رؤية في مقال لينين حول -حرب الأنصار-.

محمد مدحت مصطفى
2017 / 3 / 31

للإستفادة من هذه الكلاسيكيات يجب أن نضع في الإعتبار ظروف المكان والزمان الذي كُتيت فيه.

يناقش لينين في هذا المقال – الذي نشر في «بروليتاري»، العدد 5، 30 سبتمبر 1906 - مدى صواب استخدام العنف في النضال من أجل تحقيق الثورة الإشتراكية، وكتبه بعد قيام مجموعات كبيرة العدد صغيرة الأعضاء غير منتمية إلى تنظيمات محددة بعدد من العمليات المسلحة ضد قوات من الجيش والبوليس القيصري، وكبار مُلاَك الأراضي الزراعية، ورموز الفاسدين في الحكومة الروسية خلال الفترة من نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، أطلق على عمليات هذه المجموعات إسم"حرب الأنصار".


قام جدل واسع حول مدى أهمية هذه الأعمال وهل هي مفيدة أم ضارة بمسار الثورة. وهل هناك أشكال محددة للنضال يجب أن يلتزم بها الثوار. في هذا الصدد قال لينين أنه توجد أشكال عديدة للنضال، كما توجد أشكال أخرى لم نكتشفها بعد، تظهر بصورة عفوية أثناء مسيرة النضال خاصة مع تفاقم المشاكل الاقتصادية والسياسية، لذلك يجب الانتباه لما تتوصل إليه الجماهير ونتعلم منها.
أشكال النضال السائدة
في ذلك الوقت كان أنصار الاشتراكية-الديمقراطية هم الأكثر عددا ويتصدرون المشهد النضالي وكانت تعتبر البرلمانية والحركة النقابية بمثابة الشكل الأساسي للنضال، وكانوا فيما مضى يقرون بالثورة، وهم مستعدون كل الاستعداد للإقرار بها مرة ثانية في المستقبل عند تغير الأوضاع، كما أن الإضراب العام لجأ إليه الاشتركيون الديمقراطيون كما لجأ إليه الشيوعيون أيضاً، كما قبل الاشتراكيون الديمقراطيون معارك متاريس الشوارع. وإذا حاولنا رصد أشكال النضال خلال تلك الفترة نجد أنها تجسدت في:
أ‌- إضرابات الاقتصادية التي يقوم بها العمال.
ب‌-المظاهرات السياسية التي يقوم بها العمال والطلاب.
ت‌-الانتفاضات الفلاحية.
ث‌-الإضرابات السياسية الجماهيرية المنسقة مع التظاهرات.
ج‌- الإضراب السياسي العام في روسيا كلها.
ح‌- معارك متاريس في بعض الأماكن.
خ‌- نضال متاريس واسع النطاق وانتفاضة مسلحة.
د‌- نضال برلماني سلمي.
ذ‌- تمردات جزئية في الجيش.
ر‌- انتفاضات فلاحين جزئية.

النضال المسلح إذاً يخوضه الأفراد وتخوضه جماعات صغيرة من الأفراد، قسم منهم ينتسب إلى منظمات ثورية و قسم آخر لا ينتسب إلى أية منظمة ثورية. النضال المسلح يوجه إلى هدفين، الأول إغتيال أشخاص منفردين من رؤساء ومرءوسي البوليس والجيش. والثاني الاستيلاء على أموال الحكومة والأفراد بشرط أن يتم توجيهها لشراء الأسلحة والتجهيزات اللازمة للإنتفاضة، وإعالة أسر المناضلين، وتلبية احتياجات الحزب. المصادرات الضخمة توجه لسد حاجات الأحزاب الثورية؛ أما المصادرات الصغيرة فتوجه لتلبية الاحتياجات اليومية.
أدوات السلطة ضد الإنتفاضة
كان ذلك هو الوضع في خريف 1906 من ناحية أشكال النضال بوجه عام. وكان تضخم الأزمة السياسية واشتداد البؤس والمجاعة، وانتشار البطالة في الريف والمدن من الأسباب الرئيسية التي دفعت العناصر التي فقدت أساسها الطبقي من السكان، أي الغوغاء والجماعات الفوضوية إلى انتهاج حرب الأنصار. أما أدوات المواجهة التي اتخذتها السلطة بالتعاون مع العصابات المُنظمة فكان المذابح الجماعية لليهود والطلاب الثوريين والعمال الواعين. وكانت أعمال العنف التي ترتكبها العصابات المنظمة أكثر قسوة وأشد تنظيماً من تلك التي تقترفها القوات المسلحة والتي استخدمت فيها المدفعية لتدمير القرى. بالإضافة لإعلان الأحكام العرفية، وتعبئة المزيد من القوات.
الفرق بين حرب الأنصار وبين فوضى الإرهاب
وكان التقييم الشائع لهذا النضال أنه فوضوية ومجرد أعمال قام بها أفراد منفصلون عن الجماهير وتفسد معنويات العمال، وتصرف عنهم عطف الفئات الواسعة من الأهالي، و تشوش تنظيم الحركة، وتسيء للثورة. فكان هؤلاء يقومون ينشر لوائح الجواسيس الذين يترتب على كل إنسان شريف إعدامهم، وأن الذين يتعاونون مع البوليس هم «أعداء الثورة» ويحق إعدامهم هذا مع مصادرة جميع أملاكهم. أيضا كانوا يأمرون السكان بعدم دفع الأموال للحزب للبلاشفة إلا لقاء ايصال يحمل خاتم الحزب. كل هذا سبب غضباً وسخطا، فلا يستطيع أحد أن يصف البلاشفة بالفوضوية والإرهاب. ومن هنا إذا كان يمكن النظر إلى حرب الأنصار القديمة أنها متعلقة بتفاقم الأزمة الاقتصادية والسياسية على حد سواء فإن السلطات كانت ترى أن القضية قضية مجموعة من المثقفين المتآمرين. أما اليوم فإن نضال الأنصار يقوم به في الغالب الأعم عاملين بؤساء أو عاطلين عن العمل، لذا يجب التفرقة بين حروب الأنصار وفوضى الإرهابلأن ذلك يتشوش حركة العمال الاشتراكية الديمقراطية.
كيفية تشويه الحركة الثورية
إن ما يشوش الحركة الثورية ليس عمليات الأنصار، بل ضعف حزب عاجز عن أن يأخذ بيده هذه العمليات. فإذا كنا عاجزين عن فهم الظروف التاريخية التي تولد هذا النضال فإننا نصبج عاجزون أيضا عن شل آثاره السلبية. فحين نتشكى من حرب الأنصار، فإنما نتشكى من ضعف حزبنا في قضية الانتفاضة الشعبية. يجب أن نعلم أنه في بعض مراحل الأزمات الاقتصادية والسياسية الحادة يتحول النضال الطبقي إلى حرب أهلية حقيقية، أي إلى نضال مسلح بين قسمين من الشعب. في مثل هذه المراحل، يجب على الماركسي أن يقف إلى جانب الحرب الأهلية. لأن كل شجب معنوي لها يُعتبر غير مقبول إطلاقا من وجهة النظر الماركسية. في مرحلة الحرب الأهلية يجب أن يكون حزب البروليتاريا حزبا كفاحيا، ذلك أمر لا جدل فيه إطلاقا. فهذا الشكل من الحرب الأهلية هو شكل نضالي جديد ينطوي على مخاطر جديدة وضحايا جدد.
ماذا نفعل تجاه العاطلين والعمالة الرثة
حين أرى اشتراكيين-ديمقراطيين يعلنون بزهو واعتداد: نحن لسنا فوضويين ولا سراقين ولانهابين، نحن فوق كل هذا، لذا نحن ننبذ حرب الأنصار، فإني أتساءل ما إذا كان هؤلاء القوم يفهمون ما يقولون. ففي عموم البلاد، تجري المناوشات والمعارك بين الحكومة والأهالي، فيكون رد فعل الأهالي على شكل مناوشات وهجمات مسلحة، ويتم ذلك بصورة عفوية وغير منظمة، لذلك غالبا ما تكون غير ماهرة ورديئة. ونعجز نحن عن حماية العمال والمناضلين العفويين.
يقولون لنا إن حرب الأنصار تقرب البروليتاريا الواعية من السكارى المنحلين ومن سفلة الناس والغوغاء، وهذا صحيح. لكن الاستنتاج الوحيد الواجب استخلاصه من ذلك هو أنه ينبغي لحزب البروليتاريا ألا يعتبر أبدا حرب الأنصار الوسيلة الوحيدة أو حتى الوسيلة الرئيسية للنضال؛ وإنه ينبغي دعمها بتأثير من الأفكار الاشتراكية والتنظيم الجيد، فإذا لم يتحقق هذا الشرط فإن جميع وسائل النضال بلا استثناء، تقرب البروليتاريا من شتى الفئات غير البروليتاريا القائمة فوقها وتحتها، فيدب فها التلف وتتشوه. إذ تُرِكت هذه الأحداث لمجرى الأمور العفوي فإن الإضرابات، تنحط إلى اتفاقات بين العمال وأرباب العمل على حساب المستهلكين. و يغدو البرلمان بيتا للدعارة تتاجر فيه عصابة من الساسة البورجوازيين، بشعارات «الحريات العامة»، و«الليبرالية»، و«الديمقراطية»، والنزعة الجمهورية، والعداء لرجال الدين والاشتراكية معاً، وتنحط الصحافة وتُصبح قوادة، تؤدي إلى إفساد الجماهير، وتتملق بفظاظة الغرائز المنحطة لدى الغوغاء. إن الاشتراكية-الديمقراطية لا تملك وسائل نضالية شاملة قادرة على أن تفصل البروليتاريا عن الفئات القائمة فوقها أو تحتها. إن الاشتراكية-الديمقراطية تستخدم أشكال مختلفة للنضال وفقا للظروف التي تواجه بها، تبعا للأزمنة، وتخضع هذه الأشكال دائما لشروط فكرية وتنظيمية محددة تحديدا دقيقا.
الأشكال المتعددة للنضال في الثورة الروسية
إن أشكال النضال في الثورة الروسية متنوعة فوق العادة حين تقارن بأشكال النضال التي طبقتها الثورات البورجوازية في أوربا. إن تطور هذا الشكل الأولي من النضال في روسيا هو بلا ريب، أكثر اتساعا مما كانت عليه في الثورات البورجوازية الغربية. إن أعداء ثورتنا بين صفوف الشعب قليلو العدد، ولكنهم ينتظمون أكثر فأكثر بقدر ما يتصاعد النضال، وهم يحظون بتأييد الفئات الرجعية من البورجوازية. و لذا كان من الطبيعي في هذه المرحلة ألا ترتدي الإنتفاضة الشكل القديم، شكل الأعمال المنفردة المحدودة بفترة وجيزة جدا من الزمن وبمساحة صغيرة جدا من أرض الوطن. ومن الطبيعي أن تكتسب الإنتفاضة أشكالا عليا وأكثر تعقيدا تتمثل في حرب أهلية متواصلة، تشمل البلاد بأسرها، أي أشكال نضال مسلح بين قسمين من الشعب. ليس بالإمكان تصور حرب من هذا النوع إلا بسلسلة من معارك كبيرة قليلة العدد، تفصل بينها فترات طويلة نسبيا تقع خلالها مناوشات صغيرة لا حصر لها.فما دامت الحال على هذا النحو فإنه يترتب على الاشتراكية –الديمقراطية إطلاقا أن تأخذ على عاتقها مهمة إنشاء منظمات تكون قادرة على قيادة الجماهير في هذه المعارك الكبيرة وفي هذه المناوشات الصغيرة. ففي مرحلة يتفاقم فيها النضال الطبقي حتى درجة الحرب الأهلية، يترتب على الاشتراكية الديمقراطية أن تشترك في هذه الحرب الأهلية، و ليس هذا وحسب، بل يترتب عليها أيضا أن تضطلع بدور قيادي فيها. ينبغي على الاشتراكية الديمقراطية أن تربي منظماتها و تهيئها، لكي تبرز فعلا طرفا محاربا لا يهمل أية مناسبة لإنزال الخسائر بالعدو. إنها، بالطبع، مهمة صعبة ولا يمكن القيام بها دفعة واحدة. و كما أن الشعب بأسره يربي نفسه من جديد إبان الحرب الأهلية و يتعلم في غمرة النضال، كذلك ينبغي تربية منظماتنا و إعادة تنظيمها. و نحن لا ندعي أبدا بفرض شكل نضال من جعبتنا على المناضلين، ولا أن نحل من برجنا العاجي مسألة دور هذا الشكل أو ذاك من حرب الأنصار في مجرى الحرب الأهلية العام في روسيا. لكن مهمتنا تكون في المساهمة قدر قوانا في إبداء تقدير نظري صحيح لأشكال النضال الجديدة التي فرضتها الحياة؛ كما تقوم أيضا في الكفاح بلا هوادة ضد الصيغ الجاهزة والأوهام التي تمنع العمال الواعين من وضع هذه القضية الجديدة الصعبة بصورة صحيحة ومن إيجاد السبيل الصحيح لحلها.


الموقف الصريح للبلاشفة من حرب الأنصار
غالبا ما يُتهم البلاشفة بأنهم يتخذون موقفا متحزبا لا تبصر فيه من أعمال الأنصار ولذا ليس من نافل القول أن نذكر بمشروع القرار حول نشاط الأنصار وتقرير لينين حول المؤتمر، بأن هناك قسم من البلاشفة ممن يدافع عن نشاط الأنصار قد أعلن فيهما أنه يقر به بالشروط التالية: كانت مصادرات الأملاك الخاصة ممنوعة تماما؛ لم يكن موصى بمصادرة أموال الدولة بل كان مسموحا بها فقط شرط رقابة الحزب و تخصيص هذه الموارد لحاجات الانتفاضة. أما أعمال الأنصار التي تتخذ شكل أعمال إرهابية فقد كان موصى بها ضد مقترفي أعمال العنف من المتسلمين لزمام الحكم. بشرط أخذ الحالة الفكرية لدى الجماهير الواسعة بالحسبان؛ وأخذ ظروف الحركة العمالية المحلية بعين الاعتبار؛ مع الاهتمام بألا تتبدد قوى البروليتاريا عبثا. إن الشيء الوحيد الذي يميز عمليا هذا المشروع عن القرار الذي وافق عليه مؤتمر التوحيد، هو أن القرار لا يقر بمصادرة أموال الدولة.
ملخص
تتسم مقالة لينين «حرب الأنصار» بأهمية كبيرة بالنسبة للحركة العمالية العالمية، بالنسبة للأحزاب البروليتارية المناضلة من أجل الاستقلال الوطني و الديمقراطية.ففي هذه المقالة حلل لينين تجربة الثورة في روسيا و دعم مختلف أشكال الحركة الثورية-من إضرابات العمال الاقتصادية المتفرقة إلى الإضراب السياسي في عموم روسيا، من النضال البرلماني السياسي إلى الانتفاضة المسلحة الجماهيرية. و قد صاغ لينين في هذه المقالة موضوعات بالغة الأهمية يجب أن يستهدي بها كل ماركسي لدن دراسة مسألة أشكال النضال الثوري، وبين أن الماركسية لا تفرض على الحركة الثورية شكلا واحدا معينا من النضال، بل تعترف بشتى أشكال النضال التي يتحدد تنوعها بنمو الحركة الثورية ووعي الجماهير السياسي وتأزم الوضع الاقتصادي والسياسي. وعرض لينين الموضوعة الماركسية الهامة القائلة بضرورة الطريقة التاريخية الملموسة في دراسة مسألة أشكال النضال. و نظرا لذلك،أعطى تحليلا عميقا لحرب الأنصار، بوصفها أحد أشكال نضال البروليتاريا المسلح. ولكنه حذر في الوقت نفسه بأن حزب البروليتاريا لا يستطيع أبدا أن يعتبر حرب الأنصار الوسيلة الوحيدة أو الوسيلة الرئيسية من وسائل النضال الأخرى. وانتقد لينين بصرامة موقف المناشفة من حرب الأنصار، لأنهم قالوا مثلهم مثل الانتهازيين الأوربيين الغربيين، إن الحرب الأنصارية الثورية تعني الفوضوية والإرهاب وأعمالا يقوم بها أفراد منفردون،منفصلون عن الجماهير. وأكد لينين أن حرب الأنصار لا تمت بأي صلة إلى الإرهاب، وأن الذين يقومون بها ليسوا مثقفين متآمرين، بل عمال منظمون مقاتلون.