هل أقر الإسلام حرية العقيدة ؟

طلعت رضوان
2017 / 3 / 30

هل أقرّ الإسلام حرية العقيدة؟
طلعت رضوان
ما مغزى تطابق تيار(يسارالإسلام) مع الأزهر؟
ما مغزى آية ((تــُـقاتلونهم أويـُـسلمون))؟
يـُـدافع أصحاب مدرسة (الوسطية فى الإسلام) عن أنّ الإسلام أقرّحرية العقيدة، ويستشهدون بسورة (الكافرون) التى نصّتْ على ((قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ماتعبدون، ولا أنا عابد ما عبدتم.. إلى لكم دينكم ولى دين)) ولكنهم يتجاهلون باب أسباب النزول، حيث ورد فى معظم كتب تفسيرالقرآن أنها ((نزلتْ لما قال رهط من المشركين لرسول الله: تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة)) (تفسيرالجلاليْن- شركة الشمرلى للطبع والنشر- بتصريح من مشيخة الأزهربرقم330بتاريخ15/7/1979) ويستشهدون بآية ((فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)) (الكهف/29) ولكنهم- أيضـًـا- يتجاهلون أسباب نزولها، وأنّ صياغتها جاءتْ لتهديد (الكفار) والدليل على ذلك أنّ الجملة التالية مباشرة نصـّـتْ على ((إنــّـا أعتدنا (أى أعددنا) للظالمين نارًا..إلى وإنْ يستغيثوا يـُـغاثوا بماء كالمهل يشوى الوجوه)) (تفسيرالجلاليْن- مصدرسابق لتفسيرسورة الكهف) وأصحاب هذه المدرسة أطلقوا على أنفسهم (يسارالإسلام) وهى المدرسة التى تتشابه مع المؤسسة الدينية الرسمية، وكان آخرتصريح لشيخ الأزهر(د. أحمد الطيب) فى هذا الشأن أثناء لقائه بوفد برلمانى كندى برئاسة روبرت أوليفانت (رئيس لجنة الأمن القومى بمجلس العموم الكندى) فى هذا اللقاء قال شيخ الأزهر((إنّ الإسلام كفل للإنسان حرية اختيارمُـعتقده)) وأضاف أنّ الأزهرأصدر(وثيقة حرية الاعتقاد)
وعندما قرأتُ الوثيقة التى أشارإليها فضيلته وجدتُ فيها فى البند الأول منها أنّ ((حرية الاعتقاد مكفولة بثوابت النصوص الدينية القطعية)) مع الاستشهاد بآية ((فمن شاء فيؤمن ومن شاء فليكفر)) دون ذكرأسباب نزولها (كما هوموضح بعاليه) وكذلك استشهد كاتب الوثيقة بآية ((لا إكراه فى الدين)) (البقرة/256) مع التجاهل التام لأسباب نزولها، حيث ((نزلتْ فيمن كان له من الأنصارأولاد أراد أنْ يـُـكرههم على الإسلام. ونزلتْ فى رجل يـُـدعى أبوالحصين، كان له ابنان تنصرا قبل البعثة النبوية، ثـمّ قدما إلى المدينة، فلقيهما أبوهما، وأحبّ أنْ يـُـكرههما على الإسلام، فترافعا إلى النبى، فلنزلتْ الآية. وهذه الآية يـُـحتمل أنها منسوخة بآية القتال، أوأنها خاصة بمن يدفع الجزية من أهل الكتاب)) (تفسيرالجلاليْن- لسورة البقرة- مصدرسابق)
والمستخلص من كتب تفسيرالقرآن، أنّ هذه الآية كانت لها خصوصيتها، وبالتالى لاينطبق عليها (التعميم) لكل زمان، أى أنها عالجتْ مناسبة مُـحـدّدة، خاصة وقد ذكرالمفسرون أنها (منسوخة) بآية القتال، أوأنها خاصة بمن يدفع الجزية من أهل الكتاب. وكل ذلك يؤكد أنها لم تـُـقرحرية الاعتقاد بشكل مطلق. وخاصة- ثانيـًـا- أنها تتعارض مع أيات كثيرة تنفى حرية الاعتقاد مثل ((إنّ الدين عند الله الإسلام)) و((من يبتغ غيرالإسلام دينــًـا فلن يقبل منه وهوفى الآخرة من الخاسرين)) (آل عمران/19، 85) بل إنّ القرآن صريح ومحدد ومباشرفى عدم الاختلاف مع الإسلام ومن ذلك (قل يا أهل الكتاب لمَ تكفرون بآيات الله) (آل عمران/98) فاعتبرمن لايوافق على ما جاء فى القرآن من (الكفار) وتأكد ذلك أكثرفى آية ((يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفاروليجدوا فيكم غلظة)) (التوبة/123) ولكى يتم النصرالنهائى على (الكفار) جاءتْ آية حاسمة نصّـتْ على ((فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق..إلخ)) (سورة محمد/4) والمعروفة باسم سورة القتال أومحمد (تفسيرالجلاليْن- مصدرسابق) والأكثردلالة ما ورد فى آية ((قل للمخالفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد تقاتلونهم أويسلمون)) (الفتح/16) فهل الموقف الذى تعرّض له (الأعرب) يتفق مع (حرية الاعتقاد) وقد أجبرهم النص على الاختياربين القتال أوالإسلام؟
أما من أطلق القرآن عليهم تعبير(أهل الكتاب) فلم يترك لهم (الاعتقاد) بما يؤمنون به (بغض النظرعن مغزى هذا الاعتقاد) فجاء القرآن صريحـًـا فى (تكفيرهم) مع القدرة على هلاك المسيح ابن مريم وأمه (المائدة/17، 72) أما من أطلق القرآن عليهم (مشركين) فقد عالجتهم آية (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد)) (التوبة/5) وعن هذه الآية كتب أ. خليل عبدالكريم أنها معروفة بآية السيف، والتى يرى كثيرمن ثقاة مفسرى القرآن أنها جبـّـتْ آيات الصفح والغفران والعفو، وأنّ القتل يتعين أنْ يلحق حتى بمن وقع أسيرًا فى أيدى المسلمين، والشق الأخيرطبقه محمد بن عبدالوهاب فى الجزيرة العربية، فكان يأمربقتل الأسرى حتى ولوكانوا مسلمين، ماداموا لم يتابعوه على رأيه. وعمومًـا فإنّ هذا التفسيرلآية السيف هوالذى تتبناه الجماعات الأصولية الإسلامية فى الجزائرومصر)) (الإسلام بين الدولة الدينية والدولة المدنية- سينا للنشر- عام1995- ص53)
وذكربرهان الدين الحلبى، عن فلان عن فلان أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((من سمع بى من يهودى أونصرانى ثم لم يُسلم دخل النار، أى يجب عليه أنْ يؤمن بما أقول. والذى نفس محمد بيده لايسمع بى أحد من هذه الأمة من يهودى أونصرانى ثم يموت ولم يؤمن بالذى أرسلتُ به، إلاّكان من أصحاب النار)) (السيرة الحلبية- المكتبة الإسلامية بلبنان- ص233)
وذكرابن الأثيرأنّ (أهل الكتاب) كانوا يـُـعاملون (فى صدرالإسلام) معاملة الموالى أى العبيد وضرب مثالا بما حدث مع شخص قبطى اسمه (أسلم أبورافع) الذى كان مملوكــًـا للعباس ثم وهبه للنبى. وقيل كان مولى لسعيد بن العاص فورثه بنوه- وهم ثمانية- فأعتقوه كلهم إلاّخالدًا، فإنه تمسك بنصيبه منه، فكلمه رسول الله ليعتق نصيبه أويبيعه أويهبه فلم يفعل..إلخ (أسد الغابة فى معرفة الصحابة- دارالشعب بمصر- عام1970- المجلد الأول- ص93)
000
هامش: عزالدين بن الأثير(1160م- 1233) من الموصل، ويعتبره من أرخوا لحياته ومؤلفاته أنه من أبرزالمؤرخين فى الشأن الإسلامى بعد الطبرى. ومن كتبه (أسد الغابة فى معرفة الصحابة- عشرة مجلدات أصدرتها دارالشعب المصرية و(الكامل فى التاريخ) إلخ.
***