المرأة بين الأنساق الثقافية وإكراهات التشريع الوضعي بالجنوب المغربي

لحسن ايت الفقيه
2017 / 3 / 24

يتأرجح وضع المرأة في جبال الأطلس الكبير الشرقي والهضاب المجاورة لها بين وقع الثقافة غير العالمة، ومع حملته الحداثة من قوانين وضعية. فالثقافة العالمة، بما هي منتظمة مقيدة في النسق الثقافي، قائمة على الاعتقاد والأسطورة، التقليد أبا عن جد. وأما القيود القانونية، بالمعنى الوضعي، ففرضتها الدولة الحديثة التي تضايق القبيلة في شأنها الثقافي. فأي المذهبين أقْصَد، القانون العرفي، أم العرف الثقافي التقليدي، القائم على أسس ثقافية قديمة؟ وأي النهجين يصمد العرف أم القانون الحديث؟
أولا- المرأة والنسق الثقافي
يتأسس النسق الثقافي لدى قبيلة ما بعد فترة من الاستقرار، وينهار بعضه أو كله، حين تمر القبيلة بمنعطف تاريخي، أي حين تتعرض لمؤثرات داخلية أو خارجية، طبيعية أو اجتماعية، ينتج عنها الفقر الديمغرافي أو الهجرة القسرية، بحثا عن مجال وظيفي آمن. ومن بين الظواهر التي تؤثر على القيم والرموز نجد الجوع والخوف والمرض.
ومن المعلوم، أن الهزات التي تضرب النسق الثقافي تستهدف القيم أولا، والرمز ثانيا. وفي تقديرنا، فصمود الرمز راجع إلى ارتباطه بالماضي الطوطمي البعيد للقبيلة. وعلى سبيل المثال، ينقرض الوشم حتى تنهار القبيلة كتنظيم، وتختفي هويتها العرقية في الميدان. والغريب أن المرأة وحدها هي التي تحمل الرمز في لباسها وفضاء رأسها. وتتحمل مشقة الدعاية وتلقين ثقافة المجتمع، تحت وصاية ورقابة الرجل. إنها المدرسة الأولى والثانية والأخيرة تربى الأطفال، وتحملهم، وتحمل الرمز، وتحرص على الحفاظ على النسق الثقافي، خصوصا في الأوساط القبلية المغلقة كما هو الحال بالأطلس الكبير الشرقي، أو بالقسم الجبلي الجنوبي من إقليم ميدلت، إن أردنا تحديد المنطقة إداريا. حقيقة أن بعض الرجال يشاركون المرأة في حمل ثقل الرمز، كما هو الحال لدى رحل «أيت عيسى يزم» التي تميز بين المتزوج والأعزب بواسطة الضفيرة. ويقال، إن رجال الأطلس كانوا من قبل يحملون الحلقات. ولقد وجدنا ثقوبا في أذان بعض الشيوخ في الستينات من القرن الماضي. ونسجل أن طائفة من رجال «أيت يحيى» ظلوا يلبسون الجلباب الأخضر، ليبينوا للعامة أنهم ينتمون إلى فخدة «أيت موسى». ونسجل أيضا أن الزي الذكوري لا يزال حاضرا لدى «أيت سغروشن» (حزام من الجلد- الخنجر- قميص طويل – نعل أحمر). ورغم ذلك كله، فهم النسق الثقافي تحمله المرأة وحدها. ولاغرو، فحضورها في الميدان في السلم والحرب واضح في التاريخ الشفوي والمدون.
تقول الرواية الشفوية: إن النساء يتبعن الرجال في المعارك يشجعنهم بالزغاريد، ولا يترددن في تلطيخ ثياب كل جبان خجول متخلف في الساحة الحربية بمادة الحناء، كسمة تظهره لشيخ القبيلة، الذي يتخذ ما يلزم في حقه. بناء على العرف. ولا نبالغ إذا قلنا، إن بعضهم يقتل من قبيل تشجيع الآخرين. إن لزغردة المرأة وقعا كبيرا في نفوس المحاربين، ترفع المعنويات، وتبعث روح المقاومة، وتجدد النفس، وترسخ الثقافة المحلية، وتنمي العصبية، وتجعل من الكرامة قيمة وغاية مثلى.
والزغردة من هذا المنطلق، صيحة فخر واعتزاز، من ميدان القتال إلى ساحة الأعراس، لصيانة النسق الثقافي. إنها إنتاج للانفجار العاطفي، ينبع من المأساة ويصب في الملهاة. ولا غرو، فالمرأة منهل المأساة والملهاة. لأنها أكثر معاناة من الرجل، وأكثرها حرصا على الحفاظ على وحدة الأسرة والمجتمع، تصون الرموز وتحافظ على القيم كما سبق القول. إنها حارسة النسق الثقافي الذي يشمل القوانين المستترة، التي يرجع إليها التنظيم القبلي.
ففي الأعراس تحضر كل رموز الحرب من تنظيم ومباغثة وكر وفر واستعداد للمواجهة وانتصار. تظهر الرموز في الرقصات الفولكرورية وفي حفلة الحناء والختان وليلة الزفاف.
1- الرقصات الفولكلورية مناورات حربية:
الاستعداد للفولكلور، (ترادف كلمة الفلكلور رقصة أحيدوس بالأمازيغية)، كالاستعداد لخوض إحدى المعارك، ولا وجود لأي فرق أو فاصل من حيث الاستعداد، بين الرقصة والمعركة. أمثلة كثيرة بالأطلس الكبير الشرقي يظهر فيها الراقص كالمحارب تماما. ففي حوض كبير، يصعب التمييز بين زي المحارب وزي الراقص. إذ لا يسمح لرجل ينتمي إلى قبيلة «أيت سغروشن» بالمشاركة في الفولكلور،«أحيدوس» بلا سلاح، الكل يحمل خنجره وينتعل نعلا أحمر شبيه بنعل المحاربين في العقود الماضية، ويمسك صدره بحزام أسود، كان يستعمل من قبل في حمل الرصاص.
ينتظم الفولكلور لدى «أيت مسروح» في حلقة مستديرة تحتل فيها المرأة مكانها بالتساوي والترتيب (رجل إلى جانب امرأة). ودورها كالمثل الصامت في الأفلام، لا تنطق بشيء. وللصمت حكمته هنا، فحضورها كان ليضفي نوعا من القدسية على الفولكلور ما دامت تحمل نسقا من الرموز، يعود بعضها إلى الماضي الطوطمي البعيد للقبيلة. وفوق ذلك فالفولكلور، الدائري ما هو إلا نسخة طبق الأصل للاستعراض الحربي. وبالتالي، لا معنى لصوت أو زغردة امرأة في مرحلة الاستعراض والاستعداد لوضع الصفوف.
ونسجل أن رقصة «أيت بودار» بمنطقة تالسينت تغيب المرأة إطلاقا لأن هذه الرقصة تعكس ما يحدث في ساحة الحرب (كر وفر وهجوم مباغث)، تردد أغان ذات مقاطع قصيرة تنسجم والحركات السريعة التي يقوم بها الراقصون مثلا.
A Rebbiljent
Ayediàezzan
Awiyighirs
تفسيره:
يارب، الجنة عزيزة،
أدخلي الجنة.
والزغردة مرافقة لحركات الراقصين المحاربين على الدوام. وباختصار، فالأمر لا يعدو أن يكون تمثيلا، الحرب في الميدان والرقص في المسرح! يقف الراقصون المسلحون بالخناجر على رجل واحدة فيقبلون ويدبرون تبعا لحركة شيخهم الراقص أمامهم، والموجه لحركاتهم.
ونسجل أن الحرب منعطف يدخل القبيلة في عالم الانغلاق، أو على الأقل يفرض عليها الوقوف مليا لمراجعة النسق الثقافي وخاصة الزي، والأعراس، والختان وبالطبع فالفكلور مناسبة للاحتفال بمراجعة النسق الثقافي بعد حرب أثرت كثيرا في نفوس أفراد القبيلة.
3- ليلة الزفاف موعد للتفاوض بين العريس والعروس
قبيل ليلة الزفاف تكون العروس مؤهلة لاستقبال زوجها بلغة الرمز. ولا غرو، فالنساء اللائي يتكلفن بإعداد العروس، يجري اختيارهن من خيرات المثقفات والمتفقهات في النسق الثقافي. ولا يعنينا الرمز الذي تحمله إلى بيت زوجها. فالمهم أن أهل العريس يقدمون لها طبقا يتضمن اللبن والسمن والتمر.
تلطخ عتبة المنزل بالسمن وتقدم التمر للحاضرين وتستعمل اللبن في المضمضة ثلاث مرات. غريب هذا الأمر، فاللبن مادة لا تقبل الوسخ إطلاقا، وبالتالي، حين تطهر بها العروس فمها فإنها تقطع على نفسها ألا تتفوه بكلمة شر وألا تفضح السر. وفوق ذلك فاللبن رمز الخصوبة، إذ لا شأن لأسرة بدوية، أو تقطن قرية زراعية لا تنتج هذه المادة. وقبل ذلك، لا معنى لامرأة في الوسط القبلي المغلق لا تنجب بالمرة، أو تنجب الإناث دون الذكور.
ولقد قيل في ذلك «بيت الرجال ولا بيت المال»، و«بيت النحل والمعز والبنات خالية ذات يوم»، وفي نطاق الدخلة دائما، نسجل أن العريس يخلو المنزل، كي لا تدخل عليه العروس. فإذا دخلت عليه فإن رجولته مهزوزة ويصبح مغلوبا على أمره بالقوة، جبانا لا شأن له في أسرته وقبيلته. والأكثر من ذلك. أن في الطقوس إجبارا للعريس باتخاذ إجراء شاذ، حيث يدعى لضرب العروس بنعله، قبل التحية. ويرمي هذا السلوك إلى تحطيم المرأة وتأزيمها من جهة، ومن جهة ثانية، فهو إجراء لامتحان شجاعة الرجل وقوته وقدرته على المواجهة.
ولسنا في حاجة إلى تكرار القول، إن الطقوس الحربية هي التي تكرر في ميدان العرس، تدعمها الزغاريد التشجيعية للنساء.
وبعد ذلك، يأتي دور خطير في العلاقات الزوجية، أو بالأحرى، العلاقات الإجتماعية بين أسرة العريس وأسرة العروس. فإذا نجح العريس في تحقيق الاتصال الجنسي الذي يوثق بمادة الدم، في منديل أبيض يسلم لرفيقات، العروس،«تيمسنايينTimsnayine»، فإنه منتصر إجتماعيا، محارب، شجاع، راشد، لأن للدم الأحمر مغزاه في الوسط القبلي، يعني أن الرجل ينحدر من أسرة محاربة، ويعني أيضا أن العروس تنحدر من أسرة محاربة إقطاعية ذات قيم محافظة آهلة لتساعد زوجها وتشجعه، وتدافع عنه. إنها من جانب آخر امرأة محصنة، منذ ليلة الزفاف، عفيفة، عالمة بواجباتها تجاه الأسرة والمجتمع.
إن طقوس الزفاف وجه التفاوض بين أسرتين محاربتين تنتهي بميثاق ينص على إدماج أسرة جديدة في الوسط القبلي، تقوم بواجبها، وتتحمل مسؤوليتها في المشاركة في الدفاع عن القيم، وعن المجال الوظيفي كلما دعت الضرورة إلى ذلك.
4- طقوس المعارك في معركة الختان
يتذكر الإنسان بالأطلس الكبير دوما ساحة القتال، في كل حفلة اجتماعية يهذر فيها الدم. ففي العقيقة تلقى خطبة المولود في بعض الأوساط، حيث يعرض على مسامع الصبي كل ما له علاقة بالنسق الثقافي للقبيلة مثلا: «أيها الصبي إنك ابن فلان وفلانة، ولدت في أسرة تعيش على الزراعة، كل شيء موجود في الدنيا، الجوع، والفقر، والغنى، والجاه، والسلم، وعليك باحترام والديك وطاعة قبيلتك، الاهتمام بإخوانك والحفاظ على دينك».
إن خطبة المولود ككلمة التأبين التي تلقى على الميت، لأن الخطاب موجه إلى من لا يسمع ولا يدرك. ورغم ذلك، فالخطاب يكتسب أهمية خاصة. إنه الاعتراف باستمرار مسيرة الحياة وخلودها، رغم التجديد المستمر للعناصر المشاركة فيها.
وفي حفلة الختان، تظهر البوادر الأولى لإدماج الطفل في المحيط السوسيو ثقافي. فمن بين الأغاني التي تردد في رقصة إجراء العملية.
Arebb ihdu baba xeyyi
Adig amghar ar ittenbad itaqbilt
A sidi rebbi
تفسيره:
يا رب احفظ «بابا خيي».
حتى يصبح شيخا، يتحكم في أمور القبيلة،
يا سيدي، بارب.
وتذهب قبائل «أيت سغروشن» أبعد من ذلك، حيث تخصص شوطا للعراك، وتبادل الضرب بقضبان من قصب، معركة رغم ما يحيط بها من هزل، تسبب جروحا مؤلمة.
تلك بعض المشاهد الحربية في الحفلات، تؤكد أن زغردة المرأة ليست بالضرورة رمزا للفرح، كما يفهم. إنها صيحة تشجيعية تنبع من وسط مؤلم، ومن ذات تعاني من المآسي، وتطمح إلى بناء مجتمع مستقر آمن مزدهر. لنقدر هذا المجهود الذي تقوم به المرأة في مجتمع ذكوري مقهور.
ثانيا: المرأة وثقافة الخوف والهزيمة
تشكل المقابر مصدر الكثير من الإشاعات. ولأن بساط الدفن رمز الفناء فهي تختزل كل ما له علاقة بالموت ويهدد البقاء. ونستشهد ببغلة القبور لما لها من تأثير على الخيال الشعبي. وقد حان الوقت لتفصيل القول في هذا الكائن الأسطوري وغيره من الكائنات التي تشكل مصدر الخوف والترهيب في أوساط قبلية مقهورة.ونستدرك بالقول، إن المجتمع المغربي لا يستقر حتى يخلق مصدر خوف يرهبه بين الحين والآخر، فمن عيشة قنديشة إلى الغولة، إلى لالة ميمونة، كلها أساطير تشكل أرضية لصناعة الإشاعات خلقت البلبلة في المجتمع المغربي بعض الوقت. ولا غرو، فمجال (اللوغوس) ضيق للغاية لأن مجتمعنا لم ينجح بعد في فرض السيطرة الكاملة على الطبيعة ودحض الخرافة والشعوذة والأسطورة ،أو على الأقل، لم ننجح في التقليل من حدة الأخطار التي تهلك الحرث والنسل كالفيضان والإعصار والجراد والتخلف والأمية.إن ضعف الإنسان يفرض التعامل مع العالم غير المنظور وذلك هو بيت القصيد. وتعد المجتمعات الواقعة في مواطن العزلة من بين المجتمعات التي تحتكم إلى (الميثوس) ولا ترجح كفة (اللوغوس) إلا نادرا. فالشبح حاضر بالليل والنهار وفي السر والعلن,، وللجن دوره في مسرح الحياة لدى الكثير من المغاربة. وباختصار، تتكون ثقافة هذه المجتمعات، أساسا، من الجوانب غير المنظورة التي ترتبط بعالم الجن والمخلوقات النورانية.و من المعجزات المرهبة المنبعثة من العالم غير المنظور بغلة القبور. ولقد قيل الكثير عن هذه البغلة التي لم يشك في وجودها إلا القليل من المستنيرين. ولكل تمثله للبغلة المذكورة، بل هناك من زعم بالباطل أنه شاهدها بأم عينه. ولا يفيد الاستشهاد المفتقر إلى الأساس في تغليب الظن في وجود هذا الكائن، فقد تبين أن الكل أريد من حكاية بغلة القبور أن تصبح حقيقة حفاظا على سلامة الحريم من النساء بالأوساط المتقوقعة أو على الأقل ضمان استقرار النساء في مرحلة الانتقال من نمط الترحال إلى الاستقرار.فالبغلة كما صورها الخيال الشعبي تشبه البغلة /الحيوان في شكلها لا في لونها وحجمها تحمل بين رجليها سلاسل حديدية تحدث بها خريرا مسموعا يتجانس وحركاتها السريعة , تفزع بها من تصادفه ولا أحد تحدث عن هجومها. تخرج في منتصف الليل وتختفي قبيل تباشير الصباح. تختفي في الليالي الظلماء أو حين يفتقد البدر لأنها لا تطيق الظلام الدامس والأماكن التي يغشاها ظل القمر. وبغلة القبور نوعان، النوع البشري والنوع الشبحي. فالنوع الأول حسب الخيال الشعبي ينطبق على أرملة لم تحافظ على حصانتها وقت العدة, أو على الأقل تجرأ على الخروج ليلا، والحال أن العرف الاجتماعي يفرض عليها التزام المنزل من غروب الشمس إلى مطلع الفجر. والمرأة في الأوساط المغلقة التي تفسر الإسلام من زاوية الانغلاق والتقوقع, ليست راشدة، ولا وجود لسن الرشد لديها.لذا فالموعظة أو الإرشاد لا ينفع هنا.و لذا لابد من تشديد العقوبة بتوظيف الخيال الشعبي. ويجمع الكل أن المرأة الأرملة إذا تجرأت على الخروج ليلا لغاية ما, فإنها تتحول إلى بغلة القبور. ونضيف أن التحول المزعوم ليس نهائيا حيث يدوم من منتصف الليل إلى مطلع الفجر في الليالي المقمرة. ففي بداية الليلة التي من المتوقع أن تعرف طواف بغلة القبور، تقوم المرأة المصابة بهذا النوع من ( اللعنة) بإحضار طعام العشاء لأبنائها في وقت مبكر ثم تفتح الأبواب استعدادا لوقت معلوم لا يسمح لها وضعها بالقيام بأي فعل بشري. وحيث إنها تتنبأ بما سيحدث لها، توصي أبناءها بالتزام الهدوء إن تبين لهم وضع غريب في المنزل في وقت ما. وفي ساعة الخروج تتبدل صفة الأرملة,فتتمدد الأطراف العليا والسفلى ويكسوها وبر حيواني ثم يطول العنق وتتغير كل صفاتها.ولما يتم التحول الكلي تخرج إلى الهواء الطلق لتفزع المارة وتصبح حديث العام والخاص في الأيام المقبلة. أما النوع الشبحي فهي في الأصل امرأة ميتة يتحول روحها إلى هيكل بغلة تتجول في الليل.وابتدع الخيال الشعبي أيضا طريقة التعرف على كلا النوعين، إذ يكفي غرس السكين في التراب لإرجاع بغلة القبور إلى أصلها: فإن كانت حية فستظهر امرأة معلومة يعرفها العام والخاص من سكان القصر(الدوار). وإن كانت من النوع الشبحي فستختفي ويعود الروح إلى القبر، وبالطبع فالأرواح لا تدركها العين المجردة. ذلك هو مجمل ما يروج عن بغلة القبور في الجنوب الشرقي المغربي. وبغض النظر عن الطابع الأسطوري لما جمعه الخيال الشعبي عن بغلة القبور ذات الأصل البشري المادي أو الأصل الروحي, ودون التساؤل عن حقيقة العالم غير المنظور الذي يصعب إثبات علاقته بالمشخص ،أو بالأحرى، ربطه بالأبعاد المعلومة، الطول والعرض والارتفاع والزمكان .وبغض النظر عما له ارتباط بما وراء علم النفس (البارابسيكولوجيا)، يمكن الوقوف عند بعض الاستنتاجات.ذلك أن ما يلاحظ عن معظم الحكايات من هذا النوع ندرة المذكر بالمرة، فلا وجود لكائن يسمى بغل القبور، ولا وجود لعيشة قنديشة بصيغة المذكر. وببساطة لا يمكن محاسبة الرجل على سلوك مخالف للعرف أو الدين والقانون كما تحاسب المرأة.ولأنها تحمل ثقافة المجتمع في زيها ووشمها وشعرها ,فسلوكها غالبا ما يشكل مصدر خير للعشيرة أو شر لها وكل خطأ في سلوكها يصدر عنه رد فعل تطبعه الوقاحة والانحطاط و الانحطاط و الإهانة. وتلك إحدى مواصفات المجتمع الذكوري المغلق. والعجيب، أن ما يصيب المرأة في الدنيا لا يتوقف في الآخرة، فالروح تستمر في الظهور في قرب بساط الدفن على شكل بغلة القبور، طيلة مدة يصعب تحديدها. ومما لا شك فيه أن الهدف من هذه الحكاية دعم التحصين والتقوقع والانغلاق. فالمجتمع المتقوقع لا يقبل سوى المحصنات من النساء المستقرات في المنازل. وبالتالي، فالمرأة إذا زاغت في الأشهر الأربعة الأولى من موت زوجها واستفادت من لذة جنسية غير مشروعة، فإن الحمل الناتج عن ذلك يسند للفقيد , لذلك تأسست فكرة إنتاج حكايات الخوف والترهيب لتلجيم الأرامل، كي لا يخرجن عن طاعة المجتمع. وباختصار، إذا كان فضاء خارج المنزل محرم على النساء المحافظات فكل من خالف منهن قاعدة التحصين والتحريم ستصبح بغلة القبور بالقوة,تلك إحدى حكايات المجتمع الذي ينزع نحو الاستقرار والانغلاق. ويفيد ذلك أن الانتقال من مرحلة إلى أخرى يستصحب معه إشاعة لضمان استقرار المرحلة الجديدة بالترهيب, بعد مراجعة النسق الثقافي. بئس العقاب الذي يلحق المرأة في وسط مهمش مكبوت مقموع. و أخيرا كانت البغلة رمز العقم أي لا علاقة لها بالنسل والإخصاب، فإن المرأة التي لا تعترف بكونها حرث الرجال داخل مؤسسة الزواج العشائري أي أداة النسل والإخصاب فإنها تتحول بالقوة إلى بغلة عقيمة مرفوضة من طرف المجتمع. وكثيرا ما همشت الأرامل إن كن من صنف بغلة القبور.ويعنينا من قصص بغلة القبور كما أنشأها الخيال الشعبي أن المجتمع المغربي يخلق دوما مصدر الخوف لضمان التكتل والتكافل والتعاون ولإنتاج وضعية يبتغيها ضمير الفئة السائدة. وقد حان الوقت لاستبدال بيئة الخوف والإشاعة والهزيمة في المجتمع إلى بيئة الصمود والتحدي ومواجهة الكثير من الأمراض الناتجة – هذه المرة- عن زيغ المخططين ورجال السياسة، لا عن زيغ النساء بالخروج إلى ميدان العمل قبل التردد على فضاء النزهة. فلا لإرهاب الإشاعة والدعاية ولا لمن يستغلها لتعميق ثقافة الخوف والهزيمة.
ثالثا – المرأة وإكراه التشريع
لا شك أن المتتبع لمضامين حاشيات «مدونة الأسرة» أعني من قيل عن متنها وما كتب حولها من تفسيرات وانتقادات سيلمس طغيان المرجعتين الدينية والحداثية إن صح التعبير- ومعنى ذلك أن المدونة شأن يهم شريحة اجتماعية ساعدها الحظ لتستفيد من الثقافة العالمة، وتملك قدرة التعامل مع النص بالتفسير والتأويل والاجتهاد فوق أنها تنخرط في تنظيمات سياسية ومدنية تمكنها من تبليغ رسالتها عبر وسائل الاتصال وتسمح لها بممارسة الضغط وفرض المقترحات. وباختصار، فالمدونة متأثرة برياح الحداثة داخل قفص الدين، ولا وجود لمن يعرف بمرجعية ثالثة داخل الثقافة غير العالمة، ثقافة الرمز والقيمة والعرف في جبال الأطلس والريف. ولا نبالغ في القول إننا في مجتمع عرفي وإن المتشبثين بالنص الديني أو المستنشقين لرياح الحداثة يشكلون فئة قليلة في المجتمع المغربي، وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة وفرضت رأيها. لذلك، وجب الوقوف قليلا، إن كان فضاء النقاش حول المدونة يسمح بنقطة نظام.
1- قدرة المجتمع المغربي على التشريع:
لم يكن التشريع جديدا في شأن الأسرة لأن المغاربة تأثروا كثيرا بالرومان، ولا تزال المساطر الرومانية حاضرة في معظم التشريعات. ولا غرو فالأعراف المدونة وغير المدونة في الأوساط القبلية المعزولة في الجبال تحوي بنودا تحمي المرأة وتعترف لها بحريتها التي يتسع فضاؤها أحيانا ليشمل الحرية الجنسية, و هذه الأعراف لا تزال حاضرة و لنقتبس ما يفيدنا منها في هذا المجال:
- «كل من أفرط في استغلال المرأة, سيدفع 100 مثقال» (المادة 5 من عرف بوذنيب).
- «كل من ارتكب فاحشة اتجاه امرأة, سيدفع نصف ريال» (المادة 30 من العرف المذكور).
- « كل من زنا سيدفع اثنين 02 دورو Douros إن بلّغت المرأة أمره» (المادة 45 من العرف المذكور).
- « في حالة ما إذا تفاهم الرجل والمرأة واستقر رأيهما على ارتكاب الزنا، سيدفع كلاهما نفس الغرامة» (المادة 46 من العرف المذكور).
- « إذا تحرش رجل متزوج بامرأة، سيدفع 2 دورو» (المادة 12 من عرف آيت عشا)(01).
- « المرأة التي تسب رجلا، تدفع مثقالا واحدا، والعكس صحيح» (المادة 22 من عرف أزغو (باكنور) (02).
- « المرأة التي تسب رجلا أمام الملأ ستدفع مثقالا واحد» (المادة 21 من عرف تولال) (03).
- « من اغتصب امرأة محصنة, 400 مثقال » (المادة 14 من عرف آيت يزدك).
- « إذا تعلق الأمر بمطلقة أو بنت 200 مثقال » (المادة 15 من العرف المذكور) (04).
نلاحظ أن العرف المدون بالأطلس الكبير الشرقي، يحمي المرأة بشكل أكثر صرامة من القانون. ونلاحظ أن العبارات الموظفة في المواد العرفية مختلفة في حمولتها من عرف إلى آخر، من قرية إلى أخرى، فمن السب إلى التحرش الجنسي، إلى الزنا إلى الاغتصاب. ومن الأعراف ما يسقط المسؤولية في جرائم الجنس على المرأة, و يحملها للرجل. و في بعض الأوساط تسقط المسؤولية على الطرفين المطلقة من النساء والأعزب من الرجال. ومرد التباين في العبارات المذكورة، إلى اختلاف في مستوى تقييد المرأة، أعني مستوى الانغلاق و الانفتاح (05).
والحفر في الأعراف سيبين أن واضعي المدونة والمدافعين عنها والمهاجمين لم يستحضروا أن بالأوساط المغربية تشريعات وجب أخذها بعين الاعتبار دفاعا عن الهوية الثقافية المغربية، وبمعنى آخر، فالاعتراف بالأمازيغية، يعني الاعتراف بالنسق الثقافي الأمازيغي. ونسجل أن هناك عادات تمنح المرأة حريتها في اختيار زوجها بممارسة الحب البارد، «تقرفيت» بالأطلس الكبير و«أسقر» جنوب الأطلس الصغير، وينبغي الاعتراف بهذه العادات وإخراجها من نطاق التحرش الجنسي.
2- ثقافة الدم وزواج القاصرات:
تتغذى الأرواح في اعتقاد بعض القبائل بالدم، والدم البشري أكثر جاذبية للأرواح من دم البهائم(6)، ومعنى ذلك أن دم الحيض ملاذ الأرواح الشريرة لذلك تفضل معظم القبائل التي تحمل الزي الأبيض استقبال العروس في بيت الزوجية قبل بلوغها سن انطلاق العادة الشهرية كي لا تحمل في جسمها أرواح تبتغي التغذية من النزيف الشهري فتهلك أسرة العريس أو على الأقل تحمل معها الحظ التعيس في الإنجاب والإنتاج والاستقرار. أما دم افتضاض البكارة والذي يحدث موقعا للأرواح فلا يصمد أمام دم الكبش الذي يذبح قبل نزول العروس. أما القبائل ذات اللون الأسود فتفضل التأخر بعض الوقت لأنها هي التي تحدد مناصب الزواج إن كان نظام الأعراس جماعيا «أسدي» بالأمازيغية. فحينما يكون الموسم الزراعي واعدا ويسود الرخاء ويتوافر الزرع والضرع والذبائح السمينة، فإن عدد مناصب الزواج ترتفع وحينما يجف الجو يفتح مجال الزواج للمتأخرين فقط «أمبورن» بالأمازيغية. وفي جميع الأحوال فالزواج المتأخر غير مقبول وبالتالي، فالتعديل الذي حملته مدونة الأسرة نشاز في كثير من الأوساط القبلية. صحيح أن الدخل غير الزراعي الذي استفادت منه الكثير من الأسر قد أثر سلبا على تنظيم الأعراس الجماعية ذلك أن الإمكانيات المادية المتوفرة تغني الكثير من الأسر من الانخراط في الأعراس الجماعية وتعفي القبيلة من تحديد المناصب الشاغرة وفتحت المجال أمام الزواج اللاعشائري Exogamie في الكثير من النقط العمرانية، ورغم ذلك يحتج الكل على الجديد الذي تحمله المدونة.
3- العقود و القيود:
الزواج مؤسسة تقوم على الدم، و الدم أسلوب من أساليب التعاقد إن لم يكن هو أصل كل تعاقد أو رابطة، وحسب علمنا فالتحالف القبلي لا يصمد أمام الزمان، إذا لم يتأسس على الدم، و على سبيل المثال يأخذ الخاتم قوته و قدسيته من الختان و هي سنة تعود إلى النبي إبراهيم ورد ذلك في التوراة في النص القائل: و قال الله لإبراهيم: أما أنت فتحفظ عهدي بيني وبينكم، يختتن كل منكم كل ذكر...» (7) وللإشارة فقط فالزواج عند المغاربة اليهود يتأسس على ثلاثة أركان: التقديس, كتابة عقد الزواج, صلاة البركة و يقضي التقديس أن يعطي الرجل المرأة «بمحضر شاهدين خاتما» (8) ولقد احتل الخاتم مكانة في الخطوبة لدى المغاربة المسلمين في وقت يصعب تحديده، وافق ظهور العقود المكتوبة سلسلة جبال الأطلس الكبير الشرقي طلوع فجر التصوف الطرقي المؤسس على شكل زوايا. ومعلوم أن الزاوية التي تعتمد كثيرا على النص أو بالأحرى الثقافة العالمة في معاملاتها تحرص أشد الحرص على التعاقد المكتوب. ولا عجب فمعظم النقط العمرانية القديمة لا تزال تختزن وثائق تنظم العلاقات بين القبائل والسلطة المركزية أو تحوي حدود المجال الوظيفي للعشائر وحقوقها في الاستغلال و التنقل، أو تتعلق بالإراثة أو ما يسمى القسمة، و حيث إن الزاوية لا تفتأ تصلح ذات البين بين الأشخاص و القبائل فإنها توثق كل معاهدة صلح تشرف عليها أو تعرض عليها الأطراف التي وضعت حدا لنزاعها لتصادق عليها و تضفي عليها طابع التبرك. و باختصار لم يحدث أن شملت العقود النساء لأنهن ملك للعشيرة سواء كانت تؤمن بالزواج العشائري Endogamie أو اللاعشائري Exogamie. ومع دخول المستعمر الفرنسي جرى توثيق معظم أعراف الجنوب الشرقي المغربي وظهرت المحاكم العرفية التي ينظمها ظهير 16 مايو 1930 وأضحت الأحوال الشرقية كلها تحت إشراف لجنة قضائية تضم مستشاري القبائل. وحيث إن الظهير المذكور يشترط اعتماد العرف في حل نزاعات الأحوال الشخصية فإن الكثير من القبائل تعاملت مع المحاكم العرفية واستحسنتها وظل البعض محافظا على الشفوية حتى بداية الاستقلال. والغريب أن الشفوية صمدت بالأطلسين: الأطلس الكبير الشرقي الأطلس الكبير الأوسط حتى منتصف التسعينات من القرن الماضي (9).
الهوامش:
01- آيت عشا إحدى فروع قبيلة آيت يزدك يقطنون بواد كير و بواد زيز.
02- أزغو أو باكنو إحدى قرى آيت عيسى بواد كير.
03- المقصود بتولال هنا المجموعة القروية الكائنة بواد كير.
04- أنظر لحسن آيت الفقيه –المرأة المقيدة- منشورات شركة أوداد للاتصال – مطبعة فضالة المحمدية- 2002 ص 13.
05- المرجع نفسه.
06- لحسن آيت الفقيه، إملشيل جدلية الانغلاق والانفتاح، مركز طارق بن زياد للدراسات والأبحاث، مطبعة إمبريال يوليوز 2001 ص 47 وما بعدها.
07- تكوين: 16-09-13, انظر كذلك سيد محمود القمني, النبي إبراهيم و التاريخ المجهول, الناشر: مكتبة مدبولي الصغير 1995 ص12.
08- عبد الوافي مدفون: مؤسسة الزواج عند المغاربة المسلمين و اليهو مجلة مسالك- العدد الأول ربيع 2004 ص44.
09- ظلت عشيرة آيت بندق إحدى بطون آيت عبدي معزولة عن المؤسسة بمفهومها الحديث و بعيدة عنها, و في سنة 1992 حمل التقطيع جيدا يقضي إلحاق آيت بندق بجماعة إملشيل القروية أو بالأحرى إقليم الرشيدية, و للإشارة فقد كانوا من قبل يتخبطون في أهوال العزلة بأقصى شرق إقليم أزيلال.