مسدّسات

حسين سليم
2017 / 4 / 2

صفحات حمراء، كلمات تقطر دما أحمر، تنساب من السطر الأول على التالي، وهذا على الآخر، ومن صفحة إلى أخرى، إلى نهاية الفصل، ومن فصل إلى آخر. أجدني فيه، قد غرقت في بركة من الدم، وحدي أراها قد تسربت إلى أصابعي، يديّ، مرفقيّ، حضني، مبتلا إلى فخذيّ، الساقين، فقدميّ داخل الحذاء. كان يشهر فوهته عليّ كلما قرأت صفحة أو ختمت فصلا، يأمرني أن أعود إلى ما قبل الفصل الأول. وحين أعاند يضع فوهته على صدغي أو هامة رأسي. كان يلاحقني بين طيّات الكتاب، يدفعني من فصل إلى آخر، يحاول ارجاعي إلى الغلاف حيث العنوان. كان الغلاف بألوان مختلفة متداخلة باهتة، لا وضوح فيه، وقبل وصول الغلاف كان قد رماني في المقدمة، كانت الحياة فيها بسيطة. كنت أعمل في بيع وشراء الكتب القديمة والجديدة، في (شارع المتنبي)، منذ زمن الحصار، أواخر القرن الماضي، ومن عشقي لها، كنت ومازلت أحمل معي كتابا انّى حللت، رفيقي الذي لا يفارقني كظلّي، فهو خير جليس وأنيس، يفيد ولا يضر، خصوصا في الازدحامات، وأوقات الانتظار المتنوعة. كنت قد أنهيت قراءة نصف الكتاب من "رحلة مدينة"؛ النصف الذي لم أعشه ، كتاب لم تكتمل فصوله بعد، في كل طبعة يُضاف فصل جديد. وفي أوقات الراحة وقلة الازدحام، أجدها فرصة للقراءة، أحس بمتعة المعرفة. وفي يوم ممطر خلا الشارع من المتسوقين والمثقفين، بقيت وحدي في المكتبة. تراءى لي وأنا أحدق في الكتب المتراصة على الرفوف، وعلى أرضية المكتبة، ماسورات سوداء تبرز من كل كتاب، بعضها قديمة وأخرى حديثة. هرشت رأسي ، رفعت نظارتي عن عينيّ ومسحتمها، لعلني في حلم. نهضت من مكاني لأبعد هذا المنظر من أمامي، أبتعدت من كرسي المكتب ، تقدمت بعض خطوات، رجعت ، استدرت أحدق فيها مرة أخرى، تقدمت نحو باب المكتبة لعل بعض الهواء البارد يصفع وجهي، أخرجت سجارة وأشعلتها حائرا مما أنا فيه، هل هو حلم؟ حقيقة؟ كيف حدث أو يحدث هذا؟ رميت السجارة وعدت حذرا تلفّني الهواجس. نظرت مرّة أخرى ، كانت المسدسات في أوج فوضاها تتحرك وتتقافز بين الكتب، محدثة ضجيجا يشبه صوت اصطدام الحديد، جلست إلى المكتب واضعا رأسي بين راحتي يديّ. لحظات واسندت ظهري إلى الكرسي، تنتابني أسئلة: هل الكتب تتقاتل فيما بينها؟ أعرف إنها تتحاور نحو الأفضل، والمسدسات لا تتحاور، لكن، من أين جاءت كل هذه المسدسات؟ وهل يلتقي الكتاب بالمسدس، يتصاحبان مثلا؟ بدأت أسمع صوت إطلاقات تصفر في رأسي، وبدت لي تمرّ من رفّ إلى رفّ، وأنا وسطها لا أعرف ماذا أفعل. طويت الكتاب ، تركت المكتبة وهربت سريعا إلى البيت .
لم تبدأ رحلة عذابي مع الكتاب إلا في الفصل الأول ، كانت المسدسات قليلة وفيها شيء من الرحمة، لا تطلق إلاّ لسبب وجيه. لكن حين جاء الأجانب إلى المدينة، جلبوا معهم الكثير من المسدسات، ووجدوا فيها مَن يبيع ويشتري، وكثرت عمليات التهريب، وصار حكم الحياة في مدينتنا لمن يمتلك المسدسات الأقوى. انقسم الناس في مواجهتها، بل تصارعوا فيما بينهم. كان كل مسدّس يظن أنه يمتلك الحقيقة التي يجب أن تسود، ومن يومها جرت الدماء في كل أرجاء المدينة، وبعض منّا تعاون مع مسدسات أجنبية لقتل أبناء جلدته. كانت فصول دامية لم نتعلم منها شيئا، والغريب في الفصل السابع عشر، يطالب بعض منها، أهل الضحية بدفع ثمن الطلاقات. كان يرمي إطلاقاته على الكلمات والصفحات التي لا تعجبه، خصوصا في الفصل الرابع عشر، الذي استعدنا فيه شيء من الراحة، عاشت المدنية خلاله بطمأنينة لم تألفها، بدأنا نخرج في الليل حتى الصباح، لم تعجب بعض من أصحاب المسدسات.
في الطريق شاهدت مسدّسات مختلفة الاحجام والصنع، بعض منها قد رأيتها سابقا، أيام الخدمة الإلزامية في الجيش: المسدس العسكري، مكاروف، بيرتيا، والتر، روجر، سوير، جلوك، الثور المنحني، وكولت. تنتشر في الشوارع، في كل زاوية من المدينة، وصار البحث عنها واقتنائها من صفات الشجاعة والرجولة، فيما يوصف كل مَن يحمل كتابا بالميوعة والرومانسية. ماذا يمكن أن يفعله كتاب أمام هذا الكم الهائل، من مسدسات مرئية ولا مرئية؟ كنت خائفا من كل الأشياء التي حولي؛ سيارة مفخخة ، قد تنفجرأي لحظة، عبوة ناسفة داخل سيارة أو شارع، سيطرات وهمية وغير وهمية. ارى وجوه الناس وكأنها تحولت إلى مسدسات تترصدني، وتتربص بعضها بعضا، تخرج الكلمات منها كرصاصات قاتلة، فيما كانت هناك جثث موزعة في أماكن متفرقة، على طول الطريق، مادام القتل على الهوية.
كان المسدس اللامرئي يعطيني استراحة أو أنا استشعرها، حين يكون في فترة تنظيف، يتفكك إلى بضع قطع، يوزعها على فصول لا يحبها، يزيل ما لحق بها، من غبار أو بارود متبقٍ من غزوة ليلة ماضية، مستخدما بعض صفحات لا يرغب فيها، وقليل من الزيت. يقطع صفحة ويلفّها بشكل إصبع ويدفعها في الماسورة، مع قطرات زيت، ويطوي صفحة أخرى على الهيكل، ويلفّ القبضة بورقة، ويدهن أجزاء الرؤية والحركة بصفحات من فصول، طالما كره سماعها أو نشرها، وبعد أن يعيد تركيب نفسه من جديد، يستعد للقيام بواجباته في صولات أخرى. كان يوجه التحذيرات لي خلالها، ويتهمني دائما بالخطورة وإثارة القلاقل. وكانت أولى محاولاته لقتلي في الفصل الثامن، حين أطلق رصاصة، أصابت صدري، نجوت منها بإعجوبة ، بعد إجراء عملية. رحت بعدها لفترة، لا أقرأ في العلن إلا الكتب المسموحة، ليس لها علاقة بالمدينة، وفي السر أقرأ الكتب الممنوعة المستنسخة. كنت أشعر بأمان مؤقت، حين أطويه وأضعه في جيبي ، أخذت قسطا من الراحة، إذ إن غلق الكتاب يعني لا حركة للمسدّس. لكن هناك مسدسات أخرى يخيفها منظر الكتاب وحامله، مسدسات مرئية، منها يرافقني كظلّي في المدينة، كنت أظن أن مسدّس الكتاب ليس له علاقة بهذا. لكن بمرور الوقت، مع ازدياد المسدّسات، عرفت أن لهما علاقة سرية ترتبط بشبكة محلية وعالمية من المسدسات يلتقيان خلف الكواليس في آخر الليل.
ومن الشارع العام، حيث رمتني السيارة، اسرعت إلى البيت، التفت يمنة ويسرة، حذرا من مسدس أو إطلاقة طائشة، أو سيطرة مسدسات وهمية. دخلت الحمّام، وقفت بملابسي تحت الدّش، داعيا الماء يغمرني، يزيل الدم عن ملابسي، حزينا شارد الذهن؛ أحب الكتاب وأكره المسدس، فالكتاب فكرة والمسدس طلقة! الأول يحب الحياة، يهبها الجمال، والثاني يحب السطوة، يريد القتل، هل أحمل كتابا أم مسدسا بعد الآن؟...
2017