رسالة جوابية مفتوحة موجهة إلى الفنان التشكيلي السيد منير العبيدي

كاظم حبيب
2017 / 3 / 25

عزيزي الأخ الفنان الأستاذ منير العبيدي المحترم
تحية ودٍ واعتزاز،
أود أولاً أن أحييكم بحرارة لاستجابتكم للدعوة التي أرسلتها لكم وطرح رؤيتكم وتقديراتكم إزاء الأوضاع بالعراق في المرحلة الراهنة، وأوضاع ومواقف وسياسات القوى السياسية العراقية، ولاسيما القوى الديمقراطية واليسارية، إضافة إلى الموقف من منظمات المجتمع المدني. وأود ثانياً أن أعتذر لكم لتأخري في الإجابة على رسالتكم المفتوحة الموجهة لي، والسبب يعود إلى عدم وجودي بألمانيا خلال الأسابيع المنصرمة، ولذلك لم يتسن لي الاطلاع على ما نشر في الحوار المتمدن، كما إنها لم تصل إلى بريدي الإلكتروني الشخصي لكي أطلع عليها مباشرة.
في رسالتكم المؤرخة في 17/03/2017 والمنشورة على موقع الحوار المتمدن-العدد: 5463 - 2017 / 3 / 17 - 12:35 ، المحور: اليسار، الديمقراطية، العلمانية والتمدن في العراق، تطرحون فيها رأيكم حول خمس قضايا، حسب تقديري، وعلى وفق ما وردت في رسالتكم، وهي قضايا مهمة تستوجب النقاش الجاد والمسؤول والهادف إلى تحقيق رؤية مشركة أو متقاربة، أو حتى لو اختلفنا أن نحتفظ بعلاقاتنا الإنسانية والاجتماعية التي تجمعنا والاحترام المتبادل الذي يميز هذه العلاقات. وبقدر ما امتداد يدك للنقاش والحوار، فيدي مدودة أيضاً ويد كل الأخوات والأخوة الذين أعمل معهم في القضايا العامة التي سأعالجها في هذه الرسالة الجوابية ممدودة أيضاً وعلى استعداد للحوار، إنها:
1. الموقف مما حصل وما يزال قائماً ببرلين في العلاقات المتوترة بين بعض الجماعات العراقية. إضافة إلى الموقف من لقاء مجموعة من العراقيين والعرب بألمانيا الذي بادرت للدعوة له مع أصدقاء آخرين لتنشيط العلاقة والحراك المدني.
2. الموقف من المبادرة التي طرحتها مجموعة من العراقيات والعراقيين بهدف تشيط الحراك والحوار والنقاش بين أطراف القوى الوطنية والديمقراطية العراقية.
3. موقف القوى اليسارية من النظم الدكتاتورية السابقة ومن النظام الحالي، ومدى تأثير الصراعات الطائفية على مزاج بعض القوى الديمقراطية واليسارية.
4. الموقف من منظمات المجتمع المدني في الداخل والخارج.
5. البرنامج المقترح من قبلكم لأغراض الحوار والنقاش.

أولاً: كما أشرتم بصواب فقد بادرت شخصياً بطرح مقترح عقد لقاء واسع لكل العناصر الديمقراطية العراقية المقيمة ببرلين للتداول حول المشكلات السابقة ومعالجتها بروح بناءة والعودة إلى النشاط الثقافي الذي كان يميز بعض النوادي العراقية ومنها نادي الرافدين ونادي بغداد الثقافي وربما نوادي أو جمعيات أخرى. وإذ استجاب البعض من الأخوات والأخوة، ولكن الاستجابة كانت ضعيفة والرغبة غير متوفرة لدى الغالبية، كما تلمست، والتي لم تتحمس حتى للرد على المبادرة، في حين إن آخرين استجابوا بوضوح وشجعوا الوجهة للتفاعل والتسامح، كأشخاص أو كنوادي مثل نادي بغداد الثقافي، في حين لم يرد نادي الرافدين الثقافي على الدعوة. ولهذا لم أجد ما يساعد على عقد لقاء بين جميع الأخوة أو غالبيتهم. ولكن الدعوة ما تزال مفتوحة، إن نشأ الجو الديمقراطي المناسب لمعالجة المشكلات البسيطة وغير المبدئية التي تسببت في ما حصل. أدرك تماماً بأن الأوضاع المتردية جداً بالعراق والصراع الطائفي المقيت، والفساد والإرهاب وفقدان البوصلة للكثير من الجماعات وما نشأ عنها من إحباطات سياسية وذاتيات، لعبت دورها السلبي الملموس في ما وصل إليه الوضع بالخارج عموماً وفي وضع نادي الرافدين الثقافي ببرلين أو بين العراقيات والعراقيين الديمقراطيين عموماً.
من جانبي لم أتابع ولم أكن حاضراً في ندوة تحدث فيها أستاذ جامعي، كما تشير إلى ذلك، مؤكداً عن إمكانية حل مشكلات العراق لو كان علي بن أبي طالب موجوداً، وصراخ البعض من الحاضرين ودعوتهم لدولة العدل العلوي، إضافة إلى تعليق صورة لفتاة بسن السابعة...الخ، فهذا الأمر كله غريب عن أجواء العراقيين الديمقراطيين، ولاسيما اليسار العراقي. لم أسمع بهذا الأمر قبل أن تذكروه في رسالتكم. وبقدر استنكاركم لهذا الأمر، استنكره أيضاً ويستنكره معي كل عراقي يدرك مخاطر مثل هذه الاتجاهات على العراق ووحدة شعبه ووطنه. وأستغرب جداً إن كان نادي الرافدين الثقافي العراق هو المكان الذي حصلت فيه مثل هذه المحاضرة!!
أما بصدد اللقاء الذي دعوت له مع صديقين فاضلين هما الدكتور حامد فضل الله والأستاذ نبيل يعقوب ببرلين، وقمت بإدارة الاجتماع، فكان محاولة منا لتـأمين علاقات جيدة ومتجددة بين العراقيين وبقية مواطني الدول العربية الديمقراطيين المقيمين بألمانيا، وقد حضره جمع طيب لم يكن فيهم من كان في مسؤولية الأحزاب أو في الحكم في بلدانهم، كما لم يكن بينهم مسؤولين كبار في أحزاب عراقية أو عربية، كما إن الحوار لم يهدف إلى اتخاذ مواقف أو وضع سياسات ومناهج عمل، بل كان الأمر كله لا يتجاوز تداول الرأي بين مجموعة من العراقيين، من عرب وكرد وغيرهما، ومواطنات ومواطنين من الدول العربية. وقد قمت بنشر المداخلات لأغراض الاطلاع على مضمون اللقاء وكان ودياً وناجحاً ومشجعاً على دعوة أخرى لاحقاً، على وفق ما اتفق عليه المجتمعون. وكان الحضور كله من العناصر الديمقراطية والعلمانية، وليس فيهم من مثل النظم السياسية القائمة في منطقة الشرق الأوسط. ولم أجد أي سبب لاعتباره لقاءً سلبياً يندمج ضمن نشاطاتي العامة. ومع ذلك احترم وجهة نظركم بهذا الصدد.
ثانياً: قبل عدة شهور نشرت مبادرة شخصية أشرت فيها إلى أهمية وضرورة إيجاد صيغة عمل مشتركة بين القوى الوطنية والديمقراطية واليسارية واللبرالية والشخصيات المستقلة والشخصيات المتدينة العلمانية للنضال المشترك من أجل مواجهة موفقة للقوى الطائفة الحاكمة ومحاصصاتها المذلة للوطن والمواطن. والتقت هذه المبادرة مع وجهات نظر أخوة أخرين منهم البروفيسور الدكتور تيسير الألوسي والأستاذ المهندس نهاد القاضي والأستاذ القاضي زهير كاظم عبود وآخرين. وقد تلمسنا تأييداً أوسع لهذه المبادرة، مما دفعنا إلى دعوة أخوات وإخوة آخرين للمشاركة في تشكيل لجنة تحضيرية لهذا الغرض. وقد صادف أيضاً أن طرح الحزب الشيوعي العراقي في مؤتمره العاشر مبادرة مماثلة، كما طرح السيد الدكتور أياد علاوي مبادرة أخرى، وشكلت لجنة من قوى وأحزاب سياسية لهذا الغرض، كما أشار إلى ذلك. كما صولتنا عشرات الرسائل باتجاه تأييد المبادرة. واستناداً إلى ذلك توجهنا بالعمل ومراسلة كل القوى والأحزاب والشخصيات العلمية والأدبية والسياسية والاجتماعية الديمقراطية المستقلة للعمل من أجل البدء بنقاشات ومفاوضات تمتد لأشهر من أجل إيجاد صيغة عمل مشتركة مناسبة بين كل القوى الرافضة للنظام الطائفي السياسي والمحاصصات الطائفية المدمرة لوحدة الوطن والناسفة للنسيج الاجتماعي الوطني للشعب العراقي. وقد نشرنا أهداف المبادرة وآليات العمل للمناقشة. وأؤكد لك بما لا يقبل الشك أو التأويل بأن كل العاملين في اللجنة التحضيرية هم ممن يرفضون الطائفية السياسية والتمييز الديني والمذهبي والقومي وكل من يقف ضد المرأة حريتها مساواتها بالرجل ويدينون من يمارسها. فهم ديمقراطيون علمانيون بكل ما في هذه الكلمة من معنى. وقد تجاوز عمرنا بحيث لا يشك أحد بأننا نطمه إلى مركز وظيفي أو موقع أو جاه أو مال، ونحن نتوجه إلى كل القوى التي يهمها الخلاص من نظام الطائفية القائم بالعراق. ولا أدري ما هو المأخذ على ذلك؟ لمن ينبغي لنا أن نتوجه له ما لم نتوجه لمن هم يتحدثون عن الديمقراطية ويعارضون الطائفية والمحاصصات الطائفية بداخل الوطن وخارجه. نحن لا نعمل في فراغ بل في إطار مجتمع معروف بسماته الراهنة والموروثة، وبدولة هشة ومشوهة ومعروفة للجميع، ومع قوى سياسية ديمقراطية ويسارية وعلمانية لا نملك غيرها، ولا نستطيع خلق ما نريده نحن، بل علينا أن نعمل بما هو قائم وما هو ممكن. وعلينا أن نتفق أيضاً بأن الديمقراطية مفهوم واسع ولا يمكن أن نرفض معيارنا على الجميع، كما إن اليسار لم يعد واحدا، وهو أمر جيد، بل متعدد، ولا بد أن نرى الأطياف العديدة في التيار الديمقراطي وفي التيار اليساري، وألا نلغي منها كما نرغب، بل كما يفترضه واقع الحال وسبل الوصول مع الجميع لورقة عمل مشتركة نعتمدها في نضالنا الراهن والقادم في الانتخابات القادمة وما بعدها. المعايير والقيم الديمقراطية التي يتفق عليها الجميع، وكذلك أهداف النضال المرحلي الذي نسعى إليه، فالدولة التي نسعى إليها دولة مدنية ديمقراطية علمانية اتحادية ودستورية ونيابية وتعتمد التداول السلمي والديمقراطي للسلطة.. الخ.
لا يجوز وضع شروط إضافية تتجاوز الممكن للقاء القوى الوطنية والديمقراطية واليسارية والمستقلة إلا ما هو مشترك، ونعني به مبدأ فصل الدولة عن الدين، والفصل بين السلطات، والحياة الدستورية الديمقراطية، واستقلالية القضاء، والتداول السلمي والديمقراطي للسلطة، ورفض قيام أحزاب على أساس ديني أو مذهبي، واستقلالية الإعلام ...الخ، وكل ما يدخل في باب العلمانية ذات المضمون الديمقراطي السليم.
ثالثاً: أخي الأكرم، لا يمكن أن أتفق معكم حين تقولون في رسالتكم المشار إليها في أعلاه ما يلي: "بعد عام 2003 اتضح لنا اننا لم نكن نتعامل مع شيوعيين أو يساريين او علمانيين بل مع طائفيين وقفوا موقفا معاديا للأنظمة السابقة ليس بسبب الظلم و الديكتاتورية و السياسات الدموية كما ادعوا ، بل كان السبب طائفيا فقط". وهذا يعني بأن المعارضة حصلت بسبب سنية النظام!!! ألا ترى معي وبتفكير هادئ وموضوعي إن هذا القول يتجاوز كل ما هو واقعي وحقيقي. وكم في هذا الموقف من تعميم وإطلاق وتجاوز لا معنى له. دعنا نتحاور:
أولاً: الشيوعيون واليساريون لم يكونوا كلهم قد ولدوا في عائلات تدين بالمذهب الشيعي في الإسلام، بل كانوا جميعاً يعملون في حزب عراقي بكل معنى الكلمة، التقوا فيه على حب الشعب والوطن، فهم مواطنات ومواطنون ولدوا في عائلات سنية وشيعية ومسيحية ويهودية ومندائية وكاكائية وشبك وغيرهم، من أتباع الديانات والمذاهب، كما التقى في هذا التيار الكرد والعرب والتركمان والكلدان والأشوريين والسريان والأرمن والفرس وغيرهم.. الخ، فهل كلهم كانوا من الكارهين لتلك النظم لأن قادة النظام من أتباع المذهب السني. وثانياً: هل تعتقد الآن حقاً بأن الشيوعيين واليساريين العراقيين خاضوا النضال ضد النظم الرجعية والاستبدادية السابقة للنظام الطائفي الحالي، لأنه كان نظاماً سنياً؟ أليس هذا تجاوز على نضالك ونضال بقية الشيوعيين واليساريين، وأنا منهم، وكل الذين أعمل معهم وناضلت وإياهم عقوداً كثيرة، ومن استشهد منهم، کان واقفاٌ كنخلة باسقة، هؤلاء كلهم لم يكونوا يوماً طائفيين أبداً، ولا يمكن أن يكونوا كذلك.
وثالثاً: هل تعتقد حقاً بأن نظام البعث كان نظاماً يمثل أتباع المذهب السني؟ وهل تعتقد أنه كان يعبر عن مصالح ومطامح أتباع المذهب السني؟ كلنا يعرف بأن النظام الدكتاتوري السابق قد مارس اضطهاد الشعب كله دون استثناء، لقد اضطهد الشيعة ليس لأنهم شيعة، من حيث المبدأ، بل لأنهم قاوموا سياساته ونهجه. وأنا أتحدث هنا عن أتباع المذهب الشيعي وليس الأحزاب الطائفية المقيتة التي تدعي دفاعها عن أتباع المذهب الشيعي، كما هو حال الأحزاب السنية التي تدعي دفاعها عن أتباع المذهب السني. النظام السابق كان نظاماً بعثياً قومياً شوفينياً يميناً مستبداً، ورئيس النظام كان دكتاتوراً فاشياً في الفكر والممارسة ونرجسياً وسادياً في آن، ولم يكن مؤمناً. وهو لا يختلف قيد أنملة عن الشخص الذي حكم العراق بعد إسقاط الدكتاتورية، سواء أكان الجعفري أم المالكي. ولهذا لا يجوز اتهام كل الشيوعيين واليساريين بأنهم كانوا يكافحون النظام السابق لأنه كان نظاماً سنياً، فهو حكم جائر ومخالف للحقيقة والواقع. وإذا كنت تعتقد بأن النظام السابق كان سنياً، فأنت مخطئ، كما إن النظام الحالي لا يمثل مصالح وطموحات أتباع المذهب الشيعي رغم انتخابهم له، لأن الأجواء والتخلف الاجتماعي وغياب التنوير الديني وضعف الحركة الديمقراطية هي التي تساعد في إعطاء أصواتهم لهذه الأحزاب الرثة. الشيوعيون وكل اليساريين والديمقراطيين ناضلوا بصلابة وعناد ضد الدكتاتورية البعثية وقبلها أيضاً، ولم يكونوا طائفيين أبداً. وهم اليوم ليسوا الآن بطائفيين ايضاً.
رابعاً، وهل تعتقد أن الشيوعيين اليساريين الحاليين كلهم من عائلات شيعية وليس بينهم من هم من عائلات سنية أو مسيحية أو كردية، لكي يتخذوا الموقف المهادن للنظام الطائفي بالعراق؟ لا اتفق معك في ذلك، وربما تختلف وأختلف في تقييم الوضع بالعراق مع الحزب الشيوعي أو مع قوى يسارية أخرى، ولكن لا يمكن أن يكون موقف هذه القوى والأحزاب ينطلق من نظرة طائفية لما هو قائم حالياً بالعراق!
ولكني لا اكتمك سراً حين أقول بأن الوضع الذي أعقب سقوط الدكتاتورية ونشوء نظام سياسي طائفي وقيادة الحكم بيد أحزاب إسلامية شيعية متطرفة في طائفيتها وانتقامية في سلوكها، كما في سلوك رئيس الوزراء السابق، أو في سياسات التحالف الوطني أو البيت الشيعي المناهض لوحدة الشعب على أساس المواطنة ويلتزم بالهويات الفرعية القاتلة، قد أبرز بعض الاتجاهات الطائفية لدى عناصر ديمقراطية ويسارية من عائلات شيعية، ولكنه أبرز أيضاً عناصر ديمقراطية ويسارية من عائلات سنية. وهو أمر مخالف للعقل والمنطق! ولكن هذا ما حصل وعلينا تسجيل هذه الظاهرة لمواجهتها والعمل على معالجتها. إلا إن هؤلاء في واقع الأمر قد تخلوا عن ديمقراطيتهم ويساريتهم لصالح الطائفة التي انحدروا منها بالولادة. إن هذا نوع شديد من الردة الفكرية والسياسية والاجتماعية، كما هو حاصل في المجتمع عموماً. كما إن بعض الديمقراطيين واليساريين قد اتجهوا صوب القومية، سواء العربية أم الكردية أم غيرهما، وهو امر لا يختلف عن الانحراف صوب الطائفة والتخلي عن المضمون الأممي، الذي لا ينفي القومية ولكن لا يجعلها قبلته الأساسية بل يحترم قوميته بقدر ما يحترم القوميات الأخرى ويعترف بحريتها وحقوقها المشروعة.
عزيزي الأستاذ منير، لم تكن دقيقاً، ولا أريد أن أقول غير منصف، في الإشارة إلى إن القوى والأحزاب لم تعترف بأخطائها الماضية. والسؤال: عن أي فترة تتحدث؟ إذا كنت تتحدث عن فترة حكم البعث، فقد أصدر الحزب الشيوعي العراقي مثلاً، تقييما خاصاُ لتلك الفترة، بغض النظر عن مدى قناعتك وقناعتي أو قناعة الآخرين به أو بجزء منه، كما إني نشرت كتاباً كاملاً عن هذه الفترة بعنوان" الفاشية التابعة في العراق"، إضافة إلى نشري كتاباً بـ 11 مجلداً فيه الكثير من النقد والنقد الذاتي لتلك ولنشاطي الشخصي. وهناك الكثير من الكتابات بهذا الصدد. فليس من العدل أن تهمل كلها ويتحول الأمر إلى تعميم وإطلاق لا مبرر لهما. كما إن الكثير من القوى والشخصيات اليسارية، وأنت منهم، قد نشرت انتقادات لاذعة لتلك الفترة والسياسات التي مورست فيها.
واليوم فالقوى الديمقراطية واليسارية لم تقف متفرجة على النظام الحالي، فهي تنتقد النظام بشدة وتطالب بتغييره وشجب الطائفية السياسية والتمييز، وهو كما يبدو ما تقدر عليه حالياً في الظروف التي تمر بها. وعلينا أن نعترف بوجود وجهات نظر متباينة في هذا الصدد، ولا يمكن أن أفرض وجهة نظري على غيري، فأنا أطرح رؤيتي للوضع وأقيمه واطرح استنتاجاتي والمهمات التي أرى ضرورة حملها. ولكن هل يمكنني فرض ذلك على الآخرين. علينا هنا أن نتحاور ونناقش الأفكار، وحسناً فعلت حين نشرت مشروعاً للمناقشة وسنضعه أمام الجميع لمناقشته وكذلك أمام من نريد أن يكون معنا أو نكون معهم لتغيير الوضع بالبلاد جذرياً أي ضد الطائفية.
اختلف معك أيضاً في أن القوى اليسارية التي تناضل ضد النظام الطائفي تستفيد من هذا الوضع، بل الواقع يقول بأن الوضع المزري يلحق الضرر بها وبالشعب العراقي كله، ولهذا من غير المعقول أن يستفيدوا من نظام طائفي مقيت. أما إن البعض يمكن أن يستفيد، فهو أمر ممكن، ولكن ليس على مستوى القوى والأحزاب اليسارية، إلا من فقد هويته اليسارية!
أما تقييمك لما حصل بالعراق في ظل هذا النظام الطائفي فلا أختلف معك بشأنه، وليس بين من أعمل معهم من أعضاء اللجنة التحضيرية من لا يتفق معك بذلك. فهو نظام فرط بشعب العراق وباستقلال وسيادة البلاد، وخضع قادة الحكم لنهج وسياسة إيران، في حين تسعى قوى أخرى للاستعانة بالسعودية وقطر وتركيا، وكل هذه الدول وقوى فيها لا تريد الخير للعراق وشعبه. ولهذا يفترض أن لا يبقى هؤلاء ولا الحكم الطائفي سائداً بالعراق.
رابعاً: جاء في رسالتكم مجموعة من المسائل التي لابد من التفريق بينها لمعالجتها كل على انفراد. لم يعقد منذ أشهر ببرلين أي مؤتمر عراقي أو عربي، بل حصل لقاء لتداول الرأي بشأن أوضاع منطقة الشرق الأوسط وشعوبها. وقد أشرت بشأنه ومن دعا له ومن شارك به وأغراضه في فقرة سابقة. وبصدد نادي الرافدين الثقافي ببرلين وأوضاعه بينت لكم رأيي أيضاً ولست جزءاً من مشكلات النادي.
ولكنكم طرحتم الموقف من منظمتين هما المنتدى العراقي لحقوق الإنسان، الذي تأسس ببرلين في عام 2013 وحضرت 21 منظمة عراقية من الداخل والخارج، والذي شاركتم في لجنته التحضيرية والذي أدان بقوة ووضوح النظام الطائفي ووضع توصيات العمل ضد الطائفية والشوفينية والتمييز الديني والمذهبي ...الخ. وكان دوركم ملموساً في الجانب الفني من المؤتمر على نحو خاص. كما إن الذين انتخبوا في المؤتمر كان بملء إرادة الحضور، ويمكن أن يتغيروا باستمرار، وهم ليسوا ممن لم تخلق أمهات أخرى غيرهم ليتولوا المراكز الشرفية الطوعية في هذه المنظمة، التي عملت للحصول على إجازة عمل لها بالعراق، وتناضل بعناد رغم كل الظروف ضد الطائفية والتمييز الديني والشوفينية ببغداد وأربيل وفي كل العراق. وتصدر عن المنتدى بيانات ومجلة شهرية من خيرة المجلات التي تصدر حالياً. ورئيس المنظمة منتخب من أعضاء المؤتمر وهو الأخ عبد الخالق زنگنة ومعه مجموعة من المناضلين في سبيل حقوق الإنسان ومشهود لهم بذلك، وسيعقد المؤتمر الثاني بأربيل في 29 و30/03/ 2017 ويمكنكم المشاركة فيه والترشيح للهيئة القيادية ومن يشترك فيه يتحمل أجور سفره ولكن المنتدى يتحمل نفقات إقامته وتغذيته من التبرعات التي وصلتنا من الأخ عبد الخالق زنگنة ومن أصدقاء ومؤيدين لقضايا الدفاع عن حقوق الإنسان والمجتمع المدني الديمقراطي العلماني، وهي تبرعات غير مشروطة وبغير التزامات.
أما هيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب في العراق، فكما تعرفون فقد بادرت شخصياً إلى تأسيسها في عام 2004 لتقديري الشخصي لما يمكن أن ينشأ من صراع ديني ومذهبي يفجره الطائفيون المتطرفون. ودعوت إلى عقد مؤتمر على الانترنيت وتحقق ذلك بدعم من أخوات وأخوة عراقفيين في الوطن والمهجر، وحصلنا على عضوية واسعة وتشكلت أمانة عامة لحين عقد المؤتمر الأول. وكنت أميناً عاماً لهذه الهيئة طيلة 10 سنوات، ثم عقد المؤتمر الأول بالسليمانية وقررت عد الترشيح رغم الضغط الودي الذي مورس معي لكي أرشح. وانُتخبت أمانة عامة جديدة طوعية العمل لا رواتب فيها ولا امتيازات بل صرف من الجيب وتعب وإنهاك ونتائج محدودة، بسبب الأوضاع المزرية ذاتها. ورئيس الهيئة الذي انتخبت هو الأخ المهندس الاستشاري نهاد القاضي. وأعضاء الهيئة كلهم ليسوا ممن لم تخلق أمهات آخرين مثلهم أو سواهم، بل هم مستعدون للتنازل أمام اخوات وأخوة أخرين يرشحون للمؤتمر الثاني الذي سيعقد في أيار/مايس من هذا العام (2017). وإذا كانت لكم الرغبة في الترشيح فسأكون أول من يساندكم لأني أعرف جديتكم حين تتسلمون عملاً اجتماعياً وأعرف نضالكم الوطني أيضاً. لو تابعتم عمل هذه الهيئة لوجدتم زيارات بعض اعضاء الأمانة العامة وأمينها العام، وأنا أيضا، كمستشار متطوع لها، وعلى حسابنا الخاص، للعراق وتقديم المساعدات الممكنة والتي جمعناها للنازحين، وخاصة للعائلات الإيزيدية والمسيحية وشرح أوضاعهم المريعة والمريرة. هذه المنظمات لم تشكل منذ ربع قرن، ولكن حتى منظمة الدفاع عن حقوق الإنسان بالعراق التي تأسست في عام 1995 ويترأسها الدكتور غالب العاني تساهم بتواضع في الدفاع عن حقوق الإنسان، وناضلت مع العراقيات والعراقيين ضد الاضطهاد السابق واللاحق بالعراق. أما منظمة الدفاع عن حقوق الإنسان في الدول العربية (أمراس) التي بادرت أيضاً في العام 1991 على تأسيسها بألمانيا وساندني فيها الأخ حامد فضل الله (السودان) ونبيل يعقوب (مصر) وغيرهم من العراق ودول عربية، ما تزال قائمة رغم تراجع نشاطها. لعبت دوراً مهما في أكثر من عقد ونصف العقد لمساعدة اللاجئين من الدول العربية والدفاع عن حقوق الإنسان بالدول العربية وكنت أميناً عاماً لها حتى عام 1995 وقررت بعدها عدم الترشيح ليحل محلي الأخ نبيل يعقوب من مصر ويتحمل مسؤولية أمانتها العامة. وهي منظمة عضوة في المنظمة العربية لحقوق الإنسان ومركزها القاهر. كل هذه المنظمات لم تكسب امتيازاً واحداً ولم تتسلم فلساً واحداً بل صرفت من جيبها على التلفونات والبريد وحتى السفر للمشاركة في مؤتمرات المنظمة العربية لحقوق الإنسان كان المشاركون يدفعون بطاقات سفرهم، إذ لم تكن المنظمة بحالة مادية جيدة.
هذه المجالات مفتوحة لمن يرغب العمل فيها وليس حصراً على أحد. وحين وجدت نفسي أقل قدرة على تقديم المطلوب، تركت مكاني لغيري، ويمارس هذا الموقف بقية أعضاء الأمانات العامة. فعلى سبي ل المثال لا الحصر انتخبت السيدة نرمين عثمان بأعلى الأصوات في المؤتمر الثاني لهيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب، ولكنها تنازلت لمن نال أعلى الأصوات بعدها لأنها رأت نفسها مغرقة بأعمال كثيرة ولا تستطيع إداء مهماتها على الوجه المطلوب. وانتخب الأخ نهاد القاضي لهذه المهمة ونشط فيها على أفضل ما تسمح به أوضاع العراقيات والعراقيين بالداخل والخارج. إن وجود أي منا في هذا الموقع أو ذاك ليس امتيازاً بل واجباً إزاء الوطن والشعب، ومن يجد الطاقة لديه للقيام بهذا الدور، فهو ليس مرحباً به حسب، بل ويستحق أن يأخذ الموقع المناسب له، املي أن يزداد عدد من يرغب بذلك.
خامساً: وبصدد المشروع الذي طرحته فأقول مرة أخرى حسناً فعلت بنشر المشروع الذي تراه مناسباً ليكون برنامج القوى الديمقراطية واليسارية في نضالها من أجل التغيير. وليكن مدار نقاشنا ونقاش بقية القوى الديمقراطية واليسارية. لا أريد أن أناقش مشروع البرنامج في هذه المقالة، بل سيكون موضع نقاشنا وسنرسله إلى بقية القوى التي نسعى للتعاون معها، مع قناعتي بتوفر الكثير من الأفكار والأهداف المهمة والتي يمكن الأخذ بها في أي مشروع يمكن أن يتفق عليه في المستقبل ليكون برنامج النضال المشترك من أجل عراق مدني ديمقراطي علماني اتحادي.
مع خالص الود والاحترام
د. كاظم حبيب
في 25/03/2017