نماذج من العِلم والاستنارة- (2) جووردانو بونو (1548- 1600م) الدعوة لكوبرنيكوس = الموت حرقاً.

محمد مدحت مصطفى
2017 / 4 / 2

يموج عصر النهضة في أوروبا بتيارات التناقض العنيف بين قديم متخلف يتمسك بأهداب الماضي ويتسلح بكهنوت الدين، وبين حديث متقدم يستشرف المستقبل ويتسلح بمنطق العِلم، وقد استغرق ذلك التناقض العنيف والصراع نحو ثلاثة قرون. كانت البداية للإصلاح من داخل الكنيسة وعلى يد راهب كاثوليكي ومصلح ديني منغلق على نفسه، وفي نفس الوقت معادي للعلم ومنهجه بنفس حماس معاداته لفساد الكنيسة، ومع ذلك كان مصيره الحرق ذلك هو الراهب جيرولامو سافونارولا، وبعدها بمائة عام يأتي مصلح ديني آخر لكنه في هذه المرة رجل مستنير ومؤيد للعلم ومنهجه، ومُعارض للكاثوليكية فكان من الطبيعيى أن يلحق سابقه بالموت حرقاً ذلك هو جوردانو برونو، أما الثالث الذي كان على شفا المحرقة فهو العالم الجليل جاليليو جاليلي، الذي عاصر حرق برونو وحاول أن يجد صيغة يتعايش فيها مع العِلم دون استثارة الكنيسة، فعندما رفع شعار العِلم كان حريصاً أن لا يرفع بجواره شعار معاداة الكنيسة، ورغم ذلك حكمت عليه محكمة التفتيش بالسجن ، وبحرق مؤلفاته التي يؤيد فيها نظرية كوبرنيكس القائلة بدوران الأرض. ثم نأتي لنيكولاس كوبرنيكس الذي أفلت من الموت حرقاً على الرغم من أن هناك من أحرقوا فعلاً بسبب الترويج لآرائه ونظرياته.

1-النشأة والحُلم: بعد إحراق سافونا رولا في فلورانسا عام 1499م، أحرقت الكنيسة الكاثوليكية جوردانو برونو في ميدان الأزهار "كاميو دي فيوري" بروما في 17 فبراير 1600م . بعد أن أدانته محكمة التفتيش بالتهم التالية:
- الزندقة، والردة ، والطعن في العقيدة المسيحية.
- الدعوة لنظرية كوبرنيكس في الفلك التي تتنافى مع حقائق الفلك التي استخلصتها الكنيسة من الكتاب المقدس.
- الاشتغال بالسحِر، والدعوة لسيطرة العِلم على الطبيعة.
التعاون مع ملوك الدول التي تُعادي الكاثوليكية بدعوى الإصلاح الديني.

أما جوردانو برونو فهو مُفكر وفيلسوف وداعية للإصلاح الديني وُلِد بالقرب من نابولي عام 1548م، ثم التحق بدير الدومينيكان عندما بلغ الخامسة عشر، وغادره إلى جينيف ثم إلى تولوز بفرنسا عام 1576م وهو يبلغ من العمر 28 عاماً بعد اتهامه بالزندقة. وأخذ يتنقل بين فرنسا وإنجلترا وألمانيا يحلم بتأسيس دين عالمي يزيل حزازات التعصب بين البشر ويضع حداً للمذابح والحروب الدينية، وكان هذا الدين العالمي عنده هو إحياء الديانة المصرية القديمة في مرحلة تزاوجها مع الفيثاغورسية والأفلوطينية في جامعة الإسكندرية القديمة، وهي ديانة "هرميز المثلث العظمات"، ديانة "العارفين بالله" أو من يُعرفون بالمتصوفة من "الغنوصيين" المؤمنين بحلول الله في الكون، وبوحدة الوجود.
والهرمزية هي عبادة خاصة يتوصل إليها الفلاسفة والنُساك، وقد ازدهرت بتداخل الثقافة اليونانية مع الثقافة المصرية في مدينة الإسكندرية القديمة، وأدت لظهور الأفلاطونية الحديثة التي أسسها أفلوطين (205 – 270م)، وتلميذه يورفربوس (234 – 265م). وهرميز عند أهل اليونان هو رسول الآلهة إلى البشر يُشار إليه بـ "كاتب الآلهة، وإله الكتاب"، وعند أهل مصر هو تحوت أو توت إله الحكمة ومُلهِم الحكماء وتُرجمان السماء لأهل الأرض.

تعرفت أوربا على الهرمزية وفلسفة هرميز المثلث العظمات عام 1460م حينما أحضر أحد الرهبان من مقدونيا نسخة مما يُسمى "متون الهرامزة"، وكان المثقفون الأوربيون يعرفون بوجود هذه النصوص من تاريخ القديس كليمنس السكندري بابا الإسكندرية من 88 إلى 97م الذي وصف فيه مواكب الكهنة المصريين في أواخر أيام مصر الفرعونية بأن المُنشِد على رأس الموكب كان يحمل كتابين من الموسيقى والتراتيل من تأليف هرميز، وأن المُنجّم كان يحمل أربعة كتب من وحي هرميز عن النجوم والتنجيم، وذكر كليمنس السكندري أيضاً أن هناك 42 كتاباً من وحي هرميز المثلث العظمات أو من تأليفه، منها 36 كتاباً تشمل على كل حكمة المصريين، أما الكتب الست الباقية فهي عن الطب. وأن من بين هذه الكتب كتاب أسكولاب أو أسكوليب الشهير بين النصوص الهرمزية. كما أشار كل من الأب لاكتانس (250 – 325م)، والقديس أوغسطين (354 – 430م) في مؤلفاتهم إلى أن هرميز حكيم عظيم أعطى المصريين آدابهم وقوانينهم ، وأنه بمثابة رسول حيث تحدث إليهم عن الإله الأوحد. وعلى الرغم من أن دراسات الأديان حتى الآن تُثبت أن هرميز هو الاسم اليوناني لإله الحكمة تحوت عند قدماء المصريين، فلا يوجد حتى الآن رأي قاطع بما إذا كان هرميز هذا شخصية حقيقية أم شخصية خيالية من وضع الكهنة المصريين.

2-أصل الفكرة: نظرت الصفوة المثقفة في ذلك الوقت إلى المسيحية في على أنها دين العبيد والبسطاء والمُعذبون في الأرض، وعلى أنها ديانة معادية للثقافة والحضارة والفكر والفنون والآداب وكل نشاط دنيوي، فاتجهت هذه الصفوة إلى ابتكار عقائد توفق بين الأخلاق المسيحية وثقافة القدماء، فظهرت العقائد الرواقية والأفلاطونية المسيحية والغنوصية أو العارفين بالله . ويُمكن رد فكرة العقائد الجديدة إلى "وحدة الوجود أو الحلول" في فلسفة أفلوطين التي كانت تطويراً للفيتاغورثية والأفلاطونية، وهما معاً تطوير لأساسيات المثالية في الديانة المصرية القديمة التي تعلمها اليونان من المصريين وفلسفوها وحولوها إلى مقولات تخضع للمنطق والجدل، وأنه بالتأمل الصوفي يُمكن للحكماء أن يقتربوا من مركز ضياء العالم ويحاولون التوحد مع الذات الإلهية وهم من يُطلق عليهم "العارفون بالله".

المشكلة في مذهب الحلول، وفي الاعتقاد بأن الله ليس خارج الكون ولكن داخله وملازم له، هي أنه ينتهي بالاعتقاد بألوهية الإنسان، وبألوهية الكون، وهذا ما دعا برونو أن يتحدث عن الله أو الطبيعة بمعنى واحد، وأطلق على الله أسماء "روح الأرواح" – "حياة الحيوات" – "جوهر الجواهر". كما أنه رفض مبدأ الخلق من العدمْ، وذهب إلى أن الذات الإلهية تتجلى بذاتها في الكون وكائناته، وفي هذا يقول برونو في كتاب عشاء أربعاء الرماد، [ … نحن نقرر المبدأ القائل بعدم البحث عن الألوهية بعيداً عنا ، لأننا نملكها بالقرب منا ، بل نملكها في داخلنا …]. ثم يقول في كتاب الكائن الأعظم اللامعدود واللامحدود، [ … أن هرميز المثلث العظمات وصف الإنسان بأنه المعجزة الكبرى، ولأن أصل الإنسان إلهي ففي استطاعته أن يعود إلهياً كما كان … ]. وهذا جوهر الروح الفاوستية التي تفشت في عصر النهضة فلم يقف الأمر عند استرداد كرامة الإنسان ومجد الإنسان، بل تجاوَز ذلك إلى تألّه الإنسان، وهو الموضوع الذي تناوله أدب عصر النهضة تناولاً مأساوياً. كان برونو يُلقّب نفسه بعاشق الله ولم ينظر إلى نفسه على أنه مُلحِد، بل كان مثل عامة المتصوفة يحاول أن يصل إلى ذات الله ويتواصل معها بالعِشق الإلهي كما يقول المتصوفة. ويقول برونو أن الأفلاك تدور بقوة الحب الإلهي، وأن الكون لا نهائي في الزمان والمكان، وليس محدوداً كما هو عند أرسطو أو فقهاء الكاثوليك في ذلك الزمان، فالأرض عند برونو ليست مركز الكون ولكنها في ركن مهمل منه، وروح الله هي التي تدفع الأجرام السماوية في حركتها الدائبة والكون اللانهائي أجدر بعظمة الله من الكون المحدود. كما أن الكون لا نهائي لأن القوة الإلهية التي خلقته لا نهائية، واللا محدود لا يُخلَق. أما صفات الألوهية فلا خلاف عليها وهي القوة والحكمة والخير، وهي مرادفة للذهن والعقل والحب، وهي تُقابل في اللاهوت الأب والابن والروح القدس. وبالنسبة للصليب المقدس ذكر برونو أمام محكمة التفتيـش [ أن الصليب الذي صُلب عليه المسيح شيء مغاير للصليب الذي نراه على مذبح الكنائس، فهذا الذي نراه هو في حقيقته الصليب المنحوت أو المنقوش على صدر الربة ايزيس في مصر القديمة وأن المسيحيين سلبوه من المصريين، فقداسة هذه العلامة أقدم بكثير من زمن تجسد المسيح ، وأنها كانت معروفة زمن ازدهار الديانة المصرية نحو زمن موسى، وأن هذه العلامة كانت تُربط على صدر أوزيريس أبيس… ]. ويرى لويس عوض [ … أن هذا القول يُجافي الحقيقة التي تقول بأن علامة الصليب تطورت من علامة مفتاح الحياة إلى شكل العلامة الحالية، حيث يوجد في المتحف القبطي المصري صور ورسومات للسنوات الأولى من دخول المسيحية مصر يظهر فيها مفتاح الحياة كرمز مقدس، ثم ظهر بعد ذلك مفتاح الحياة ومرسوم داخل الخية العليا رسم الصليب المألوف، وأخيراً اختفي مفتاح الحياة تماماً وحل محله شكل الصليب المألوف … ].

3-من الحبس إلى الحرق: وفي أغسطس 1591م غُررَ بجوردانو برونو ليعود إلى إيطاليا عندما كان يبلغ من العمر 43 عاماً بدعوة من نبيل اسمه زوان موتشينجو كان عميلاً لسلطات التفتيش، حيث استضافه في بيته وظل يكتب لهذه السلطات تقارير يومية عن برونو الذي شعر بذلك وخطط للهرب إلى فرانكفورت. إلا أن موتشينجو سارع بحبسه وأبلغ السلطات التي قامت باعتقاله يوم 26 مايو 1592م، وأودعته سجن محكمة التفتيش في البندقية، وهناك أبدى استعداده للاستجابة لطلب المحكمة بالتراجع عن آرائه، وتم رفع الأمر إلى محكمة التفتيش المركزية في روما التي كلفت بدورها قس جيزويتي يُدعى روبرتو بيللارمين بتحديد نقاط الزندقة في كتابات برونو، وقام ذلك القس بتحديدها في ثمان نقاط، وعندما اطلع عليها برونو سحب كل تراجعاته التي قدمها في البندقية وأصر على أنه ليس في كتاباته ولا في أقواله أي شيء ينطوي على زندقة واتهم كهنة الفاتيكان بإساءة تأويل هذه الآراء. فصدر عليه الحكم بالإعدام حرقاً، والذي تم تنفيذ الإعدام في "ميدان الزهور" بروما في 17 فبراير 1600م.

4-أهم أعمال برونو:
- في باريس نشر عام 1582م كتاب "ظلال الأفكار" الذي يدعوا فيه إلى الهرمزية المرتبطة بالديانة المصرية القديمة، وكتاب "أغنية كيركية" ويضم تعاويذ سحرية رمزية يعوا من خلالها للإصلاح الديني.
- في إنجلترا نشر كتابه "دوران الأفلاك السماوية" الذي دافع فيه عن نظرية كوبرنيكس القائلة بأن الشمس هي مركز الكون وأن الأرض وباقي النجوم تدور حولها، وذلك على عكس الطرح الكنسي القائل بثبات الأرض ودوران الشمس وباقي النجوم حولها، واستخدم نتائج كوبرنيكس في دعم دعوته الإصلاحية مما أثار الكنيسة ولفت نظرها إلى خطورة نظرية كوبرنيكس وبدأت في محاربتها ومحاربة من يعتنقونها منذ ذلك الوقت ، وقد ظلت نظرية كوبرنيكس في الفلك مجرد معادلات رياضية استغلقت على رجال الدين حتى فجّر برونو مغزاها.
- وفي إنجلترا نشر أيضاً كتاباً عام 1583م من ثلاثة أجزاء "فن الذاكرة – تفسير الأختام الثلاثين – خاتم الأختام" أثار أساتذة جامعة أكسفورد التي كان يُحاضر ويُناظِر فيها وقالوا عنه "إن قولة بدوران الأرض وثبات السماء لا يُفصح إلا عن أن رأسه هو الذي يدور، وأن مخه هو غير ثابت".
- وفي عام 1584م نشر أربع كتب يرد فيها على هجاء أساتذة أكسفورد هي: "عشاء أربعاء الرماد"، "في العِلة والمبدأ الواحد"، "الكون اللا نهائي"، "طرد الوحش المُنتصر" ويقصد بهذا الأخير بابوية روما، وهو كتاب يدعوا بشدة لإحياء ديانة قدماء المصريين في مرحلتها الهرمزية القائمة على وحدة الوجود ونظرية الحلول.
- وفي عام 1585م نشر كتابين عبارة عن نصوص شعرية في الحب الصوفي باسم "الجنون البطولي"، "سِحر بُراق الشِعر".
- ثم عاد إلى باريس ليُصدر بها عام 1586م كتاب "تصوير الفيزيقا لأرسطو"، وثلاث محاورات هي "فابريتزيو مودانتي" مخترع البوصلة، "الأبله منتصراً "، "تفسير الأحلام".
- ثم انتقل إلى ألمانيا ليعمل أستاذاً في جامعة ويتنبرج وهي الجامعة التي تعلم فيها مارتن لوثر مؤسس البروتستانتيه وعمل بها لمدة عامين وينشر عدة أعمال هي : "فلسفة ريموند لولي"، "تقدم المنطق"، "صناعة الخطابة"، "اللا معدود واللا محدود"، "في السِحر"، "حلقات السلسلة"، "التماثل الثلاثون".
- وبعد سيطرة أتباع المُصلح الديني كالفن على الجامعة وانحسار أتباع مارتن لوثر غادر ويتنبرج، وانتقل إلى براج عام 1588م لينشر كتابه "الرد على الرياضيين"، ثم عمل في جامعة هيلمشتاد المُنشأة حديثاً.
- وفي منتصف 1590م انتقل إلى فرانكفورت لينشر بعضاً من أشعاره، وبعدها إلى سويسرا لينشر هناك في عام 1591م كتاب "في تركيب الخيال والإشارات والأفكار".