نماذج من العِلم والاستنارة- (3) جاليليو جاليلي (1564- 1642م - محاولة للتوفيق بين العِلم والدين

محمد مدحت مصطفى
2017 / 4 / 3

يموج عصر النهضة في أوروبا بتيارات التناقض العنيف بين قديم متخلف يتمسك بأهداب الماضي ويتسلح بكهنوت الدين، وبين حديث متقدم يستشرف المستقبل ويتسلح بمنطق العِلم، وقد استغرق ذلك التناقض العنيف والصراع نحو ثلاثة قرون. كانت البداية للإصلاح من داخل الكنيسة وعلى يد راهب كاثوليكي ومصلح ديني منغلق على نفسه، وفي نفس الوقت معادي للعلم ومنهجه بنفس حماس معاداته لفساد الكنيسة، ومع ذلك كان مصيره الحرق ذلك هو الراهب جيرولامو سافونارولا، وبعدها بمائة عام يأتي مصلح ديني آخر لكنه في هذه المرة رجل مستنير ومؤيد للعلم ومنهجه، ومُعارض للكاثوليكية فكان من الطبيعيى أن يلحق سابقه بالموت حرقاً ذلك هو جوردانو برونو، أما الثالث الذي كان على شفا المحرقة فهو العالم الجليل جاليليو جاليلي، الذي عاصر حرق برونو وحاول أن يجد صيغة يتعايش فيها مع العِلم دون استثارة الكنيسة، فعندما رفع شعار العِلم كان حريصاً أن لا يرفع بجواره شعار معاداة الكنيسة، ورغم ذلك حكمت عليه محكمة التفتيش بالسجن ، وبحرق مؤلفاته التي يؤيد فيها نظرية كوبرنيكس القائلة بدوران الأرض. ثم نأتي لنيكولاس كوبرنيكس الذي أفلت من الموت حرقاً على الرغم من أن هناك من أحرقوا فعلاً بسبب الترويج لآرائه ونظرياته.

1-النشأة: دفع جاليليو ثمن كفاحه لتحقيق التوفيق بين العِلم والدين، وإقناع الكنيسة أن تقبل العِلم الجديد ومناهج التفكير، وصحيح أنه خسر هذه المعركة أثناء حياته إلا لأنه كسبها على مدى العمر بعد مماته وبزوغ عصر العِلم. ومع كل ما قدمه جاليليو للعِلم يظل موقفه المؤيد والداعم علمياً لنظرية كوبرنيكس العمل الأكثر شهرة له خلال عمره الذي امتد 78 عاماً، إلا أن جاليليو كان قد شهد أيضاً إحراق جوردانو برونو الذي كان أول من روج ولفت الأنظار لنظرية كوبرنيكس عن دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس، وكان ذلك إنذار لكل علماء عصره. ويفسر لويس عوض• صمت جاليليو عن إحراق برونو عندما كان جاليليو يبلغ من العمر 36 عاماً بأن برونو استخلص من دراسة فلك كوبرنيكس فلسفة تقع خارج الإطار المسيحي تصل إلى حدود الزندقة الصارخة بمفهوم ذلك العصر، بينما كان جاليليو يُعلن دائماً أنه صادق الإيمان مُخلص للكنسية الكاثوليكية، وأن قصارى أمله أن يكسب رجال الدين وعلى رأسهم البابا والكرادلة إلى صف العِلم والمنهج العِلمي، وكل ذلك في محاولة منه للهرب من غضب الكنيسة عليه وكان أول إعلان رسمي له في تأييد نظرية كوبرنيكس في الفلك عام 1604م، أي بعد أربع سنوات من إحراق برونو.
وُلِد جاليليو في 15 فبراير 1564م بمدينة بيزا لأب فقير يُدعى فنشنتزيو جاليلي كان يعمل موسيقياً، وفي عام 1574م انتقلت الأسرة إلى مدينة فلورنسا حيث عائلة الوالد، والتحق هناك بالدير حيث تعلم مبادئ المنطق خلال سنوات صباه الأولى، وفي عام 1581م التحق بجامعة بيزا ولم يبلغ من العمر سبعة عشر عاماً لدراسة الطب، إلا أنه فشل في دراسة الطب وتحول بعد عامين إلى دراسة الرياضيات بشكل تطبيقي على يد مُعلم مهندس يُدعى ريتشي، وفي عام 1585م عاد إلى فلورنسا دون أن يتحصل على درجة عِلمية، وقد أغضب ذلك والده الذي كان يُعده ليكون طبيباً لا معلماً للرياضيات، خاصة وأن الأحوال المادية للأسرة لم تكن على ما يرام. وفي فلورانسا واصل اهتماماته الرياضية وقراءاته الأدبية، ثم عمل أستاذاً للرياضيات بمرتب ضئيل في جامعة بيزا، انتقل بعدها إلى جامعة بادوا عام 1593م بمرتب أفضل بعد تدخل عدد من الأصدقاء وقضى في هذه الجامعة ثمانية عشر عاماً، إلا أنه ظل في ضائقة مالية بشكل دائم مما دعاه إلى أن يُنفق وقتاً أطول في الدروس الخصوصية على حساب اهتماماته العِلمية. ظل ذلك الوضع على ما هو عليه حتى رعاه كوسيمو الثاني دي مديتشي أمير توسكانيا حينما دعاه في يونيو 1610م لتولي وظيفة "الرياضي الأول في جامعة بيزا وفيلسوف الغرنادوق السامي" مع إعفائه من واجبات التدريس في الجامعة، وعلى أن يُقيم بشكل دائم في فلورانسا، فبدأ يتفرغ للبحث العِلمي بشكل أفضل، وأخذت أحواله المادية في التحسن النسبي، ومن ثم أخذت تتوالى إنجازاته العِلمية.

2-انجازات ومؤلفات عِلمية: حقق جاليليو إنجازات عِلمية عديدة بدءاً بنظرية تساوي الزمن في ذبذبات البندول، وقانون تزايد سرعة الأجسام المتساقطة، واختراع الميزان الهيدروستاتيكي لقياس الوزن النوعي، واختراع المسطرة الحاسبة، واختراع الترمومتر البارومتري، واختراع التليسكوب الحديث، اكتشاف مجموعة نجوم دي مديتشي. كما أصدر عدة كتب كانت على النحو التالي: رسالة عن الكرة الأرضية وخريطة الكون 1597م، رسول النجوم 1610م، حديث في الأجسام الطافية 1611م، رسائل شمسية 1612م، حديث عن المد والجزر 1616م، المجتهد: حديث المذنبات 1623م، حوار النظامين العظيمين نظام بطليموس ونظام كوبرنيك 1632م، رسالة في الميكانيكا، نُشر بالفرنسية عام 1634م، ثم نشر بالإيطالية عام 1649م، أي بعد وفاته، وأخيراً كتاب حوار العلوم الحديثة المنشور عام 1638م.

3-اللقاء الأول: كان اللقاء الأول بين جاليليو ورجال الكنيسة في إبريل 1611م حينما سافر إلى روما برفقة صديقه الأمير فريدريكو مؤسس "أكاديمية لينيتشي" ليُناقش معهم ما توصل إليه من اكتشافه لبعض النجوم، واكتشافه وجود جبال على سطح القمر. واستقبله الكرادلة بحفاوة بالغة، ثم استقبله البابا بول الخامس نفسه، وبعد استقبال الآباء الجيزويت له اعترفوا في احتفال رسمي بوجود هذه المجموعة من النجوم التي اُطلق عليها "ثريا مديتشي"، لكنهم تحفظوا على باقي استنتاجاته حتى لا يزعزع العِلم الحديث العقيدة الكاثوليكية التقليدية، خاصة وأن من بين هؤلاء الكرادلة الأب بللارمين رئيس محكمة التفتيش التي أدانت برونو. وكان رد جاليليو يتلخص في أن كروية القمر الكاملة ليست سوى مجرد افتراض تقليدي، وفي العِلم لا ينبغي التعويل إلا على ما هو ثابت أو قابل للإثبات. وأن حواسنا قد تُفضي إلى الخطأ ولكن ليس معنى ذلك أن نتخلى عن حواسنا كأدوات للمعرفة، فالمشاهدة والتجربة هما أساس المنهج العِلمي.

4-اللقاء الثاني: كان اللقاء الثاني بين جاليليو ورجال الكنيسة بعد اللقاء الأول بخمس سنوات عام 1614م عندما اتهمه الراهب كاتشيني في كنيسة سانتا ماريا نوفيللا في فلورانسا بالزندقة لأنه كان يتفحص السماء بمنظاره في حين أن إنجيل لوقا استنكر في أهل الجليل الشخوص إلى السماء وقت صعود المسيح، وفي نفس الوقت اتهمه راهب آخر يُدعى نيكولو لوريني بالمروق على الدين ونسب إليه ثلاثة أقوال: الأول قوله بأن الأرض تتحرك بينما السماء ثابتة، والثاني قوله بأن بعض آيات الكتاب المقدس لا تُطابق الحقائق العِلمية، والثالث قوله بأنه عند مناقشة الظاهر الطبيعية لا يجب الرجوع إلى الكتاب المقدس إلا في آخر الأمر. وقرر الفاتيكان إجراء تحقيق سري في الأمر، وتم فحص رسائل جاليليو وجاء بالتقرير أنه وجدت له ثلاثة أخطاء إلا أنها لا ترقى إلى اعتبارها انحراف عن الكاثوليكية. ورغم ذلك طالب الشاكون الاستماع إلى شهادة راهبين ضد جاليليو هما الأب خمنيز، والأب التافنتي وفي 15 نوفمبر 1615م جاءت الشهادتان في صالح جاليليو، وكاد الأمر ينتهي عند هذا الحد. إلا أن جاليليو قرر السفر إلى روما لشرح قضيته أمام البابا وكرادلة روما مما أدى إلى تحالف المعارضين ضده حتى أنهم أحالوا بشكل رسمي إلى علماء اللاهوت قضية أن الشمس هي مركز الكون وبناء عليه فهي لا تتحرك ، وقضية أن الأرض تدور حول نفسها حركة يومية، وفي 24 فبراير 1616م أفاد علماء اللاهوت بأن [ القضية الأولى تنطوي على كفر صريح من حيث تعارضها مع الأفكار الواردة بالكتاب المقدس، وأن القضية الثانية خاطئة من وجهة نظر العقيدة الدينية ]، وفي 5 مارس 1616م صدر قرار تحريم وإدانة نظرية كوبرنيكس وسحب كتبه من التداول حتى يتم تصحيحها، وصدر قرار بتحريم الكتب التي ترددها مع عدم إدانة كاتبيها. مما يعني أن كتب جاليليو الخاصة بالموضوع قد أصبحت مُحرمة مع عدم إدانته شخصياً. وفي 26 فبراير 1616م استدعى الأب بيللارمين رئيس محكمة التفتيش جاليليو في حضور القوميسير البابوي، وطالبه في محضر مكتوب بالتخلي عن نظرياته، والامتناع عن تعلم أو تعليم أو عرض هذه النظريات شفاهة أو كتابة بأي صورة من الصور. ويقول المحضر أن جاليليو وافق على هذه المطالب، ونظراً لأن هذا المحضر غير موقع فقد أثار العديد من الشكوك حول مدى صحته أثناء محاكمة جاليليو الأخيرة.

5-المحاكمة والعقاب: بدأت المشاكل بعد طباعة كتاب "حوار النظامين العظيمين نظام بطليموس ونظام كوبرنيك" حيث اتهم جاسبار بورجيا سفير أسبانيا البابا علناً بأنه يحمي الكفار وبأنه ناقص في غيرته الرسولية لأنه سمح بطباعة مثل هذا الكتاب. وفي 7 أغسطس 1632م صدرت التعليمات إلى قوميسيير التفتيش في فلورانسا بمصادرة الكتاب بهدوء حتى لا يُسارع الناس بإخفائه، إلا أن حاكم توسكانيا احتج على هذا التصرف المُشين لأن هذا الكتاب قدمه المؤلف بنفسه إلى السلطات الدينية التي وافقت بدورها على طبعه، كما أنه يحمل كافة أختام الموافقة بعد إجراء التعديلات المطلوبة. قام الفاتيكان مرة أخرى بإحالة الكتاب إلى لجنة خبراء لتقرر إذا ما كان الكتاب يُحبذ الكوبرنيكية أم لا ؟، رغم المقدمة والخاتمة اللتين تدينان الكوبرنيكية والمطبوعة في الكتاب من إضافات رجال كنيسة روما وليسا من تأليف جاليليو الذي وافق على وضعهما في الكتاب. وفي 20 يناير 1632م سافر جاليليو إلى روما بناء على طلب سلطات التفتيش المركزية، ونزل في ضيافة سفير توسكانيا حتى تضح معالم المحاكمة. وفي 12 إبريل 1633م توجه جاليليو إلى المقر البابوي حيث أحتجز هناك لمدة شهر، وكانت مشكلة الكنيسة أنها كانت قد منحت هذا الكتاب جميع الموافقات المطلوبة للطباعة، ولم تجد الكنيسة حلاً سوى استغلال محضر 26 فبراير 1616م – المشكوك في صحة محتواه وغير الموقع – بين جاليليو والكاردينال بيلامين، حيث اتهمته الكنيسة بخرق التعهد الذي قطعه على نفسه بعدم الدعوة إلى الكوبرنيكية. وبعد جلسات طويلة من التحقيق والمحاكمة نقل في 22 يونيو 1633م إلى القاعة الكبرى في دير الدومينيكان في سانتا ماريا ديلا مينيرفا حيث قرأ عليه "المجمع المقدس" الحكم الصادر ضده والقاضي بمصادرة كتاب "حوار النظامين العظيمين"، والحكم على مؤلفه بالسجن، وقراءة مزامير التوبة السبعة مرة كل أسبوع لمدة ثلاثة شهور. وتم رفض طلب جاليليو في قضاء سجنه في بيته بمدينة ارتشيتري بجوار فلورانسا حتى يُمكن أن ترعاه ابنتاه لظروف الصحية وعُمره المتقدم، وقد رُفض طلبه هذا، واستبدل بحيث يتم تحديد إقامته في توسكانيا بدلاً من روما، وينزل ضيفاً مُحتجزاً في بيت صديقه اسكانيو بيكولوميني كبير أساقفة مدينة سيينا. وتحولت هذه المدينة الصغيرة إلى مزار كبير لجاليليو، وتحول بيت كبير الأساقفة إلى مقر شبه دائم للندوات العِلمية، وبدأت من جديد شكاوى أعداء جاليليو مما دفع البابا إلى الاستجابة لرغبة جاليليو بالانتقال إلى بيته في ارتشيتري في كنف ابنتاه، وكان ذلك في أول ديسمبر 1633م. وهناك ضُرِب حوله الحصار الحقيقي وكانت زيارته تتم بإذن من روما وبصحبة مندوب عن الكنيسة، ورغم كل ذلك تمكن بعد خمس سنوات من إنهاء كتابه في الميكانيكا "حوار العلوم الحديثة"، وتهريبه ونشره في لايدن عام 1638م. وفي عام 1639م فقد جاليليو بصره، وسمحت الكنيسة لعالمين من الشباب هما: فيفاني، وتوريتشيللي بمرافقة جاليليو في أيامه الأخيرة وتسجيل ما يُمليه عليهما من أفكار عِلمية، حتى توفي في 8 يناير 1642م حيث رفضت الكنيسة أن تُقام له مقبرة تذكارية في فلورانسا إلا بعد نحو مائة عام من وفاته، واستمر غضب الكنيسة عليه حتى عام 1757م عندما ألغت الكنيسة قرارها بمنع تعليم الناس نظرية دوران الأرض حول الشمس.

6-نص استنكار جاليليو جاليلي: أنا جاليليو بن منتشنتزيو جاليلي من فلورانسا ، البالغ من العمر سبعين عاماً، الحاضر أمامكم والجاثي في حضرتكم، يا نيافة الكرادلة وقضاة التفتيش العاملين باسم كل العالم المسيحي ضد كل انحرافات الزندقة، وأما عيني الإنجيل المقدس الذي أمسه بكلتا يدي، أقسم بأنني كنت دائماً أُومن، وبأني الآن أومن، وبمعونة الله سوف أومن دائماً بكل ما تقبله الكنيسة الكاثوليكية الرسولية المقدسة، وبكل ما تعظ به، وبكل ما تُعلمه. وهذا المجمع البابوي نفسه سبق أن وجه إلي رسمياً وقانونياً أمراً بالتخلي تماماً عن الرأي الزائف القائل بأن الشمس هي مركز العالم وأنها لا تنتقل من مكانها. وحُظِرَ علي تصديق هذا المذهب الزائف أو الدفاع عنه أو تعليمه بأي صورة من الصور، شفاهة أو كتابة. ورغبة مني في أن أقتلع من أذهان نيافتكم ومن أذهان كل المسيحيين المؤمنين هذه الريبة القوية في عقيدتي، وهي ريبة في موضعها، فإني بقلب صادق وبنية خالصة تماماً، استنكر هذه الأخطاء والزندقات المذكورة، وبوجه عام كل الأخطاء والزندقات والمعتقدات المتعارضة مع الكنيسة المقدسة.
حرر في دير مينيرفا في 22 يونيو 1633م