كتاب ««كذلك كان..» مذكرات من تجربة هيأة الإنصاف والمصالحة» المغربية: هل الكتاب سيرة ذاتية، أم عمل في الذاكرة، أم كتاب التاريخ الراهن؟

لحسن ايت الفقيه
2017 / 3 / 24

رسمت هيأة الإنصاف والمصالحة منعطفا تاريخيا، وإن اختلف في نعته وتقديره، لصلته بالعدالة الانتقالية. لكن طغيان الذاكرة على الفترة يكاد يزيح اهتمام المؤرخ جانبا، ويفتح المجال للذات، وتقدير الأنا. وليس هناك شك يخامر أي نفس في أن التاريخ سينصف أولئك الذين لم يذكرهم أحد. من هذا المنطلق يظهر «كذلك كان..»، وهو كتاب يكاد يجمع مذكرات من تجربة هيأة الإنصاف والمصالحة التي لونت العدالة الانتقالية المغربية بلون آخر. وللمذكرات وثيق الصلة بالأستاذين امبارك بودرقة وأحمد شوقي بنيوب، وضمنها إشارات واسعة لأشخاص ساهموا في صنع الحدث، لكن السكوت مس أشخاصا آخرين كأنهم لم يكونوا ولم يساهموا في ذلك الحدث الذي كان، [شريطة ألا يكون كان فعل ماض ناقص، في هذا السياق]، وإن ظل بعضهم قائما يمارس العمل الحقوقي إلى حدود يومه. ولم تتردد المذكرات في إنطاق الأموات والحديث بلسانهم، ولا عيب في ذلك لأن الذاكرة لا تستقيم إلا بالنبش.
وما وراء ستار الموت، ونسيان ذكر بعض الأحياء عن غفل أو تغافل، يكاد الكتاب يشبه سيرة ذاتية للكاتبين. وإنه في مجال السيرة يطلق العنان للذات لتثني على نفسها، وتثني على من تريد، وتنسى، والإنسان صورة من صور النسيان. وما كان لأحد أن يلوم صاحبه بالسؤال: لما شهدت علي؟ أو، لماذا أغفلت عن ذكر كذا؟. لا لوم على خطيئة النسيان، إن كان النسيان خطيئة، ولا لوم على من أقدم لكتابة مذكراته أو ذاكرته. لكن اللوم قائم، إذا قلنا، ونعتنا قولنا بأنه هو الحقيقة: «كذلك كان.....». ورغم ذلك، بدا أن للعبارة مدلولها، إذ العمل ليس، في معظمه، إلا نقلا موضوعيا لما تضمنته التقارير التي أعدتها هيأة الإنصاف والمصالحة، وتعرضت للنخل، واختير منها ما يرضي رغبة القاريء، ويناسب المناسبة والسياق، وسيبرز ما تضمنته التقارير الأخرى لما تقع بيد مؤرخ، لا يهمه سوى إرساء الخبر.
والكتاب صادر عن دار النشر المغربية، عين السبع الدار البيضاء لكاتبيه الأستاذ امبارك بودرقة واحمد شوقي بنيوب، وهو «مذكرات من تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة»، صدر في طبعتين: الطبعة الثانية صادفتها في شهر فبراير من العام 2017، والطبعة الأولى ظهر قبلها في شهر يناير من العام 2017. وصدور الكتاب في طبعتين متتابعتين دليل على أهمية الكتاب، وعلى رغبة القارئ المغربي معرفة المرحلة. والكتاب «كذلك كان...مذكرات من تجربة هيئة» في 494 صفحة من الحجم الكبير، يحوي ملحق الصور، وفهرس الأعلام ونص «المصادقة على النظام الأساسي لهيئة الإنصاف والمصالحة، فضلا عن أربعة أبواب أريد لكل باب أن يحمل اسم «الكتاب» على شاكلة الكتب القديمة، وفي البدء استهلال. غلاف الكتاب أزرق من إنشاء الفنان التشكيلي الأستاذ محمد شعبة لفائدة هيأة الإنصاف والمصالحة بوصفه- وقتها قبل مماته- مستشارا لها بمناسبة إعداد جلسات الاستماع العمومية، على طريقة العدالة الانتقالية ومنهجها والكتاب تدوين لمذكرات، وبالتالي يحق نعته بالعمل في الذاكرة الذي سيفيد المؤرخ المغربي للتاريخ الراهن. ولما كان أمر الكتاب مذكرات أتت لتجيب عن أسئلة إشكالية، (انظر صفحة 13) فإن المجال ليس رحبا لتمييز الكتاب، ومناقشته من حيث الموضوعية وكلنا يعلم أن الفرق بين صناعة الذاكرة وصناعة التاريخ شاسع للغاية، فالصناعة الأولى ذاتية والثانية تروم، وجوبا، الموضوعية. وفي الأسئلة التي يعالجها الكتاب عبرة، كنحو: « أكانت توصية هيئة الإنصاف والمصالحة «مسرحية» أفتى بها النظام السياسي، أم أنها نتيجة مخاض؟». إنه سؤال يغشى مضامين الكتاب (الباب) الأول. وخُص الكتاب الثاني لمعالجة «تحدي سؤال الكشف عن الحقيقة، أكان مجرد ذرء للرماد، أم أنه بحث أركيولوجي في تراب ما جرى في ماض الانتهاكات؟» ويعرض الكتاب الثالث الرحلة الكبرى «إلى الصحراء كأول عملية جراحية بمبضع معايير حقوق الإنسان....»والقسم الرابع من الكتاب معالجة لكل «ما لم تقاربه الكتب السابقة، مما تبقى من أسئلة العدالة الانتقالية، على مستوى اختيار أعضاء الهيأة وتعويضهم وآلية اتخاذ القرار وجبر الأضرار وضمانات عدم التكرار وحفظ الذاكرة والتواصل مع محيط الهيأة» ذلك هو الكتاب موجزته المسطورة في الصفحة الرابعة من غلافه والذي أتى في سياق وصفه المؤلفان «أن ووجهت هيأة الإنصاف والمصالحة، زمان ولايتها، وبعد رحيل قائدها إدريس بنزكري،«ما نديلا العرب» كما وصفه حقوقي مغاربي، بجملة من أسئلة كانت تختبر في المنطلق وفي المنتهى مشروعية وجودها وشرعية نتائجها ولهذه الغاية، تجيب هذه المذكرات»، المذكرات التي استغرقها الكتاب «من خلال أقسام أربعة، اختار لها صاحباها كعناوين «لفظ الكتب عن أسئلة إشكالية»» سلف بسطها أعلاه (أنظر الصفحة 4 من الغلاف وص 13 من الكتاب). وإن الأسئلة التي يعالجها الكتاب من صنف الأسئلة التي يمكن لأي مؤرخ أن يطرحها، ويمكن جمعها في سؤال واحد «هل العدالة الانتقالية المغربية منعطف تاريخي يجسد انتقالا في تاريخ المغرب من طور إلى آخر؟»، وليس مطلوبا لهذا الكتاب بما هو عمل في الذاكرة أن يجيب على السؤال، أو الأسئلة من نوعها، ولكنه عمل ذو سياق يؤسس لعمل المؤرخ. وفوق ذلك تراءت «هيأة الإنصاف والمصالحة تنتمي إلى المشترك الإنساني للعدالة الانتقالية» (ص XII)، وبناء الكتاب «كذلك كان....» يقوم على الأسانيد والمصادر كنحو المحاضر الرسمية، والمسودات الخطية، والتدوينات الخطية الشخصية، و«استوجبت المسؤولية الأخلاقية في بناء هذا النص»، يقول المؤلفان، «الابتعاد عن الأحكام التي لا تسندها العوامل الموضوعية، والسعي ما أمكن إلى أن يكون متنه مقنعا» (ص XIV). لقد خاطب الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي أعضاء الهيأة، هيأة الإنصاف والمصالحة. يوم الإعداد لدخولها المركز السري السابق «درب مولاي الشريف»، وفي لقاء حصل بين أعضائها بالصدفة: «إنكم تكتبون الفصل ما قبل الأخير من المعركة الشرسة من أجل الديمقراطية». فما هو الفصل الأخير في المعركة؟ إنه ما مهدت لحركة 20 فبراير، وما حصل سنة 2011 ذلك أن دستور فاتح يوليوز من السنة المذكورة سجل لحقوق الإنسان، ودسترة لتوصيات هيئة الإنصاف والمصالحة. فالكتاب، في جميع الأحوال، وثيقة لا يمكن للمؤرخ الاستغناء عنها.
حظي كتاب «كذلك كان....مذكرات من تجربة هيأة الإنصاف والمصالحة» باهتمام كبير لدى المتتبعين للشأن الحقوقي المغربي والتاريخي وأضحى مادة صحافية تجرس به المنابر الإعلامية أمدا بعيدا في شهر يناير من العام 2017:«موقع هسبريس، وموقع فبراير كوم، وجريدة أخبار اليوم، عدد 2189 وجريدة الاتحاد الاشتراكي الملف الأسبوعي الصادر تحت عدد 11530، وعدد يوم 25 يناير 2017، وجريدة بيان اليوم العدد 8017، وجريدة الأحداث المغربية عدد6114»، ونظم بالمكتبة الوطنية بالرباط جلسة تقديم الكتاب يوم الخميس 19 من شهر يناير من العام 2017«بحضور وزراء أولين سابقين، في مقدمتهم الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي، والسيد إدريس جطو والأستاذ عباس الفاسي» (صXXV)
- وذيل الكتاب الطبعة الثانية منه بشهادات تقدره من زوايا متعددة:
- «إنه كتاب يضم أكثر من كتاب (أربعة كتب في كتاب- وعدة ملاحق) وفهرس أعلام، وملحق صور أساسية، توثيقي بامتياز»، الدكتور حسن نجمي(صXXV)
- «كتاب مرجعي، فكري،، الأول من نوعه الذي ينجزه مناضلان من ألمع وأهم عناصر النخبة الحقوقية المغربية: عباس امبارك بودرقة وأحمد شوقي بنيوب» المرجع المذكور.
- «في الكتاب عدد وافر من المداخلات البيوغرافية، أقصد تلك الجوانب الثرية والنادرة من سير حياة عدد من الأبطال والشهداء والمناضلين الذين يدين لهم المغرب الديمقراطي بما قدموه من تضحيات جسيمة، من حرياتهم وجسومهم (أجسامهم)، وراحتهم وطمأنينتهم وممتلكاتهم المادية والرمزية، سواء في السجون أوفي المنافي، ومنهم من قدم حياته قربانا للمغرب الذي كان يلمع في أحلامه ومخيلته وفي مرآة روحه» المرجع المذكور.
- «تمكنت هيأة الإنصاف والمصالحة من تنظيم أكبر عملية اهتمام بالذات وبالذاكرة في تاريخ المغرب المعاصر. وفي غضون سنتين»، ما بين 2003 و2005«أطلقت دينامية جماعية»، محمد نور الدين أفاية (XXVIII)
- «للجانب البلاغي حضور كبير في بناء كتابة هذا الذي كان فلاهي بكتابة متخصصة حررها مؤرخ، أو كتابة سردية صاغها روائي، أو مجهود قام به فيلسوف السياسة. لقد قدم الكاتبان وقائع وتفاصيل لا تقدر الذاكرة، وحدها على استحضارها، أو على تثبيت صورها، خصوصا حين يتعلق الأمر بصور وتفاصيل مؤلمة» المرجع نفسه ص XXIX
- «قد يبدو البعد الاخلاقي حاضرا في مقاربة هذا الموضوع. وهذا صحيح لان لحظة الانتقال إلى الديمقراطية في كل الحالات، تحتاج إلى درجة كبيرة من السمو ومن اخلاق الاعتراف بتأسيس رأسمال ثقة جديدة يمثلا قوة دفع لدولة حديثة تقر لناسها بصفة المواطنة وتنشر قيم التمدن والعدالة والحرية» (المرجع نفسه ص XXX).
ورغم التقديرات الإيجابية فالكتاب ليس من السلامة بمكان فقد يراد منه إبراز شخصيات معينة، والاكتفاء بالإشارة إلى بعضها ونسيان ذكر شخصيات كانت انقطعت للتحري، وإن شئت للتنظير، قد يعود التاريخ إليها لينصفها. ولنستشهد ببعض الأمثلة فإرجاع فكرة «مشروع توصية هيأة الحقيقة والمصالحة» التي عرضت على الدورة الثامنة عشرة للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان التي انعقدت يوم 10 من شهر يوليوز من العام 2003 11 منه «والتي خصص موضوعها الرئيسي لدراسة مشروع توصية إحداث هيأة للحقيقة والمصالحة» التي عرضت على الدورة الثامنة عشرة للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان التي انعقدت يوم 10 من شهر يوليوز من العام 2003 و11 منه «والتي خصص موضعها الرئيسي لدراسة مشروع توصية إحداث هيأة للحقيقة والمصالحة» (ص 15) إلى الأشخاص معينين موقف مبالغ فيه. وكلنا يتذكر أن للمنتدى المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف دورا في تعميق النقاش في مجال العدالة الانتقالية، والمرافعة من اجل إعمالها بشكل مباشر، أو غير مباشر، وقد نظم المنتدى مناضلوه رحلة احتجاجية إلى معسكر تازمامارت يوم 07 من شهر أكتوبر من العام 2000 ورحلة أخرى إلى إملشيل. ولمهندس العدالة الانتقالية المغربية دوره في بلورة الفكرة ليأتي، مشروع التوصية من بعد، التوصية بإحداث هيئة للحقيقة والمصالحة وهو «جواب تاريخي عن حاجة ماسة للدولة والمجتمع إلى حقوق الإنسان، وجواب عن موجبات حمايتها، من الانتهاكات ومن الإرهاب الذي يعتبر العدو الأول لحقوق الإنسان وللحياة» كما ورد في مرافعة الأستاذ شوقي بنيوب دفاعا عن مشروع التوصية إبان دورة المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان المذكورة (ص 16).