(10-7)الدراسة المنهجية في عِلم الاقتصاد - اللاحتمية والمنهج عند - النيو كلاسيك

محمد مدحت مصطفى
2017 / 4 / 12


تبلورت مدرسة النيو كلاسيك في النصف الثاني من القرن التاسع عشر على يد الفريد مارشال رغم أن بداياتها كانت في منتصف القرن الثامن عشر إي أن بنائها استغرق نحو مائة عام. ورغم أن هذه التسمية تُعطي انطباعاً بأنها تطوير لأعمال الكلاسيك إلا أن واقع الأمر يُفضي إلى أنها جاءت على خلاف كبير مع أعمال المدرسة الكلاسيكية في الاقتصاد. نجد بداية النيوكلاسيك في فرنسا عند أنطوان أوغسطين كورنو A.Augustine Cournot (1801- 1877م)، وجان باتيست ساى Jean Batiste Say (1767- 1832م)، وفي ألمانيا جوهان هنريك فون ثونن Johan Heinrich Von Thuen (1783- 1850م)، وفي إنجلترا سينيور. وقد تميز النيو كلاسيك بإحلال نظرية المنفعة في القيمة بدلا من نظرية العمل في القيمة، وبهذا أخذت النظرة الشخصية تحل محل النظرة الموضوعية في التحليل حيث تمشى ذلك مع تطور الدراسات النفسية التي أوضحت أهمية تأثير العوامل النفسية. ومع الهجوم الشرس للمدرسة التاريخية مع ما انطوت إليه من عدم جدوى الاستنباط في العلوم الاجتماعية مع ضرورة الاستناد إلى الاستقراء وعلوم الإحصاء ظهر أنصار المدرسة الحدية بجوار أنصار نظرية المنفعة لتأكيد أهمية الاستنباط أيضاً في العوم الاجتماعية خاصة مع التطور الكبير في استخدام الرياضيات لإثبات النظريات الاقتصادية على يد أنصار المدرسة الرياضية.

1 - المنفعة ورواد النيو كلاسيك:
مثلما كان ستيوارت مل آخر الكلاسيك الإنجليز، كان باتيست ساى آخر الكلاسيك الفرنسيين وحلقة الوصل بالنيو كلاسيك. قام جان باتيست ساى Jean Batiste Say (1767 - 1832م) بنشر كتابه "بحث في الاقتصاد السياسي" عام 1803م ، ومن المساهمات الرئيسية له: نقده لنظرية كمية العمل وما تضمنته في نظرية التوزيع، تعميقه لفكرة المنفعة في تفسير نظرية القيمة، من المؤسسين لنظرية التوازن في الأسواق، وأول من قدم نظرية المنظم. أما من حيث المنهج فيقول أنه لا ينبغي للاقتصاديين إلا أن يبدءوا من مقدمات عامة وكاملة، فيجب تناول الحقائق الجوهرية الأكثر ثقة واستخلاص نتائج صحيحة منها والتأكد من أن التأثير المعزو إليها راجع إليها فعلا وليس إلى أسباب أخرى. وبفرض صحة الاستنباط فإن سلامة النتائج المستخلصة تتوقف على كمال المقدمات.

يُعَد الاقتصادي الرياضي الفرنسي أوغسطين كورنوAugustine Cournot (1801 - 1877م) الذي نشر كتابه "أبحاث في المبادئ الرياضية لنظرية الثروة" عام 1838م أول من أشار إلى نظرية المنفعة حيث ركز على الاهتمام بالقيمة التبادلية للسلع. وركز على أنه يُمكن اعتبار العلاقات في السوق من العلاقات الصورية، وأن دوال العرض والطلب دوال لبعضها البعض. وأنه في الإمكان التعبير عن علاقات السوق بسلسلة من معادلات الدوال، وأن القوانين الاقتصادية يُمكن صياغتها بلغة رياضية. ويُمكن استخدام الرموز الرياضية لاستخلاص العلاقات بين المقادير فالقيمة التبادلية في جوهرها مفهوم نسبي. وكورنو هو أول من توصل إلى منحنى الطلب باعتباره علاقة عكسية بين الثمن والكمية المطلوبة ومن ثم التوصل إلى قانون الطلب واتجاه الثمن إلى التساوي مع النفقة الحدية في ظروف المنافسة الكاملة. ويُمكن القول أن كورنو اهتم بتفسير الثمن بينما اهتم ساى بالبحث عن سبب القيمة ومنشأها. ووضع كورنو الأساس الذي قامت عليه المدارس السلوكية في عِلم الاقتصاد والتي اعتمدت على مفاهيم فالراس عن الأثمان الاحتياطية ومفاهيم باريتو عن منحنيات اللامبالاة ، والمعدل الحدي للإحلال.

في ألمانيا كان هناك هنريك فون ثونن الذي أثار بمؤلفه "الدولة النعزلة" في طبعته الأولى عام 1826م اهتماما كبيرا بمشكلات عِلم الاقتصاد الزراعي وخاصة في تأثير نظرية الموقع على الاستخدامات الزراعية ودورها في نظرية الريع، ورغم أنه كان راسخ الاعتقاد في استخدام الأساليب الرياضية إلا أن غالبية استخداماته اقتصرت على الأمثلة العددية، وكان على قدر كبير من الثقة في عرضه للمصادرات التي يبدأ بها وكذلك في التأكيد عل صحة النتائج التي يتوصل إلها ومدى مطابقتها للمصادرات التجريدية التي بدأ بها. ومن إسهاماته أيضا تمسكه بفكرة طريفة لتحديد الأجر الطبيعي وهي أنها تعادل الجذر التربيعي لحاصل ضرب الاحتياجات الضرورية للعامل في ناتج عمله حتى أنه أوصى بكتابة هذه الصيغة على قبره.

من أهم من قاموا بتحليل لنظرية المنفعة كان الإنجليزي نساو وليم سينيور (1790 - 1864م) الذي حاول في كتابه "معالم عِلم الاقتصاد السياسي" المنشور عام 1836م التوفيق بين ساى وريكاردو مركزا على مسألة الندرة وموضحا حالات مختلفة للاحتكار، وبالإضافة للمنفعة فقد اعترف سنيور بإنتاجية رأس المال رأى سنيور أن وظيفة رجل الاقتصاد إيجابية وتحليلية بحتة، ولا يجوز له تقديم المشورة. فمشكلات الرفاهية البشرية يُمكن حلها بالرجوع إلى اعتبارات أخرى غير اقتصادية. وفرق بين عِلم الاقتصاد وبين فنيّات الحِساب، وأكد على أن علاقة بين العِلم والفن ولكن نظرا لأن العِلم لم يبلغ حد الكمال فليس هناك من مفر إلا أن تكون القرارات راجعة إلى تفسير الفرد نفسه للنتائج التي يتوصل إليها العِلم.

2 - المنفعة الحدية والتحليل الرياضي:
بعد أن تم تأسيس مدرسة المنفعة الحدية أصبحت في حاجة لمن يقوم بصقلها وقد تم ذلك من خلال ثلاث مدارس هي: الإنجليزية والنمساوية ومدرسة لوزان. ويُعَد هيرمان هنريك جوسن أول من وضع قوانين المنفعة الحدية عام 1854م وبالتالي فهو رائد الحديين الذين آمنوا بأن الفرد يسعى لتحقيق أقصى منفعة ممكنة. فوضع قانونه الأول الخاص بتناقص المنفعة، وقانونه الثاني الخاص بالتساوي في المتع الحدية بين مختلف السلع. كما أن قيمة الأشياء تتحدد على أساس المنفعة التي تستطيع أن تحققها ، وصنف السلع إلى ثلاث واحدة تحقق المنفعة بطريق مباشر وأخرى تحقق المنفعة بطريق غير مباشر وثالثة تستخدم في إنتاج السلع. ويقرر أنه لا يُمكن الوصول إلى تلك النتائج بدون الاستعانة بالرياضيات.

وليم ستانلى جيفونزWilliam Stanley Jevons (1835 - 1882م) نشر مؤلفه الأساسي "نظرية الاقتصاد السياسي" عام 1871م الذي وضع فيه نظرية رياضية عامة في الاقتصاد السياسي وهاجم فيه جون ستيوارت مل، وفي رفضه لأن يكون العمل مصدر للقيمة يقول أن العمل ضاع إلى الأبد بمجرد إنتاج السلعة ولا يمكن أن يكون له تأثير على الثمن بمجرد وصول السلعة إلى السوق. كما كان مهتم بالربط بين البحث الإحصائي والتحليل النظري وله إضافات في مجال الأرقام القياسية. وله إسهام بالغ في النظرية البحتة حيث ربط القيمة بالمنفعة بدلاً من ربطها بالنفقة، وهو أحد مكتشفي فكرة المنفعة الحدية وأطلق عليها اسم المنفعة النهائية، كما توصل إلى فكرة تحقيق التوازن في الاستهلاك عند تساوي المنافع الحدية للسلع المُستهلكَة، كما يرجع إليه الفضل في الربط بين الإيكولوجيا والإنتاج الزراعي. وقال إن جميع قوانين الاقتصاد يُمكن أن تُصاغ بمصطلحات رياضية. لم يُنكر جيفونز وهو رجل الإحصاء أن الدراسات المبنية على التجربة جزء أساسي من مجموع الدراسات الاقتصادية، ولكنه أكد أن قوانين عِلم الاقتصاد النهائية هي عمومية الطابع بحيث يُمكن مقارنتها بحق بقوانين العلوم الطبيعية. ويقول يجب أن يكون الاقتصاد رياضيا في طابعه أسوة بالعلوم الطبيعية.

نشر كارل منجرKarl Menger (1840 - 1921م) كتابه "مبادىء الاقتصاد" عام 1871م عندما كان أستاذا في جامعة فينا. أعماله تتسم بقدر كبير من الثبات وأكثر اتساقا من جيفونز، وبنشر كتابه "أبحاث في أساليب العلوم الاجتماعية والاقتصاد السياسي بوجه خاص" عام 1883م أثار أكبر قدر من النقد للكلاسيك وهو الذي تم الاستناد إلية عند مناقشة منهج المدرسة التاريخية حيث هاجمها بشدة، ودافع عن ضرورة استخدام المنهج الاستنباطي في العلوم الاجتماعية بصفة عامة والاقتصاد بصفة خاصة. واهتم منجر بتأكيد أهمية الذاتية الفردية، وكذلك أهمية الندرة في تحديد القيمة، وذكر أن السلع لكي تكتسب قيمة اقتصادية لابد وأن تكون نافعة، وان يكون حجم عرضها أقل من حجم الطلب عليها. كما توصل منجر إلى فكرة تناقص المنفعة بزيادة الوحدات المُستهلكة من السلعة، أي فكرة تناقص المنفعة الحدية.

وامتدادا لهذه المدرسة النمساوية كان هناك تلميذان عظيمان لمنجر هما فريدريك فون فايسرFriedrich Von Wieser (1851 - 1926م)، ويوجين فون بوهيم باورك Eugen Von Bohm- Bawerk (1851 – 19.4م). فيُعَد فايسر أول من استخدم مصطلح المنفعة الحدية، وقدم التحليل الرياضي لنظرية التكاليف، واعتمد منهج منجر في التجريد، كما رفض نظرية العمل في القيمة، ونظرية تحديد الأجور عند مستوى الكفاف واستبدلها بتحديد الأجور بمستوى الإنتاجية الحدية للعمل. كما يعود الفضل إليه في تحديد قيم عناصر الإنتاج من عمل ورأس مال وأرض بالإنتاجية الحدية لكل منهم. أما بوهيم باورك فقد ساهم في تطوير فكرة رأس المال وادعى أن سعر الفائدة يتحدد بناء على ثلاث عوامل أحدها ذاتي ولآخر موضوعي والثالث فني. ويُعتبر باورك من أهم معارضي الاقتصاد الماركسي، واعتبر أن رأس المال هو نتيجة طبيعية لتطور الفن الإنتاجي وعلى ذلك فغن رأس المال يزداد بزيادة طول العملية الإنتاجية.

ليون فالراسLeon Walras (1834 - 1910م) نشر كتاب "عناصر الاقتصاد السياسي البحت" عام 1877م، وأعلن فيه مذهب المنفعة الحدية وشرح فكرة المشتقة التفاضلية derivative للوصول إليها حيث أنها تعني معدل التغير وبذلك فهي تقابل فكرة الحدية، كما شرح فكرة التوازن في السوق من خلال دوال العرض والطلب وباستخدام المعادلات الآنية وصولاً إلى فكرة التوازن الشامل للاقتصاد. كما استخدم تعبير الندرة باعتبار أنها المُشتقة من المنفعة الكلية المتحققة من زيادة الاستهلاك. وكان أبرع من استخدم الأسلوب الرياضي في التحليل الاقتصادي وبشكل أكثر اتقانا من سابقيه. وقد ظل أستاذا في جامعة لوزان بسويسرا حتى أصبح أحد أعلام هذه المدرسة، وتُنسب إليه أيضاً فكرة واجب الدولة نحو توفير المساواة في الظروف بدلاً من المساواة في مراكز الأفراد، أي فكرة المساواة في توفير الفرص للأفراد عند البداية بدلاً من التحقيق الفعلي للمساواة بين الأفراد عند النهاية.

في لوزان أيضاً كان فليلفريدو باريتوVilerredo Pareto (1848 - 1923م) نشر كتابه "منهج الاقتصاد السياسي" عام 1896م كان في الأصل مهتما بالرياضيات والعلوم الطبيعية، واهتم مبكرا بتطبيق الرياضيات على الاقتصاد. غير أن باريتو لا يقتنع بالصلاحية المنطقية وحدها ويتمنى اليوم الذي يضع فيه محل رموز معادلاته قيما مستمدة من بيانات إحصائية ويبدو أن باريتو كان على بينة بالصعوبة المنهجية أي بالتعارض بين الشروط الكامنة وراء تجريد نظام جبري وبين الطابع التاريخي حتما للإحصاء. ومن هنا كان أسلوب باريتو في التأكيد على علاقات الإحلال والتكامل. إن موقف باريتو المنهجي يؤيد النظرة الشكلية مع تطهير عِلم الاقتصاد من جميع العناصر الأخلاقية. وتحدث باريتو عن عدم إمكانية قياس المنفعة، وابتدع بدلاً منها سلم التفضيلات بمعنى استبدال فكرة الترتيب Ordinal بدلا من فكرة القياس Cardinal، ورغم أن آخرون قد سبقوه للفكرة نفسها إلا أن التوضيح الذي قدمه باريتو كان أفضل بكثير مما قدمه هؤلاء. كما توصل إلى إمكانية تحقيق التوازن رياضياً في ظل النظام الاشتراكي برغم إلغاء الملكية الخاصة فغي هذا النظام، بالإضافة إلى اهتمامه بنظرية توزيع الدخل.

من المدرسة السويدية يُعتبر جون فيكسل John Gustaf Kunt Wicksell (1885 - 1926م) من أهم ممثليها حيث الاهتمام بربط الاقتصاد النقدي الاقتصاد العيني، والتمييز بين سعر الفائدة العيني وسعر الفائدة النقدي، وأن تحقيق التوازن يستلزم مساواة سعر الفائدة النقدي بسعر الفائدة العيني. كما طرح فكرة التحليل التراكمي حيث ضرورة ارتفاع الأسعار نتيجة للزيادات المتتالية للطلب، وقد أوصله ذلك إلى تقديم تفسير جديد للدورات الاقتصادية.

3- تبلور النيو كلاسيك:
يحتل الفريد مارشالAlfred Marshall (1842 - 1924م) بالنسبة للنيوكلاسيك نفس الأهمية التي احتلها جون ستيوارت مل بالنسبة للكلاسيك. صحيح أن مارشال لم يقدم جديدا في موضوع العِلم ولكنه تمكن من صياغة فكر النيو كلاسيك بشكل بارع يكاد يكون هو الأساس حتى الآن عند دراسة الاقتصاد. فقد اهتم باستخدام الرسوم البيانية التوضيحية وكان شغوفا بالطابع المزدوج لمقص العرض والطلب، كما كان شديد الرغبة في توضيح نتائج البحث العِلمي بتعبيرات ومصطلحات يُمكن فهمها وكان يهدف إلى الإبقاء على سلسلة من التحليلات الصورية والربط بينها وقد اتهم مارشال بالتلفيقية، إلا انه قال إن الهدف من حشد النظريات الاقتصادية ينطوي على تكنيك يتسم بالشمول والواقعية. ويرجع إليه ذيوع تسمية الاقتصاد دون أن تسبقه كلمة السياسي أي Economics بدلاً من Political Economy. وقد جمع مارشال في نظريته للقيمة بين النفقة والمنفعة، واستحدث فكرة فائض المستهلك، كما استحدث فكرة المرونات للتعبير عن حساسية التغير في الكمية المطلوبة دون ما استخدام لوحدات القياس الكمية أو النقدية، كما تعود إليه أيضاً فكرة الإحلال بين عناصر الإنتاج. وفي تحليل الأسواق قدم تحليل التوازن الشائع لكل من سوق المنافسة الكاملة وسوق الاحتكار التام بينما يعود الفضل إلى كل من جوان روبنسون وشامبرلين في تحليل سوقي المنافسة الاحتكارية واحتكار القلة. ويصعب التحدث عن منهجية واضحة في أعمال مارشال إلا أنه كان يميل إلى النظر باعتباره أقرب إلى البيولوجيا ونظريات التطور لداروين بدلاً من النظرة السائدة التي كانت تعتبره أقرب إلى الميكانيكا وعلوم الفيزياء. وكان يرى ضرورة الجمع بين الاستنباط والاستقراء، كما جمع بين التجريد والتحليل التاريخي. وكان أكثر اهتماماً بتحليل التوازن الجزئي بدلاً من تحليل التوازن الشامل باعتبار أن التحليل الجزئي في العلوم الاجتماعية هو المقابل للعزل واستخلاص النتائج من التجارب المعملية.