نساء عظيمات في تاريخ وادي الرافدين:

عامر هشام الصفّار
2017 / 3 / 28

عقدت الجمعية العراقية في المملكة المتحدة (تواصل) وبالتعاون مع الجمعية العربية للثقافة في ويلز ندوة ثقافية حضرها جمهور غفير من المهتمين بشؤون الفكر والأدب والثقافة في مقاطعة ويلز البريطانية وذلك يوم السبت المصادف 25/3/2017. وقد كان ضيف الجمعية والمحاضر في ندوتها هو الشاعر والكاتب العراقي الدكتور خزعل الماجدي وهو باحث في علم تاريخ الأديان والحضارات القديمة. وقد قدّم الدكتور رئيس الجمعية العراقية عامر هشام الصفّار الضيف المحاضر الكريم وعرّف به قائلا: أنه شاعر وكاتب مسرحي عراقي ولد في كركوك عام 1952 ثم أكمل الدراسة في بغداد حتى حصوله على شهادة الدكتوراه في التارخ القديم بأشراف الدكتور الراحل الأستاذ فوزي رشيد في معهد التاريخ العربي للدراسات العليا وذلك عام 1996. ثم عمل المحاضر في دائرة الأذاعة والتلفزيون والمجلات والصحف العراقية لمدة تزيد على العشرين عاما.. حتى أنه كان في مسؤولية أدارية مشرفا على برامج أتحاد الأدباء والكتّاب في العراق في فترة الثمانينيات من قرننا الماضي. ثم عمل الماجدي في ليبيا والأردن ونشر كتبه الفكرية والأبداعية في لبنان والأردن والعراق.. حيث تميز بنتاجاته الفكرية الغزيرة والمتميزة والتي لاقت رواجا بين القرّاء أضافة الى تفرّده بين شعراء جيله السبعيني من خلال نتاجه الشعري الأبداعي.
وقد عنون الدكتور خزعل الماجدي محاضرته ب" نساءٌ عظيمات من وادي الرافدين.. الأنوثة العراقية في سطوع مجدها".. حيث فصّل في الموضوع معتمدا نهج الحديث على أقسام ثلاثة : القسم الأول، الأنوثة المقدسة في وادي الرافدين العصر الأمومي (العصر الحجري الحديث 8000- 5000 ق.م)، العصر الأبوي (العصر الحجري النحاسيّ 5000- 3000 ق.م)، والعصر السومري (إنانا وديموزي : الزواج المقدس)، والعصر الأكدي والبابلي ( عشتار وتموز)، والعصر الآشوري (عشتار وآشور). اما القسم الثاني فقد تناول نساء عظيمات في الحضارات العراقية القديمة : نساء سومريات ، نساء أكديات، نساء آشوريات، نساء بابليات. وتناول في القسم الأخير : مكانة المرأة الرافدينية ومقارنتها بالمرأة في الحضارات القديمة: مكانة المرأة العراقية القديمة في المجتمع وفي الشرائع الرافدينية ومقارنة مكانة المرأة العراقية مع المرأة في الحضارات القديمة ( المصرية ،الشامية , الهندية ، الصينية ،الفارسية ، الإغريقية ، الرومانية ).
المرأة والزراعة:
لعل من الملاحظات التي أثارها المحاضر هو أن المرأة وليس الرجل في شمال وادي الرافدين كانت قد أكتشفت الزراعة وذلك قرابة العام 8000 ق.م. وهكذا كانت المرأة حينذاك زعيمة مجتمعها ورمز الخصوبة فيه حتى انها كانت كالآلهة نظرا لمكانتها المتميزة في المجتمع الأنساني حينذاك. وما كان من الرجل الا أن أكتشف النحاس والتعدين في وادي الرافدين وذلك قرابة عام 5000 ق.م. فأصبح الرجل سيد ذلك الزمان وهمّش دور المرأة حيث ظهر مفهوم الآله الأب.
الحضارة السومرية:
وحول موضوعة الحضارة السومرية ذكر الماجدي أنه من الصحيح أن السومريين لم يكونوا من أقدم أقوام جنوب وادي الرافدين، ولم يكونوا أول نسّاجي الحضارة والثقافة فيه، لكنهم اول من وضع النسق الحضاري لحضارة تاريخية فيه نقلت الأنسان من العصور الحجرية البطيئة التطور الى العصور التاريخية السريعة التطور، والتي ألهمت شعوب الأرض لكي تؤسس حضاراتها على النسق ذاته. حيث كان للمرأة في الحضارة السومرية مكانة كبيرة ولكنها تأتي بعد مكانة الرجل وكذلك في مجمع الآلهة، حيث الآلهة الأم (ننخرساج) زوجة الإله (إنكي)، والآلهة العذراء (إنانا) زوجة الإله (ديموزي) وكانت قصتهما تعبر عن أجمل قصص العشق والحب.


اسرار عشتار:
ومن المعروف أن عشتار في تاريخ العراق القديم وعند البابليين والأكديين أنما هي آلهة الحب والحرب والجنس حيث كان هناك ما يقابلها من آلهة عند السومريين بأسم "أنانا".. وقد صورّت عشتار على هيئة رموز كالشعلة الأبدية والوردة والقمر كما صورّت وهي تحمل الأفعى كناية عن الصحة والشفاء.. يقول الدكتور الماجدي أن البابليين كانوا قد أحدثوا الأنقلاب الذكوري الثاني في صياغتهم لأسطورة الخليقة وهمشوا لاهوتياً المرأة الأم وظهرت عشتار كآلهة ابنة. وأصبحت عشتار الزوجة الرسمية للإله آشور وبذلك أصبحت ممثلة للطقس والهواء والشمس وتم سلب صفاتها الخصيبة والأمومية.

الملكة شبعاد:
وفي معرض حديثه عن النساء العظيمات تناول الماجدي الشخصية المهمة بو آبي (وفي الأكدية تعني كلام والدي) والتي سميت خطأ ب "شبعاد" حيث أعتبرت من النساء العظيمات في أور السومرية في حوال عام 2600 ق.م. حيث وجد في قبرها (بو آبي) الأختام الأسطوانية والقلائد والأحزمة الذهبية النفيسة الى غير ذلك من كنوز..

الشاعرة أنخيدو-آنا:
وهي في التاريخ أول شاعرة في العالم القديم.. وهي أبنة الملك سرجون الأكدي حيث كانت أمها كاهنة من كاهنات آله القمر نانا "سين".. وقد وصلت الى أعلى مرتبة كهنوتية في الألف الثالث قبل الميلاد.. وقد أشار الدكتور الماجدي في محاضرته: الى أن أنخيدو-آنا قد كتبت نصوصها باللغة السومرية، وإن السبب الذي دفع بالمؤرخين والباحثين أن يعتبروا "أنخيدو- أنّا" كأول شاعرة في التاريخ هو أنها كانت تذيّل على ألواح قصائدها أسمها، فيما كانت ألواح الشعر قبلها خالية من أسم مؤلفيها وكان بعضها يحمل أسماء نسّاخ هذه القصائد وليس أسماء مؤلفيها. ، مضيفا: لقد جُمع ما توفر من قصائدها وبلغت حوالي 42 قصيدة.
ومما يذكر أن الكاتب وليام هالو قد وصف هذه الشاعرة بأنها "شكسبير الأدب السومري.
ثم فصّل المحاضر في حياة الملكة سميراميس، كما شرح بعضا من تفاصيل حياة زوجة الملك سنحاريب والمدعوة ب زكوتو أو نقية.. ثم أشار الى الأهمية الكبيرة التي أولتها حضارة وادي الرافدين للمرأة مقارنة بالحضارات الأخرى منوّها الى أن الحضارة المصرية قد أولت المرأة أهمية كبيرة أيضا.

الجنائن المعلقة.. في الموصل وليس في بابل:
وفي موضوعة الجنائن المعلقة أكد الباحث الماجدي أن أميديا أو أوميت هي زوجة نبوخذنصر الثاني، التي أتت بفكرة الجنائن المعلقة، لأنها من ميديا وكانت تشتاق لبلادها ذات الجبال الخضراء، وقد زرعت الأشجار والأزهار فوق أقواس حجرية ارتفاعها 23 متراً فوق سطوح الأراضي المجاورة للقصر، وكانت تسقى من مياه الفرات بواسطة نظام ميكانيكي معقد. وبذلك تكون الحدائق ليست معلقة فعليا
وأن هذه الجنائن التي تعد إحدى عجائب الدنيا السبع لم تكن في بابل، وقال المحاضر إن باحثة تدعى ستيفاني دالي، كشفت أن هذه الجنائن تقع في مجمع قصر سنحاريب قرب نينوى.
وعرفت دالي كيف كانت تسقى الأشجار في الأعالي من قناة في المدينة بواسطة (ألاميتو) وهو شكل حلزوني لقناة حجرية تصعد فيها المياه، وبذلك يكون الآشوريون قد اكتشفوا (لولب أرخميدس) قبل ولادته بثلاثة قرون.