العلمية للاستدلال المنطقي. ورغم أن غالبية أعمال ماركس استندت إلى الاستقراء إلا أنه استخدم أيضاً الاستنباط في بعض تلك الأعمال، حيث أكد دوماً على أهمية اختيار المنهج الذي يلائم مشكلة البحث. وبالدراسة المدققة لمُجمل أعماله يُمكن استخلاص منهجاً جديداً يأخذ بالتأثير المتبادل بين الفلسفة والاقتصاد، فإذا ما كانت الفلسفة تُستخدم في تحليل العلاقات الاجتماعية فإن الدراسة العميقة لأصول الاقتصاد تقدم مادة جديدة للتعميمات الفلسفية. فالكشف عن حقيقة الظواهر الذي يعني الكشف عن القوانين يستلزم تحليل العلاقات الجوهرية ذات التأثير المتبادل. وهذا الأمر يستلزم قدر كبير من التأمل والتفكير المنطقي، وهو ما أطلق عليه المنهج العلمي. ومن ثم فإن المنهج العلمي لدى ماركس هو أسلوب للتفكير المنظم يُستخدم للكشف عن حقيقة الظواهر وتطورها. وهذا الأسلوب يبدأ بانعكاس الظواهر على الحواس وبعدها نلجأ إلى التفكير التجريدي أو المعرفة المنطقية، والتفكير التجريدي يعني عملية فصل الصفات عن الظاهرة محل البحث مما يسمح بفهم أعمق للظواهر. رغم جدلية الفكر الماركسي إلا أنه ارتبط ارتباطاً وثيقاً بحتمية القوانين العلمية، وجاءت جميع تنبؤاته العلمية حتمية قاطعة بدءاً من حتمية انخفاض أجور العمال وصولاً إلى حتمية تحقيق المجتمع الاشتراكي، أو فيما عُرِفَ بحتمية الحل الاشتراكي، وهو ما يعني أن التاريخ يسير في طريق محتوم يُمكن معرفة مراحله ومن ثم التنبؤ بما سيكون عليه. ومن هنا لم يفترق ماركس عن الكلاسيك في الاتجاه نحو ضبط وتقييد القوانين العلمية بصورة تجعل من النتائج المتوقعة حقيقة محتمة الحدوث.