الجرح النازف: معاناة أهلنا بالموصل!

كاظم حبيب
2017 / 3 / 31

كل بلدة وقرية وبيت يتم انتزاعها من براثن عصابات داعش يسجل نصراً أكيداً لأهلنا بالموصل ولشعبنا بالعراق، إلا أن تحرير كل شبر من هذه الأرض الطيبة وأهلها الكرام تكلف الشعب العراقي عشرات الشهداء والجرحى والمعوقين والمزيد من الخسائر المادية، بما في ذلك دور السكن ومحلات العمل والبنى التحتية والكنائس والمساجد ودور عبادة أخرى، ودمار شامل. إضافة إلى ما يقترن بكل ذلك من نزوح مرعب ومحفوف بمخاطر الموت برصاص قناصة داعش الأوباش، أو انفجار الألغام التي زرعوها، أو القنابل التي تتساقط يومياً على رؤوس الناس في طريق نزوحهم إلى المناطق الأمنة بعيداً عن جبهات القتال ضد عدو مستهتر ويعيش هستيريا الخسائر الفادحة والهروب المتواصل لمجرميه من ساحات القتال.
وإذا كان القتال في الجولات الأولى قد تحقق بنجاح وبسرعة نسبية مع ضحايا كثيرة، فأن الجانب الأيمن من الموصل، حيث المدينة القديمة وحيث الشوارع والأزقة الضيقة والدور المليئة بالسكان، لاسيما النساء والأطفال والمرضى والعجزة، حيث يستخدمهم التنظيم الإجرامي كدروع بشرية للبقاء والمقاومة أطول فترة ممكنة أمام زحف القوات المسلحة العراقية ضد مواقعه وتطهير الأرض الطيبة من رجسه ودنسه وإجرامه. فالضحايا البشرية من شهداء وجرحى ومعوقين بين صفوف المدنيين والمقاتلين الشجعان هنا مضاعفة، كما إن الخسائر المادية أكبر بكثير من السابق، والتقدم بطيء ومليء بالمخاطر لأهلنا وأحبتنا، للمواطنات والمواطنين بالموصل وللقوات المسلحة العراقية.
ومما يزيد من فداحة الخسائر تلك الأخطاء التي يمكن أن ترتكب عبر ما يطلق عليه بـ "نيران صديقة"، تلك الصواريخ والقنابل التي يمكن أن تسقط على رؤوس المواطنات والمواطنين ومن مختلف الأعمار وتقتل المئات منهم، في حين كان المقصود بذلك أوباش داعش. وليس هناك من يستطيع أن يؤكد صواب هذا الادعاء بأنها "نيران صديقة" أم إنها استخدمت من جانب قوى أخرى في الجماعات الصديقة لتلحق الضرر بأهل الموصل. لا يمكن أن يؤكد هذا الأمر أو ذاك ما لم يجرِ تحقيق جدي وأمين من جهة مستقلة وبحيادية عالية لمعرفة حقيقة ما حصل في شمال الموصل حيث تحدثت الأخبار عن سقوط أكثر من 300 إنسان نتيجة توجيه ضربات صاروخية جوية مميتة ومدمرة من طيران التحالف الدولي على حي ودور سكنية بمدينة الموصل، علماً بأن الناطق الرسمي لقوات التحالف أشار إلى "احتمال!" أن تكون الضربات قد جاءت من طيران التحالف الدولي!
إن أهل الموصل الكرام يواجهون اليوم إرهاب داعش حيث يتعرضون للموت على أيديهم لأسباب كثيرة، بما في ذلك محاولتهم الهروب والنجاة بالنفس، وكذلك نتيجة استخدامهم دروعاً بشرية من قبل مجرمي داعش، إضافة إلى الجوع والحرمان والمرض والعيش في رعب دائم. إن هذا الواقع في الوقت الذي يتطلب التعجيل بإنهاء احتلال الأرض وتحرير أهل الموصل من سجن داعش الكبير، يستوجب في الوقت ذاته الحذر والتيقن من تلك الضربات التي تسمى "ذكية" والتي يمكن أن تخطئ الهدف أولاً، أو من أولئك الذين ما زالوا يتسمون بالطائفة الدنيئة التي يمكن أن تدفع بهم لإيذاء أهل الموصل بشتى الطرق، تماماً كما فعل سيدهم الذي علمهم السحر، رئيس الوزراء السابق المسؤول، مع رهطه، عن احتلال الموصل وبقية محافظة نينوى وغيرها من مدن غرب بغداد والعواقب التي تحملها الشعب من جراء ذلك.
إن تحرير الموصل وبقية الأراضي الخاضعة لعصابات داعش يجب أن تشهد محاسبة جادة وحقيقية لمن عرض أهل الموصل ونينوى لتلك الكوارث المريعة والإبادة الجماعية والأسر والسبي والاغتصاب والقتل والتشريد والنزوح والهجرة التي تعرض لها بنات وأبناء وطننا المستباح بالإرهاب والدواعش الأوباش والطائفية المقيتة من مسيحيين وإيزيديين وشبك وتركمان والعرب من أهل الموصل الآخرين. إن الشعب العراقي يمهل ولا يهمل، وسيعاقب من يحاول تجنب محاسبة المسؤولين عن كل ما حصل بالعراق خلال السنوات المنصرمة، ولأي سبب كان. وإن الشعب سيجبر الحكام والقضاء العراقي على ذلك، ما لم تمارس المحاكم العراقية، التي ما زالت سجينة الإرادة السياسية لمن هم ما زالوا في مؤسسات وأجهزة الدولة العراقية، دورها في محاسبة هؤلاء المسؤولين. وسيبقى الجرح مفتوحاً ونازفاً إلى أن تتم محاسبة أولئك الذين اغتصبوا العراق وأذلوه وفتحوا أبوابه لهؤلاء القتلة أتباع داعش.