حجاب المرأة بين انتشاره وإلغائه

طلعت رضوان
2017 / 3 / 27

لم ينفرد الإسلام بفرض الحجاب على رأس المرأة، لتغطية شعرها، وإنما عرفته شعوب عديدة وثقافات عديدة، لعلّ أبرزها ما كان سائدًا بين نساء بنى إسرائيل فى الزمن القديم، وانتقل إلى العرب (قبل الإسلام) وإنْ كان من باب (العرف الاجتماعى) ولكنه بعد الإسلام أخذ شكل الفرض (بالقوة والاجبار) حيث أنّ الفقهاء رأوا أنه (واجب شرعى) منصوص عليه فى القرآن.
وفى العصرالحديث، أوضحتْ بعض الدراسات، أنّ المرأة فى روسيا القيصرية كانت ترتدى الحجاب والنقاب، وأنّ بطرس الأكبر(1672- 1725) أصدرأمرًا برفع النقاب (نبوية موسى فى كتابها " المرأة والعمل"- الطبعة الثانية- عام1939) والتى كتبتْ ((وكان لنساء روسيا حجاب بالمعنى المعروف عندنا اليوم، فلما تولى الملك الامبراطورى بطرس الأكبر، أمربترك هذه العادة، فرفعتْ النساء الحجاب (تخلتْ عنه) وترك الرجال الملابس الشرقية)) أى تخلوا عنها.
ومن رأى لويس عوض أنّ الموقف من المرأة شغل الرأى العام فى مصرمنذ ولاية محمد على. وأنّ رفاعة الطهطاوى، تصدى لهذا الموضوع، لكى يستنيرالناس برأيه، فهوإذن قد تحمّـل مسئولية الدعوة للسفور، وتحريرالمرأة فى المجتمع المصرى، قبل قاسم أمين بنحوستين سنة)) (المؤثرات الأجنبية فى الأدب العربى وقضية المرأة- مطبوعات جامعة الدول العربية- عام1962- ص19)
وعندما صدركتاب قاسم أمين (المرأة الجديدة) عام1900هاجمه الأصوليون المتزمتون، ولكن الحملة ضده كانت أشد عنفــًـا وشراسة بعد صدوركتابه الثانى (تحريرالمرأة) حيث اجتمع هؤلاء الأصوليون ((وألــّـفوا لجنة فيما بينهم للرد عليه، باعتباره عملا خارجـًـا عن الدين، وضرورة الدفاع عن الإسلام من الخطرالذل الذى حاق به)) فأصدرأحد الأصوليين (الشيخ محمد حسنين) كتابـًـا ردّ فيه على كتاب قاسم أمين، الذى هومن (تدليس إبليس)
ومن بين تناقضات الشخصية المصرية، أنّ طلعت حرب رغم دوره العظيم فى إنشاء بنك مصرعقب ثورة شعبنا فى شهربرمهات/ مارس1919، من أجل تدعيم الصناعة المصرية، والاقتصاد المصرى (بشكل عام) من خلال إنشاء عدة شركات.. إلخ، إلاّ أنه كان شديد الرجعية والتخلف بالنسبة لآرائه ونظرته للمرأة، فأصدر كتابيْن للرد على قاسم أمين، الأول بعنوان (تربية المرأة والحجاب) والثانى (فصل الخطاب فى المرأة والحجاب) والكتاب الأخير(بصفة خاصة والمكتوب بلغة تراثية عقيمة، من العنوان للمتن) لم يكتف بالدفاع عن قطعة القماش التى تستر(عورة المرأة، أى شعرها) وإنما وقف- أيضًـا- ضد تعليمها. وكان من نتيجة صدورهذيْن الكتابيْن، الأثرالبالغ فى الموقف العدائى ضد قاسم أمين، وهوالموقف الذى تبناه كثيرون، من الذين كانوا يتابعون الحملة، وهكذا تحمّـل قاسم أمين الاهانة تلو الاهانة.
ومن بين ما كتبه طلعت حرب ((لقد خلق الله المرأة للرجل للملاذ الدنيوية، وحفـْـظ الشئون المنزلية، وأنه لم يخلق النساء لمغالبة الرجال، ولا للإدارة والسياسات، ولوشاء (الله) لأعطاهنّ الشجاعة والبسالة والفتوة والشهامة، مع إنّ الأمربخلاف ذلك))
ولكن أهم ما جاء فى كتاب طلعت حرب الأول هواعترافه بما قاله عمربن الخطاب عن موضوع (حجاب المرأة) وفقــًـا لما جاء فى القرآن، حيث كان يمنع المرأة (العبدة) من التشبه ب (الحرة) فقال مرة لجارية ((القى القناع ولاتتشبهى بالحرائر)) وقفال لجارية أخرى ((يا لكعاء.. أتتشبهين بالحرائر؟)) وقال ((القناع للحرائركيلا يؤذينَ)) أى أنّ عمربن الخطاب كان يـُـردّد ما جاء فى القرآن بالحرف وفق نص آية ((يا أيها النبى قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يـُـدنين عليهنّ من جلابيبهنّ ذلك أدنى أنْ يـُـعرفنَ فلا يؤذينَ)) وهذه الآية صريحة صراحة مطلقة، فى تحديد المستهدفات منها أنْ ((يـُـدنين عليهنّ من جلابيبهنّ)) أى أنهنّ لم يكنّ يرتدينَ (تلك الجلابيب) أما السبب فلكى (يـُـعرفنَ) وفى ذلك ضمان أنْ ((لايؤذينَ)) حيث كان الأشقياء من الشباب، والمحرومون من متعة الجنس من الكبار، ومن القدرة على الزواج، يخرجون ليلا، ويتربـّـصون بالنساء، لمجرد رؤيتهنّ وهنّ فى خلاء الصحراء لقضاء حاجتهنّ، حيث أنّ العرب لم يعرفنَ (دورات المياه) كما عرفتها شعوب عديدة قبلهم.
وفى الوقت الذى كان طلعت حرب يتخذ هذا الموقف اللا إنسانى من المرأة ويـُـهاجم قاسم أمين، فإنه وقع فى تناقض- مثلما فعل الشيخ محمد عبده وغيره من الأصوليين- ومن نماذج ذلك التناقض أنّ طلعت حرب أشاد بالعلم فى خطبة له يوم23سبتمبر1925فى باريس فقال ((خذوا اليابانيين مثلا ترونهم قد اقتبسوا من الغرب أشهى ثروات العلوم والفنون، رغم أنّ عقليتهم بقيتْ دائمـًـا عقلية يابانية وثقافتهم ثقافة يابانية)) (طلعت حرب: بعض كتبه ومقالاته ومحاضراته- مطبعة مصر- عام1957- ص69) بل إنّ تناقضه وصل لدرجة أنه أنشأ شركة للتمثيل، ووافق على أنْ تــُـشارك الفتيات المصريات فى التمثيل، وكان ذلك بعد ثورة شعبنا فى شهربرمهات/ مارس1919. ولذلك يـُـحسب لطلعت حرب تأسيس السينما المصرية والمسرح المصرى.
وقبل ثورة19ظهرت الفتاة المصرية نبوية موسى (1886- 1951) التى كانت أول فتاة مصرية تحصل على البكالوريا سنة1907، وأول ناظرة مدرسة مصرية، وخاضتْ معارك كثيرة ضد مستشارالتعليم الإنجليزى فى مصر. وأول فتاة مصرية تكشف وجهها وتخلع تلك القطعة من القماش، وكتبتْ ((قابلتُ فى الترام ذات يوم سيدة تلبس نقابـًـا أبيض شفافــًـا، يـُـظهرجميع محاسن وجهها، وقد بدا من تحته صدرها العارى وذراعاها. ولما رأتنى سألتنى: أمسيحية أنتِ يا سيدتى؟ فلما قلت لها: إننى مسلمة. قالت وهى تضرب كفيها ببعضهما: وكيف تكشفين وجهك وأنت مسلمة؟ فقلت لها: وهل سترالنقاب شيئــًـا من محاسن وجهك الجميل؟ أما أنا فلا ترين منى إلاّ وجهى الطبيعى الذى لا يـُـلفت النظرلأنه كما خلقه الله. فقالت: صدقتِ.. ولكنها العادة التى زيـّـنتْ لنا كل ما هوقبيح (مجلة الفتاة-أكتوبر1937، وأكدته فى مذكراتها)
وهاجمتْ نبوية موسى الشيوخ والفقهاء الذين روّجوا لحديث أنّ (صداق المرأة) من الممكن أنْ يكون (خاتم من حديد) فكتبتْ أنّ هذا التقديرليس من العدل، ولعل الفقهاء والشيوخ روّجوا له لأنهم هم الذين يدفعون مهرالمرأة، ولكن لوأنّ الله أمرالمرأة بأنْ تكون هى المكلفة بدفع (مهرالرجل) فإنّ الشيوخ كانوا سيستخدمون القرآن الذى قال ((وأتيتم إحداهنّ قنطارًا)) (النساء/20) وكان تعليق نبوية موسى أنّ الرجال كانوا سيتمسكون بهذه الآية ويستشهدون بها للاكثارمن قيمة المهر(المصدرالسابق ص88، 89)
يعتبرالشيخ محمد عبده أحد رموز(المدرسة التوفيقية) التى حاولتْ التوفيق (بين الدين والعلم من ناحية، وبين الدين والتطورالذى حدث للمجتمعات البشرية من ناحية أخرى) ولكن جاء جيل آخرأكثرنــُـضجــًـا وأكثرصراحة وأكثرترسيخـًـا لأصول الكتابة التى تتجنـّـب الخلط بين الدين والعلم، أوبين الدين وتطورالمجتمعات البشرية، ولذلك كان من رأى إسماعيل مظهر أنه لابد من النظرإلى القرآن من منظورعصره وبيئته ومجتمعه، فكتب أنّ المجتمعات تتغير، وهذا التغيريستند إلى فلسفة مُـغايرة ومناسبة للحياة الجديدة. والتركيزعلى (فلسفة العلم) وإذا أردنا أنْ نضرب بسهم فى هذه الحياة الجديدة، فلابد من أنْ نتحررمن التقاليد والأفكارالعتيقة التى أصابها العطن، وقيدتها الأغلال. ولابد أنْ تتحررالنساء من الآثارالتى ورثناها عن أزمنة سابقة، وإنْ كانت مناسبة لزمن مضى وانتهى، وبيئة ليست بيئتنا. ومن هذا المنطلق هاجم إسماعيل مظهرالشيوخ والفقهاء الذين أصابونا بمنظارالحياة القبلية البدائية، وروّجوا لمقولة أنّ زينة المرأة هى ((تبرج الجاهلية)) (المرأة فى عصرالديمقراطية والنهضة المصرية- القاهرة بدون تاريخ إصدار- ص200)
وعن البغاء كتب أنّ تاريخه وتطوره يرجع إلى نشأة (دينية) حيث كان شعيرة من شعائرالتقرب إلى الآلهة، وصورة من التضحية يقصد بها التعبد. وكان مما يقرب الإنسان من الآلهة إطعام المسكين والفقير، وابن السبيل وعلاج المريض..إلخ. وهكذا كان شأن البغاء فيه تقرب للآلهة، عن اعتقاد بأنّ إرضاء الغريزة الجنسية ووضع حد للألم (الناتج عن كبتها) فهى- فى نفس الوقت- صدقة يتقرب بها الإنسان إلى الآلهة (المصدرالسابق- ص125) وأكد مظهرأنّ النص القرآنى انصبّ على الحالة التى كانت قريبة العهد من العرب. لكن مع بدء انتشارالإسلام نصّ على عدم الرجوع إليها، لأنها منافية للآداب، كما كان الوضع فى الأديان القديمة (ص126) ولأنّ القرآن ميـّـزالرجل على المرأة فى الشهادة والمواريث، واعتبارها مجرد أداة لمتعة الرجل..إلخ ظلــّـتْ مقيـّـدة بسلاسل ذلك العرف البدوى، وظلتْ ((مستعبدة استعبادًا أبديًا))
وكان مظهرشديد الوضوح والجرأة عندما كتب إنّ القول ((بأنّ الرجل قوّام على المرأة (بصفة مطلقة) وبغير قيد فيه منافاة للعقل)) (ص176)
فى هذا المناخ الليبرالى (خاصة بعد ثورة شعبنا فى شهربرمهات/مارس1919) ظهراسم (عبده البرقوقى) الذى كانت شهرته العمل بالمحاماة، ولكنه كان مع التطورالإنسانى، ورأى أنّ شعبنا المصرى مُـكوّن من نسيج واحد وثقافة قومية واحدة، ولذلك طالب بتشريع يوحـّـد بين المسلمين والمسيحيين فى قضايا الأحوال الشخصية. ووضـْع نظام عام للطلاق يكون بمثابة سياج للأسرة المصرية. وكان يرى أنّ ((اتحاد الأمة المصرية فى الأصل والتجانس وفى الأخلاق والعادات)) وهذا الأصل هوالذى يـُـتيح إصدارمثل هذا التشريع، وأنّ الأمة المصرية ((سوف تتحد فى أحوالها الشخصية، كما توحـّـدت فى مراميها الوطنية، وبذلك يتوحـّـد المسلمون والمسيحيون فى أحوالهما الشخصية، أمام محكمة واحدة، وعلى قانون واحد، وبذلك تتحقق (وحدتنا القومية) ولم يكتف بذلك وإنما كتب أنه لابد من محاربة الخرافات، والعادات البربرية الموروثة (عن العصورالوسطى) وقال إنه كتب هذا وهويعلم أنّ الشيوخ سيقاومون اقتراحه ويرفضونه بشدة، مستندين إلى الدين الذى هوحليفهم الوحيد (مجلة المرأة المصرية- يناير1920)
وهكذا كانت مصر قبل السحابة السوداء التى حطــّـتْ عليها فجر الأربعاء الأسود 23يوليو1952.
***