أليس حق الاختلاف هوالذى حقق النهصة الأوروبية؟

طلعت رضوان
2017 / 3 / 30


يكره الأصوليون من أتباع الديانة العبرية بشعبها الثلاث (اليهودية/ المسيحية/ الإسلام) حق الاختلاف، بينما هذا الحق هوالذى حقق الحرية والتقدم والنهضة فى أوروبا، بعد أنْ تخلصت من الكهنوت الدينى، وهوالدرس الذى يرفض الأصوليون الاستفادة منه، ومع الأصوليين الأنظمة الحاكمة المستفيدة من العاملين بمؤسسات الكهنوت الدينى. ليس هذا فقط وإنما أشاعتْ الثقافة المصرية السائدة أنّ التزمت ورفض حق الاختلاف من صفات عتاة الأصوليين (فقط) بينما المؤسسة الدينية (الرسمية) فإنّ العاملين فيها يتميـّـزون بالاعتدال. فهل هذا صحيح؟
فى آخرمقال كتبه مفتى مصر(د. شوقى علام) وضع عنوانــًـا دالاعلى فحواه (خلل الفهم فى السنة النبوية) وليته اكتفى بعرض وجهة نظره (فهذا حقه) ولكنه وصف المختلفين معه بأنهم (أصحاب الفكرالمتطرف) وهذا مظهر(من مظاهرالضلال)..إلخ (أهرام20يناير2017)
من البديهى أنْ يكون المفتى (بحكم منصبه) قارىء مُـدقق لكتب التراث العربى/ الإسلامى، فكيف فات عليه أنّ فى تلك الكتب الكثيرالذى يصطدم ويتعارض مع التفكيرالعقلانى؟ من ذلك ما قاله ابن عباس أنّ قريشـًا ((كانت نورًا بين يدى الله قبل أنْ يخلق آدم بألفىْ عام. وذلك النوريـُـسبح وتــُـسبح الملائكة بتسبيحه، فلما خلق الله آدم ألقى ذلك النورفى صلبه. وقال صلى الله عليه وسلم، أهبطنى الله تعالى فى الأرض فى صلب آدم وجعلنى فى صلب نوح وقذفنى فى صلب إبراهيم.. إلى أنْ قال ((حتى أخرجنى من صلب أبوىّ)) وعن فلان عن فلان أنّ النبى قال ((كنتُ نورًا بين يدىْ ربى قبل خلق آدم بأربعة عشرألف عام)) (السيرة الحلبية- دارإحياء التراث العربى- ج1- ص30) فلوأنّ العقل الحرسأل: كيف تـمّ التوصل لحساب السنين (بأربعة عشرألف عام قبل خلق آدم)؟ فهل يكون (من أهل الضلال)؟
وهل كان برهان الدين الحلبى الشافعى (مؤلف السيرة الحلبية) من أهل الضلال عندما ذكرأمثلة من الأحاديث (المطعون عليها) مثل حديث أنّ السنة التى وُلد فيها محمد فإنّ الله أذن لنساء الدنيا أنْ يحملن ذكورًا كرامة لرسول الله، الذى كان يذكرالله وهوفى بطن أمه، مثل عيسى عليه السلام أنه كان يـُـكلم أمه ويسبح الله)) وكان تعليق برهان الدين الحلبى أنه لم يتأكد من صحة هذا الحديث (المصدرالسابق- ص48)
وعن ابن عباس أنّ الرسول وُلد مقطوع السرة. وأنّ النبى إبراهيم حين وُلد نزل جبريل وقطع سرته وأذن فى أذنه. وعن أنس ابن مالك أنّ النبى قال (من كرامتى على ربى إنى وُلدتُ مختونــًـا)) وكان تعقيب الإمام الذهبى على هذا الحديث أنه قال ((لا أعلم صحة ذلك)) ولما سئل فكيف يكون الحديث متواترًا؟ أجاب بأنّ التواترجاء للاشتهار. وقد جاءتْ أحاديث كثيرة فى ذلك. وقال الحافظ ابن كثيرأنّ البعض صححها والبعض ضعفها ومنهم من رآها من الحسان. والبعض قال أنّ النبى وُلد مختونــًـا من بين ستة عشرنبيـًـا، وقد نظــّـم بعضهم شعرًا فى ذلك. فكان تعليق برهان الدين الحلبى (مؤلف السيرة): ((وليس هذا من خصائص الأنبياء. وأنّ ذلك من خرافات العامة، ويفرحون لمن ختنه القمر، لأنّ العرب تزعم أنّ المولود فى القمرتنفسخ قلفته فيصركالمختون. وقالوا ختنته الملائكة. وأنّ الإمام الذهبى قال عن حديث أنّ النبى وُلد مختونــًـا أنه ((حديث منكر)) وأنّ من ((ختنه هوجده بعد اليوم السابع من ولادته)) (المصدرالسابق- ص53) فهل برهان الدين الحلبى والإمام الذهبى من أهل الضلال؟
أما الحديث الذى قال فيه الرسول ((جاءنى رجلان عليهما ثياب بيض. وهما جبريل وميكائيل. وأقبل إلىّ طائران أبيضان كأنهما نسران. فقال أحدهما لصاحبه: أهوهو؟ قال نعم. فأقبلا فأخذانى فأضجعانى وشقا بطنى فالتمسا فيه شيئــًـا فأخذاه وطرحاه ولا أدرى ماهو. وجاء فى الأحاديث أنّ هذا الشىء ((علقة سوداء استخرجاها من قلب الرسول بعد شق بطنه)) وأضاف برهان الدين الحلبى ((وفى رواية غريبة نزل على الرسول كركيان فشقّ أحدهما بمنقاره جوفه ومجّ الآخرفيه بمنقاره ثلجـًـا وبردًا. ويُـقال إنّ الطائريْن تارة شبهـًـا بالنسريْن وتارة شبهـًـا بالكركيْن. وفى كون مجيىء جبريل وميكائيل على صورة النسر(رواية لطيفة) لأنّ النسرسيد الطيور.. وأنّ جبريل قال لمحمد: أنّ لكل شىء سيدًا، فسيد البشرآدم، وسيد الروم صهيب، وسيد فارس سلمان، وسيد الحبش بلال... وسيد الطيورالنسر..إلخ)) (المصدرالسابق- ص93) فما مغزى قول الحلبى عن هذا الحديث (رواية لطيفة)؟ و(رواية غريبة)؟ وأليس الكلام بصيغة (أفضل تفضيل) التى جعلتْ سلمان أفضل شخص من الشعب الفارسى، وجعلتْ بلال أفضل شخص من الشعب الحبشى، يجعل العقل الحريربط بين حديث شق قلب الرسول لإخراج (العلقة السوداء) بواسطة النسربصفته (سيد الطيور) وبين سلمان بصفته سيد فارس، وبلال بصفته سيد الحبش؟ لمجرد أنهما اعتنقا الدين الإسلامى؟
وكتب برهان الدين الحلبى عن بناء الكعبة ((وإذا لم يصح أنّ الملائكة بنت الكعبة تكون هذه المرة من بناء قريش هى المرة الثالثة، بناءً على أنّ أول من بناها آدم وولده (شيث) وبناءً على ذلك فإنّ من قال أنّ أول من بناها الملائكة لم يصح.. وكان محلها قبل بناء آدم لها خيمة من ياقوتة حمراء أنزلت لآدم من الجنة..إلخ. وعن أنّ الله خلق آدم على صورته، كان تعقيب الحلبى ((وقد يـُـخالف هذا قول ابن خزيمة قوله صلى الله عليه وسلم أنّ الله خلق آدم على صورته فخرج على سبب وهوأنّ النبى صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يضرب وجه رجل. فقال لاتضربه على وجهه فإنّ الله خلق آدم على صورته أى صورة هذا الرجل)) ومن الخوارق ما قاله الحافظ ابن حجر، أنّ آدم لما هبط كانت رجلاه فى الأرض ورأسه فى السماء، فحطه الله إلى ستين ذراعـًـا. وفى الصحيحيْن فكل من يدخل الجنة يكون على صورة آدم الذى كان مهبطه على أرض الهند (المصدرالسابق- ص149)
000
هامش: على برهان الدين الحلبى (1352م- 1438) من مواليد حلب بسوريا. له أكثرمن كتاب أشهرهم (إنسان العيون فى سيرة الأمين والمأمون) المعروف بالسيرة الحلبية، وكان من كبارالشافعية. وهو والد المؤرخ أحمد ين إبراهيم مؤلف كتاب (نورالنبراس على سيرة ابن سيد الناس) و(تعليق على سنن ابن ماجه)
***