السجن .. الاختبار العظيم

مروة التجاني
2017 / 3 / 30

" أن قشعريرة الرعب التي تستولي على الأنسان حين يواجه نفسه تعتبر إمارة سيئة على كل حال".نيتشة - إنسان مفرط في إنسانيته.

- الدخول للسجن (بغض النظر عن المسبب) أو المعتقل، والمقصود هنا بالخصوص تجربة الحبس الإنفرادي وليس مع جماعة..تجربة تضع الأنسان في مواجه ذاته، إنها بالأصح تختبر الكينونة اختباراً وجودياً..بمجرد الدخول إلى بوابة الغرفة المنفردة يتملك احساس طفيف بالرعب أو هي قشعريرة ما يصفها نيتشة، لاأحد سواك في الغرفة..انت فقط.. عادة أو ما يفعله السجين هو إلقاء نظرة سريعة على المكان والذي عادة ما يكون خالياً من أي فرشسوى أرض منبسطة أو إذا كنت محظوظاً سترى سرير لتستلقي عليه، هذه النظرة الأولى هي ذاتها التي تعود بالفرد إلى جذوره البدائية في حضارات سابقة حين كان الأنسان يواجه الطبيعة فيجول ببصره فيها بحثاً عن افضل الأمان للإحتماء والإختفاء بغرض الأمن..هنا يبحث نزيل الحبس الإنفرادي في الغرفة الصغيرة عن هكذا مكان فلا يجد شيئاً، فعبثاً يختار أحدى الزوايا وينكمش فيها.

- بمجرد مضي دقائق قليلة يبدأ الرعب الحقيقي يدب في الجسد ( وهو رعب أقل حدة من مواجهة نزلاء آخرين كما يقول سارتر بذلك ).. المهم أن حديثنا مقتصر هنا عن المواجهة الفردية بين الشخص وذاته، وبما أن الأيام ستمضي بطيئة على غير المعتاد فأن العقل وهو المهتم بعملية التفكير المستمرة سيواجه ذات الفرد هنا بسؤال بماذا ستفكر خلال هذه الفترة غير معلومة الأجل، لا أجزم معرفتي بشؤون الآخرين ولكن عن تجربة ذاتية وسأفترض أن اصحاب العقول الحرة سيشاركوني فيها أن هم عاشوا ذات التجربة ..سأقول، أن العقل مضافاً إلى الكينونة ككل ستبدأ أولاً في نبش الماضي، ستجد فجأة أن اغاني بعينها ستبداء وتتردد أصدائها في داخلك ربما هي أغانٍ منسية وليست مرتبطة بالنسبة لك بحدث ذا قيمة وهو الأمر الأول الذي ستشعر لاحقاً بالخجل منه وعند خروجك إلى فضاء ستخجل من معاودة الإستماع إلى هذه الأغاني.. أثناء تواجدك في الحبس المنفرد ستحمد الرب كثيراً (في حال كنت مؤمناً به) على عدم وجود مرآه حتى لا ترى ضآلة نفسك ولا تصرخ في مواجهتها بالأسئلة الجدية التى قادتك إلى هنا وعن مغزى وجودك في الحياة وما غايتك القصوى منها.. ستبدأ ببلاهة بملاحظة تفاصيل المكان وحركات النمل الذي يسير بجد غير آبهه بوجودك وستتمنى لو كانت هذه الكائنات الصغيرة تجيد الكلام لتروى لها قصة سخيفة ومضحكة لتواسى نفسك في هذه الوحدة المطلقة.

- حتماً ستواسى نفسك بعدة طرق بنبل القضية التى كنت تدافع عنها، لن تلوم ذاتك على الموقف الذي اوصلك إلى هنا وأن كنت قتلت نفساً ، ستحلم بمواصلة الطريق الذي بدأته عند خروجك، ستتذكر مواقف وأشخاص وتمنى نفسك بأنهم لا يزالون يفكرون في محنتك، ستتمنى وجود تفاصيل صغيرة مثل ورقة وقلم لتخرج فيها ابداعاتك، لتكتب أى هراء تحتفظ به لاحقا.. ستكون هذه الغرفة الضيقة جزءً من ذاتك وفي حال حالفك الحظ ووجدت ما تكتب به على الجدران ستذكر هذا العام الخاص الذي تواجدت فيه هنا، ستذكر أسمك وربما مقولة أو حكمة ستتركها لمن سيأتي بعدك، ليذكرك..حتماً ستتمنى ترك شئ للذكرى..وليست غاية الذكرى هنا هي التباهي بأنجازاتك الخاصة ولكنها المرحلة البدائية التي يعيدك إليها الحبس الأنفرادي.. كما حاول أوائل البشر الرسم في الكهوف ليخبروا الأجيال القادمة : هكذا عشنا..هكذا ناضلنا من أجل البقاء، سيرغب النزيل أيضاً أن يروى قصه بقاؤه الخاصة.