من أين أتتْ ظاهرة الدعاة و(الداعيات)؟

طلعت رضوان
2017 / 3 / 31

من أين أتتْ ظاهرة الدعاة و(الداعيات)؟
طلعت رضوان
هل الفن (إثم ومعصية) ويستحق التوبة؟
وكيف تشبيه الجرائم المخلة بالشرف بالفن؟
بعد حرب أكتوبر1973 انتشرتْ 3مظاهرفى وقت مُـتقارب الأولى (الصحوة الإسلامية) الثانية (شركات توظيف- نهب- الأموال) الثالثة (الدعاة الجدد) أى أنّ المظاهرالثلاثة كانت تسيرفى إتجاه واحدهوتعظيم اللغة الدينية لينتكس مجتمعنا المصرى ويرجع للخلف أى للتخلف، وعن الظاهرة الأولى ذكرد. فؤاد زكريا: إنّ أمريكا هى أكثرالمهتمين بتلك الظاهرة التى تسميها ((يقظة إسلامية)) بينما هى فى الواقع ((نوم لايقظة، وموات لابعث)) وأنّ مصطفى محمود كان أحد الذين شاركوا فى تلك الجريمة فى حق شعبنا المصرى، خصوصًـا بعد صدوركتابه (الماركسية والإسلام) الذى مولته السعودية، وهاجم فيه الفكرالماركسى لصالح الدعاية للإسلام، رغم أنه لم يقرأ أصول كتب ماركس، واختتم د. زكريا كتابه بأنْ سأل مصطفى محمود: هل ننتظرمنك كتابـًـا عن (الرأسمالية والإسلام)؟ (الصحوة الإسلامية فى ميزان العقل- دارالفكرالمعاصر- يناير1987- ص13، 222)
أما ظاهرة شركات (نهب الأموال) الشهيرة (بتوظيف الأموال) فقد تسبـّـبتْ فى خراب بيوت آلاف المخدوعين باللغة الدينية، خاصة وقد شارك فيها كبارالشيوخ الذين اكتسبوا شعبية بسبب ظهورهم فى التليفزيون، أمثال الشيخ الشعراوى، وغيره من الذين وردتْ أسماؤهم فى (كشوف البركة) ومعهم بعض الصحفيين، وكانت الحملة ضد البسطاء شديدة القوة، حيث الاعلانات التليفزيونية، ونشرإعلان (على صفحة كاملة) فى الصحف الحكومية، وبه الجملة التالية ((إنّ المرء الذى يزنى بأمه فى الكعبة، أهون عند الله من آكل مال الربا)) وكان الإعلان بين أقواس، ليوحى للقارىء بأنه حديث نبوى أومأثورإسلامى.
أما ظاهرة (الداعيات) فقد جاءتْ بعد انتشارظاهرة (الدعاة الجـُـدد) والتى تبنـّـاها وزيرالأوقاف، حيث أعلن فى شهرمارس91فى صحيفة الأهرام عن فتح باب (معهد الدعاة) أمام ((شباب علماء مصرمن أطباء ومهندسين وصيادلة إلخ فكان تعليق أ. خليل عبدالكريم ((وكأنّ مصرقد تربعتْ على عرش علوم الطب والهندسة والعلوم الطبيعية وعلم الهندسة الوراثية، فيقوم بسحب العلماء من مجالات تخصصهم ليقوموا بمهمة (الدعاة) وإذا كان العكس هوالصحيح، أى أنّ المسألة بين مصروالبلاد التى تــُـعطى كل إهتمامها لتلك العلوم لازالت بعيدة، فإنّ دعوة وزيرالأوقاف ستكون نتيجتها الحتمية هى ((تجريف أرض العلوم الطبيعية فى مصر)) (الأهالى20/3/91)
فإذا كان الأمركذلك أفلايحق القول أنّ النتيجة هى قمة ماتسعى إليه الرأسمالية العالمية حتى تظل هى المُـحتكرة للعلوم الطبيعية، وبالتالى السيطرة على الدول التى تحتقرتلك العلوم كما فعل وزيرالأوقاف؟
ولكن هل توقف الأمرعلى معهد الدعاة والداعيات الذى أنشأه وزيرالأوقاف عام91؟ لقد أصبح هناك أكثرمن معهد وأكثرمن منافس. وعلى سبيل المثال تـمّ افتتاح بعض المعاهد الجديدة لتــُـلائم مستوى أبناءالأثرياء الجـُـدد، مثل الجامعة الأمريكية الإسلامية، والجامعة الإسلامية الأمريكية (لايوجد أى خطأ طباعى، فهما جامعتان تحملان نفس الاسم مع ملاحظة التقديم والتأخيرفى كلمتىْ الإسلامية والأمريكية) وهاتان الجامعتان مسجلتان رسميـًـا فى أمريكا. ووقعتْ كل منهما بروتوكول تعاون مع جامعة الأزهر((وهكذا نجد أننا إزاء جامعة أزهرقطاع خاص، أوجامعة أزهرأمريكية. يستطيع الطالب أنْ يلتحق بها مقابل40دولارًا لكل ساعة دراسة. وستجد فى سجلات الطلاب القدامى أسماء مثل عمروخالد وصفوت حجازى. أما إذا أردتَ أنْ تــُـخمن أسماء نجوم الدعوة الجديدة، فعليك أنْ تبحث فى سجلات الطلاب الجـُـدد الراغبين فى الدراسة فى جامعة الأزهرالأمريكية)) (وائل لطفى: ظاهرة الدعاة الجدد- مكتبة الأسرة- عام2005- ص145، 206)
وفى لقاء المؤلف مع عضوات نادى الروتارى ونوادى الأثرياء الجدد، اكتشف أنّ الكثيرات من الطبيبات والمهندسات تركنَ الطب والهندسة ودخلنَ (معهد الداعيات) وحكتْ له إحداهنّ أنها ظلــّـتْ لسنوات غيرمقتنعة بالحجاب وأنه ليس فريضة، والذى أقنعها بذلك المستشارمحمد سعيد العشماوى فى مجلة روزاليوسف. ولكن بعد أنْ دخلتْ (معهد الداعيات) قالت عن المستشارالعشماوى وأمثاله ((قاتلهم الله)) (ص166)
بعد أنْ تركتْ المهندسات والطبيبات تخصصاتهنّ، انتقلتْ الظاهرة إلى (الفنانات التائبات) اللائى تحولنّ إلى (داعيات) ونقل التليفزيون (الحكومى والخاص) بعض الحلقات وهنّ يـُـقـدّمن (محاضراتهنّ) عن (التقوى) و(الهداية) التى نزلتْ عليهنّ بعد أنْ (عرفنَ حقيقية الإسلام) وبالتالى (عرفنَ طريقة التوبة) والبـُـعد (عن الفن) و(عن طريق الضلال) و(الغواية) إلخ.
وكانت تلك (الفنانات) اللائى تحولنَ إلى (داعيات) يظهرنّ بأغلى أنواع الأقمشة وعلى وجوههنّ مساحيق التجميل، وعلى رؤوسهنّ ما يـُـغطى شعورهنّ بأحدث أنواع (ماركات الحجاب الإسلامى)
فهل تلك (الهداية) نزلتْ عليهنّ (من السماء) وفجأة وبدون أى عوامل خارجية؟ فى تلك الفترة نشرتْ بعض الصحف الكثيرمن الأخبارعن اتصال بعض عتاة الأصوليين ببعض الفنانات لإقناعهن باعتزال الفن (مع التخويف بنارالآخرة والوعد بنعيم الجنة) وكان من بين الأسماء الشهيرة اسم الشيخ الشعرواى الذى نجح فى إقناع عدد كبيرمن (الفنانات التائبات) وفشل مع بعضهنّ مثل الفنانة المحترمة (فاتن حمامة) التى رفضتْ عرضه مقابل خمسة مليون جنيه، كما ذكرلى صديق يعمل فى الوسط الفنى وأثق فى كلامه.
فهل الفن (إثم ومعصية) تستحق (التوبة)؟ وهل الفن مثله مثل جرائم الرشوة والتزوير، واستغلال النفوذ ونهب الأموال العامة، أوتجارة المخدرات أوالتجارة فى السلع المغشوشة التى تسببتْ فى موت البعض؟ فإذا كانت تلك الجرائم مُـدانة (أخلاقيـًـا) و(إنسانيـًـا) وأنّ من (يعتزلها) ينطبق عليه لفظ (التوبة) فكيف تـمّ تشبيها بالفن؟ والدرس هوأنّ الأصوليين نجحوا فى تحقيق هدفين الأول: الدعاية الفجة للإسلام والثانى تشويه الفن. وقد قرأتُ أنّ 15فنانة خلعنَ الحجاب مع ذكرأسمائهن بالتفصيل. وإحداهنّ قالت إنّ السبب تساقط شعرها بسبب الحجاب (وهذه حقيقة علمية) أما (حنان ترك) فقد خلعتْ الحجاب لسبب براجماتى حيث اشترط عليها المنتج والمخرج خلع الحجاب لاستكمال تصويربعض مشاهد الفيلم الذى سبق أنْ تعاقدتْ عليه (المصرى اليوم لايت- 23يناير2017)
000
هامش: د. فؤاد زكريا (1927- 2010)مفكرمصرى- رئيس قسم الفلسفة بجامعة عين شمس وجامعة الكويت. رأس تحريرمجلة الفكرالمعاصر، وتراث الإنسانية. ومستشارالثقافة والعلوم باليونسكو. من كتبه (مشكلات الثقافة والفكر) (اسبينوزا) (التفكيرالعلمى) (كم عمرالغضب؟) الذى ردّ فيه على كتاب هيكل (خريف الغضب)
***