نتائج الانتخابات الهولندية واليمين الأوروبي

كاظم حبيب
2017 / 3 / 27

علق اليمين الأوروبي آمالاً كبيرا على نتائج الانتخابات الأوروبية وتأمل ان تكون لصالح الحزب اليميني المتطرف الذي يترأسه منذ سنوات گیرت ولدرز، خاصة وان استطلاعات الرأي قد أكدت على إن المنافسة ستكون بين حزب الحرية اليميني المتشدد ورئيس الوزراء اللبرالي مارك روتّه الراهن مع وجود 16 حزبا اخر خاضوا الانتخابات الأخيرة في 15/03/2017, حتى إن بعض استطلاعات الرأي قد رشحت حزب الحرية اليميني بالفوز على منافسه وربما تشكيل حكومة يمينية في هولندا. ونتيجة لهذه التقديرات التي بنيت على أساسين هما استطلاع الرأي بهولندا، والتقديرات التي نشأت في أعقاب العمليات الإرهابية التي نفذت بفرنسا وبلجيكا وألمانيا من قبل عصابات داعش المجرمة باسم الإسلام وتحت شعار "لا الله الا الله ومحمد رسول الله"، حيث تصاعد مزاج الخوف من إرهاب قوى الإسلام السياسي والسلفيين والمتطرفين والداعين إلى أسلمة أوروبا، إضافة إلى التهديد بتنفيذ عمليات إرهابية جديدة بأوروبا. وبناء على وجهة نشاط حزب الحرية اليميني الهولندي رفع شعارين مركزيين، هما:
1.لا لقبول لاجئين مسلمين بهولندا وتنظيف هولندا منهم لأنهم يهددون هولندا وأوروبا بالأسلمة، بمعنى اخر هولندا للهولنديين، وأوروبا للأوروبيين.
2.لا للاتحاد الأوروبي والعمل على الخروج من الاتحاد الأوروبي.
وفي ضوء كل ذلك قرر اليمين الأوروبي دعم حزب الحرية اليميني بهولندا من خلال المشاركة في الحملة الانتخابية لصالح رئيس الحزب ولندرز، فالتقوا بأمستردام قادة اليمين المتطرف في كل من ألمانيا (فراوغه بيرتي) وفرنسا (مارين لوبان) وهولندا (گیرت ولندرز)، حيث وجهوا خطبهم المناهضة للإسلام والمسلمين أولاً، وضد الاتحاد الأوروبي والدعوة للخروج منه ورفض اليورو في حالة انتصار هذه الأحزاب في الانتخابات القادمة ثانياً. إضافة إلى ذلك برزوا الجوانب السلبية الفعلية الموجودة في سياسات الاتحاد الأوروبي، ولاسيما تنامي الفقر والبطالة والبرودة الاجتماعية والاستغلالية ازاء الفئات الفقيرة والكادحة والمعوزة في المجتمع ... إلخ.
وقد بث هذا التوجه خشية كبيرة لدى قادة الاتحاد الأوروبي، ولاسيما القادة الألمان، خاصة وأن لانتخابات الرئاسية في النمسا قد سجلت نجاحا كبيرا للحزب النمساوي اليميني، رغم عدم وصول مرشح هذا الحزب لرئاسة الدولة، ثم تصاعد نفوذ والقوة التصويتية للحزب الوطني الفرنسي في الانتخابات المحلية الأخيرة في فرنسا والخشية من فوز مرشحة اليمين المتطرف في الانتخابات العامة والرئاسة بفرنسا. ثم فوز حزب البديل لألمانيا في عدد من الولايات الألمانية بمقاعد مهمة في مجالسها المحلية، إضافة إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وانتخاب دونالد ترامپ لرئاسة البيت الأبيض بالولايات المتحدة الأمريكية ونهجه اليميني المناهض للاجئين عموما والمسلمين منهم على وجه الخصوص ...إلخ.
من هنا يأتي نجاح حزب رئيس وزراء هولندا اللبرالي في الانتخابات الأخيرة قد أشاع الفرحة بهولندا وبالقوى السياسية بالدول الأوربية ولاسيما فرنسا وألمانيا والنمسا وفي قيادة الاتحاد الأوروبي، واعتبر مؤشرا إيجابيا في غير صالح اليمين الأوروبي.
ولكن من الضروري الانتباه إلى أربع نقاط جوهرية:
1. إن حزب الحرية اليميني قد حاز على أصوات أكثر من الدورة الانتخابية العامة السابقة، وبالتالي رفع من عدد مقاعده في مجلس النواب الهولندي.
2. إن احزاباً يمينية أخرى قد حصلت على أصوات اخرى في الانتخابات.
3. إن نشاط ودعاية اليمين المتطرف الهولندي قد استطاع ان يدفع بالحملة الانتخابية وبالمزاج الهولندي العام صوب اليمين وأكثر من السابق، بما في ذلك الحزب اللبرالي الحاكم لرئيس الوزراء الحالي.
4. إن ظاهرة العطاء للأجانب ولاسيما المسلمين عموما والمسلمين العرب منهم بوجه خاص قد ارتفع أكثر من أي وقت مضى. وستشتد هذه النزعة ما لم يجر تغيير فعلي في أوضاع المسلمين عموماً وفي مواقف حكوماتهم من الاتجاهات الإسلامية السياسية في الحكم أو خارجه، وما لم يتغير سلوك اللاجئين المسلمين القادمين إلى أوروبا، وما لم تجر عملية دمج فعلية للمسلمين والمسلمات في مجتمعاتهم الأوروبية، وما لم يتم اعتراف واحترام المسلمات والمسلمين للدساتير والقوانين والثقافة الوطنية في الدول الأوروبية اللاجئين إليها. لا يمكن اعتبار هولندا مؤشرا كافيا لعدم فوز اليمين في الانتخابات القادمة في 06/04/2017 في فرنسا على نحو خاص، إذ من غير المؤمل بأي حال فوز اليمين المتطرف بألمانيا في الانتخابات القادمة، ولكن من الممكن ان يحصل على نسبة تتراوح بين 8 - 12 % من مجموع أصوات الذين سيشاركون في الانتخابات القادمة في شهر أيلول/سبتمبر 2017. ولكن مخاطر فوز اليمين المتطرف في فرنسا محتملاً، ما لم تتجمع القوى ضد مرشح اليمين المتطرف ودعم مرشح واحد يمثل الجناح اللبرالي والاشتراكي الديمقراطي والمستقلين، وربما اليسار الشيوعي أيضاً لمنع وصول مرشحة اليمين لرئاسة الجمهورية الفرنسية.
إن الإشكالية الكبيرة بالنسبة لشعوب دول الاتحاد الأوروبي تكمن فعلياً في طبيعة السياسات الاقتصادية والاجتماعية القائمة على اللبرالية الجديدة التي تمارسها المؤسسات الرسمية التنفيذية والتشريعية للاتحاد الأوروبي وحكومات الدول الأوروبية، لاسيما الأكثر تقدماً مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا على سبيل المثال لا الحصر، وما نشأ عن ذلك من نهج التراجع عن المكاسب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تحققت في فترة الحرب الباردة لصالح المنتجين والعاطلين عن العمل والفقراء المعوزين وتنامي الفجوة ومقص الفوارق في للمداخيل بين الأغنياء والفقراء وزيادة في نسبة الفقراء الذين يعيشون تحت خط الفقر للدول الغنية ومعاناة الكثير من أطفال العائلات الفقيرة. إن هذا الواقع المتفاقم، بنموذجه ألمانيا وفرنسا وهولندا وإيطاليا، هو الذي يثير أوساطاً واسعة من شعوب الدول الأوروبية وتحول نقمتها ضد مجيء اللاجئين، إذ يعتقدون بأنهم يستولون على فرص عملهم ويساهمون في رفع الإيجارات ويقللون الخدمات...إلخ. وهذا التصور ساذج وبعيد عن الواقع، إذ إن أغلب الدول الأوروبية بحاجة إلى الأيدي العاملة الأجنبية ولاسيما الشباب الذين يساهمون في أخذ فرص العمل التي لا يمارسها الأوربيون، كما يساهمون في تحسين الهرم السكاني بالزجاجات والولادات الجديدة ورفع معدلات النمو السكانية، إضافة إلى مساهمتهم في خلق الدخل القومي ودف الضرائب وتوفير فرص عمل أيضاً عبر المشاريع الفردية التي يقيمونها.
إن استمرار الاتحاد الأوروبي وتماسكه يرتبط عضوياً بتغيير السياسات الراهنة التي تمارسها الأوساط الحاكمة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لصالح الغالبية العظمى من السكان المنتجين للدخل القومي والذين دفعوا إلى البطالة والفقر والعوز وطلب المساعدة الحكومية. إن التغيير هو الذي سيسهم في إضعاف قوى اليمين واليمين المتطرف ويعزز رغبة البقاء في الاتحاد الأوربي والتي تستوجب بدورها تجاوز أزمة الديمقراطية الراهنة والمستدامة وضعف الثقة بالنواب والأحزاب السياسية والوجوه البارزة منها.