مرايا -قصة قصيرة-

مختار سعد شحاته
2017 / 3 / 27

مرايا

مرآة أولى:
من أقصى ناحية اليسار جلست تتفحصني، شعري من أثر البلل يُرجف فريصتها أسفل ثمرة الكمثرى التي تبكي رغبة. مثلي؛ ألهبها كفي حين ضغطنا الشامة في رأس مثلثنا. برمودي يُدلهُ الداخلين فيه.
- كل شراع دلفه؛ عاد نادمًا.
- أسراري كثيرة، وأشرعتي.
- ليست كل الأشرعة واحدًا، لكنها لا تخجل حين أجعلها واحدًا.
تبتسم لي، ولا أخجل منها، أحكي لها كلما ابتسمت، وتعرف كيف تدلني إلى الأرض غير البور في حجرتي، وحتى علمتني الحياة والزرع، عرفت طعم الحصاد، وما بين جذر وجذر علمتني اشتياقي ورغباتي، ثم سترتْهَا عليّ، وحفظت ملامح سري.
- آآآآآه!!!
- إممممم!!!

مرآة ثانية:
آهٍ حين استقبلني ريح تلك الممددة أمامي!! لا تخجلُ مني؛ تخطينا حد البراءة معًا، لا أدري من منا توكأت على عصا جرأة الأخرى، فقط كنا سويًا، وكما عبرنا الحدود، دلفنا إلى براح أسرارنا الليلية، ولم نعد نميز من منا بين السطور تختفي، ربما أنا، ربما هي، لم يعد يشغلها الآن.
جذبتني الرائحة كجذبة الخيط الدقيق بين ألم الاغتصاب ونشوى الممارسة، ومن هنا يعرف عن هذا الألم وتلك النشوة؟؟ وكيف أسكرتني في تلك المساحة ما بين الوجع واللذة؟؟ طفلة تعلو بها أرجوحة العيد في الساحات الشعبية، فيغلبها الزفير الصاعد من أخمصيها، وتكاد أنها تفزع، مقسمة بين هواء مضطرب يصمم أن يرفع عن ساقيها ويلج ما بين فخذيها البريئين، ياللهواء اللعوب! بين نشوة الطيران وتكشّف قطعة ملابس داخلية تتزاحم فيها وردات خضراء وصفراء وحمراء صغيرة، وبين خجل الاكتشاف لما تستر من لذة كُنا نغيب ونصرخ فرحًا ودلالًا.
هكذا جاءت الرائحة أصورةً من عسل نحل أصفر رائق يكاد يشف ولو لم يمسسه ماء، فسكنت اليرّاعات والزنابير على طرف الورد المزنبق على باب خليتها العسلية، ثم أرخت على قلبي من وحي حديث غير منطوق؛ فعرفت كيف لألف نحلة أن تسكن خلية العسل، وتلسع ذاك السعيد الشقي حين يلج ثم يُضطر إلى خروج حسير يقطر من رحيق روحه، إذ كيف ارتخي وخرج؟! من علَّم نحل خليتها أن يصاحب الزنابير واليراعات على سلامِ باب خلية عسلها، فيرضى الجميع؟!
- لتغزوني الرائحة.
- طيّري النحل من خليتك أيتها الممددة هنا أمامي، علميني فن بوح المرايا لأصحابها.
- سيطير النحل، ستلهو اليراعات والزنابير تلك؛ لينعكس النور على شفافية باب الخلية، فيكون نور على نور.
- آآآآآه يا للسع!!
- هُزِي إلى بجذعك؛ فتسّاقط فوق سرير رغبتك رطب المحبة، فأنى يكون لنا مثل.

مرآة ثالثة:
- يا صاحبة الورد في مرآتي، ولات مناص مني ومنكِ، هذا فوجُك يقتحم.
- مرحبًا بالفوج، مرحبًا بالفوج.
ليرق الكلام، ولتذبِّي عنّا كل الخواطر والذكريات، لننعم الآن، فغدًا يا ليتنا لا نكون نسيًا منسيًا، فنعم الدار هنا.

مرآة أخيرة:
في المرآة ثمة امرأة، وفي السرير ثمة من يشبهها، وحيدة.

مختار سعد شحاته.
Bo mima
روائي وباحث أدبي.