كيف يكون الأصولى من التنويريين؟

طلعت رضوان
2017 / 3 / 22

كيف يكون الأصولى من التنويريين؟
طلعت رضوان
لفت نظرى أنّ المتعلمين المصريين (والعرب) المحسوبين على الثقافة السائدة، دأبوا على تصنيف بعض الأصوليين (ضمن التنويريين) رغم أنّ مرجعيتهم هى المرجعية الدينية، أى أنهم – فى نهاية المطالف - من الأصوليين، وكان أشهرمثال على ذلك الشيخ محمد عبد ، لمجرد أنه كان (يجتهد) فى بعض الأمورالخلافية التى كان غيره من الأصوليين يعترضون عليها، مثل رأيه فى موضوع الربا (الإسلامى) حيث أباح التعامل مع البنوك.. إلخ رغم أنّ الرجل كان يستشهد بالقرآن والأحاديث والتاريخ الإسلامى فى كل ما كتبه.
أشاد كثيرون من المُـتعلمين المصريين (المحسوبين على الثقافة المصرية السائدة) بالإمام محمد عبده (1849- 1905) واعتبروه ((من المُجدّدين العظام فى الفقه الإسلامى)) وصنــّـفه آخرون على أنه ((من الليبراليين)) وبالغ كثيرون فوضعوه فى ((قائمة التنويريين)) وكل ذلك لمجرد أنه ((كان من دعاة الإصلاح)) كتبوا ذلك وهم يعلمون أنّ تخصصه كان فى إطار الدين الإسلامى والدفاع عنه ، وخصوصًا ما كتبه (عن إصلاح المحاكم الشرعية) إذْ أنّ من بين مؤلفاته (رسالة التوحيد) ، (الرد على هانوتو: وزير خارجية فرنسا) ، (الإسلام والنصرانية بين العلم والمدنية : رد على أرنست رينان) و (شرح نهج البلاغة للإمام على بن أبى طالب) وبالتالى فإنّ مؤلفاته هى عناوين اهتماماته وتوجهاته ، أى أنه حصر نفسه فى (دائرة الدين) والسؤال الذى تغافل عنه المُـتعلمون المصريون : هل وُجد (على مدار التاريخ الوسيط والحديث كاتب واحد يمكن تصنيفه على أنه من الليبراليين أو التنويريين رغم مرجعيته الدينية) ؟
ونظرًا لأنّ أية كتابة جادة وأمينة لابد وأنْ تكون على أكبر قدر من الموضوعية، لذلك فإننى أعترف بفضل الإمام محمد عبده فى اجتهاداته التى تــُخالف رأى كثيرين من الأصوليين الذين هاجموه ورفضوا فتاواه ، مثل موقفه من المرأة ، حيث كان مع استقلالها فى العمل والمال والاقتصاد. ومثل رأيه فى المذهب الوهابى ، حيث ذكر أنّ الوهابيين ((غلوا فى بعض المسائل غلوًا أنكره عليهم سائر المسلمين)) (مذكرات الإمام محمد عبده- كتاب الهلال- مارس1993- ص62) وأشاد بموقف الخديو إسماعيل ومساعيه للتخلص من الوزيريْن الأوروبييْن (الإنجليزى للمالية والفرنسى للأشغال العمومية) (المصدر السابق- ص 69) وعن اللائحة التى تـُنظم عمل الجريدة الرسمية كتب أنّ سياستها قامت على أنّ ((القدح الشخصى ممنوع على وجه الإطلاق ، وأنّ من وسائل (تهذيب الجرائد الوقوف عند حدود الوقار فيما تكتب مع إطلاق الحرية لها فى تبيين الحقائق وكشف وجوه الخطأ والصواب دون خوف)) (ص107)
وعندما دخل الأزهر فى شبابه رأى أنّ ((حفظ المتون أهم ما يهتم به التعليم فى الأزهر، حتى شاع عند أهله ((أنّ من حفظ المتون حاز الفنون، وكانت هذه المتون تـُحفظ قبل دراستها بغير فهم ، وهذا يدل على أنهم كانوا لا يهتمون بالفهم كما يهتمون بالحفظ ، وكان أصحاب هذه المتون يتنافسون فى سبيل الإيجاز، حتى صارتْ عباراتها غامضة معقدة ولا سيما إذا كانت منظومة. وكان لهذا أثره فى شيوع الغموض والتعقيد فى التأليف ، حتى صارتْ تلك الشروح فى حاجة إلى حواشٍ تـُفسر ما فيها من غموض ، ثم صارتْ تلك الحواشى فى حاجة إلى تقارير تشرح الحواشى ، فكان على الطالب أنْ ينتقل من المتن إلى الشرح ومن الشرح إلى الحاشية ومن الحاشية إلى التقرير، لذلك لم يمكث الشيخ محمد عبده فى الأزهر إلاّ نحو ثمانية عشر شهرًا وهو لا يفهم شيئـًا مما يدرسه الشيوخ له ، فترك الأزهر ورجع إلى بلده. وبعد أنْ نضج محمد عبده عمل على إصلاح الأزهر، ومكث عشرة أعوام يتعهده ويرعاه وكتب عن تلك التجربة ((إنى بذرتُ فى الأزهر بذرًا إما أنْ ينبتْ ويُـثمر ويؤتى أكله المغذى للروح والعقل ، فيحيا حياة جديدة ، وإما أنْ يقضى الله على هذا المكان قضاءه الأخير)) ومن ذلك يتبيّن أنّ محمد عبده شنّ حربًا على جمود الأزهر ((فلقى الأزهريون من ثورته عليهم ما لاقوا ، ولقى هو من ثورتهم عليه ما لقى)) وعندما جادله الشيخ محمد البحيرى وقال له : إننا نـُعلم الطلبة كما تعلمنا فقال محمد عبده ((وهذا ما أخاف منه)) وأضاف ((إننى لم أحصل من العلم إلاّ بعد أنْ مكثتُ عشر سنين أكنس من دماغى ما علق فيه من وساخة الأزهر، وهو الآن لم يبلغ ما أريده له من النظافة)) (تاريخ الإصلاح فى الأزهر- تأليف الشيخ عبد المتعال الصعيدى- هيئة قصور الثقافة- عام 2011- من ص57- 65) ورغم التشابهات الكثيرة بين محمد عبده ومصطفى كامل خاصة فيما يخص (المرجعية الدينية الواحدة التى جمعتْ بينهما) فقد كان محمد عبده لا يؤازر مصطفى كامل ويختلف معه (المُجدّدون فى الإسلام- تأليف أمين الخولى- هيئة الكتاب المصرية عام 2001- ص167) وهذا المثال الأخير يؤكد أنّ محمد عبده رفض التطابق ، حتى مع أمثاله من أصحاب المرجعية الدينية.
ولكن ذاك العقل الحر المستقل توارى وخبا وانهزم أمام جمال الدين الإيرانى الشهير ب (الأفغانى) والذى اعتبره محمد عبده أستاذه ، خاصة عندما طلبه الأفغانى ليعمل معه فى مجلة (العروة الوثقى) الأسبوعية فى باريس والمدعومة من الحكومة الفرنسية. وكان عبده عمره 22سنة. وكانت رسالة (العروة الوثقى) توحيد المسلمين فى كل مكان فى العالم ، وفق منظور طوباوى مريض على طريقة (الأممية الشيوعية) فكان من بين مقالات المجلة الدعوة إلى تسليح المسلمين ((لاستعادة الحكم الإسلامى على جميع أنحاء الأرض التى كانت مسلمة يومًا ما والاستيلاء على أجزاء من إسبانيا ووسط أوروبا والأراضى التى سقطتْ فى أيدى المسيحيين أو أية ديانات أخرى . واستغلتْ بريطانيا تلك الدعوة ورحّـبتْ بها (لعلم الخبراء البريطانيين باستحالة تنفيذ ذلك) ولذلك شجـّعتْ توجه الأفغانى ومحمد عبده فى تعبئة المسلمين من أجل تحقيق (الخلافة الإسلامية الجديدة) الخلافة التى يمكن أنْ تـُـقوّض دعائم الامبراطورية العثمانية المتعثرة والتى أطلق الغرب عليها ((رجل أوروبا المريض)) ولعلّ هذا ما يُـفسّر الصداقة التى تمّتْ بين محمد عبده واللورد كرومر (الاستعمارى الإنجليزى) وأصبحا محل ثقة كل منهما ، وبالتالى أصبح كرومر هو المسئول عن محمد عبده وساعده ليكون رئيس لجنة التنظيم بالأزهر، ثم رئيس تحرير الجريدة الرسمية المصرية وتعيينه فى المجلس التشريعى المصرى وأصبح من الأعضاء البارزين فيه ، حيث يستمع الجميع إلى رأيه باحترام شديد كما كان عبده رئيسًا لمعظم لجان المجلس التشريعى.
ونظرًا لانبهار محمد عبده بشخصية الأفغانى لذلك وصفه بأنه ((الحكيم الكامل ، الحقيقة المُـتجسدة ، الأستاذ المحترم المقدس)) كما أنّ التلميذ (عبده) ردّد أفكار أستاذه (الأفغانى) بلا أدنى استقلالية فى التفكير فكتب ((إنّ الدين وحده هو القادر على توحيد الأمة. وتجسيد الوعى الوطنى . ودعم التضامن بين مختلف عناصر المجتمع)) (نهضة مصر- تأليف د. أنور عبد الملك- هيئة الكتاب المصرية- عام 83- من ص403- 411) وعند مناقشة كلام عبده فإنّ العقل الحر يسأل سؤال كل الأحرار: أين هو ذاك المجتمع الذى كان الدين فيه هو الوحيد القادر على توحيد الأمة.. الخ))؟ ولو أننا إزاء أمة يعتنق شعبها دينـًا واحدًا ، وبشرط أنْ يكون دينـًا قوميًا نبع من الثقافة القومية ، لكان للعقل الحر أنْ يتقبل كلام عبده ، وحيث أنه كان يُخاطب شعبنا متعدد الديانات ، وأنّ ديانة الأغلبية هى الإسلام ، فمعنى ذلك أنه استبعد المصريين (المسيحيين) وهو المعنى الذى عبّر عنه الأفغانى عندما خاطب الشعوب على أساس دينى فطالب من المسلمين أنْ ((يعتصوا بحبال الرابطة الدينية التى هى أحكم رابطة اجتمع فيها التركى بالعربى والفارسى بالهندى والمصرى بالمغربى وقامت لهم مقام الرابطة الجنسية)) (العروة الوثقى 24/8/1884) وكتب أيضًا ((لا جنسية للمسلمين إلاّ فى دينهم)) (العروة الوثقى 26/7/1884) وكرّر ذات المعنى فكتب ((وقد علمنا وعلم العقلاء أجمعين أنّ المسلمين لا يعرفون لهم جنسية إلاّ فى دينهم واعتقادهم)) (العروة الوثقى 14/8/1884) أما أخطر ما روّج له فهو محاولة اقناع الشعوب بالاحتلال الأجنيى وعدم مقاومة الاستعمار تأسيسًا على قاعدة (الرابطة الدينية) التى ألحّ كثيرًا فى الترويج لها فكتب ((... هذا ما أرشدنا إليه سير المسلمين من يوم نشأة دينهم إلى الآن ، لا يتقــّيدون برابطة الشعوب وعصبيات الأجناس وإنما ينظرون إلى جامعة الدين ، لهذا نرى المغربى لا ينفر من سلطة التركى ، والفارسى يقبل سيادة العربى ، والهندى يذعن لرياسة الأفغانى ، لا اشمئزاز عند أحد منهم ولا انقباض)) (العروة الوثقى 28/8/1884)
ومحمد عبده الذى كتب أنّ الدين وحده هو القادر على توحيد الأمة ، لم ينتبه لخطورة كلام أستاذه الأفغانى الذى كتب ((يجب على المسلمين أنْ يرفضوا كل ولاء وطنى وكل انتماء وكل اخلاص للوطن الأصلى)) ولكن بعد أنْ عاد محمد عبده إلى مصر، فإنّ آراءه ومفاهيمه عن الوطن بدأتْ تتجه اتجاهًا مغايرًا ، وفى تحليله لتلك المرحلة من حياة عبده الصديق والحليف لكرومر، كتب د. أنور عبد الملك ((.. ومع ذلك نجد فى كتابات محمد عبده صدى للأفكار السياسية الوطنية التى تحل تدريجيًا محل أفكار الجامعة الإسلامية)) ونقل ما كتبه محمد عبده ((وجملة القول أنّ فى الوطن من موجبات الحب والحرص والغيرة ثلاثة تـُشبه أنْ تكون حدودًا الأول : السكن الذى فيه الغذاء والوقاء والأهل والولد. والثانى: أنه مكان الحقوق والواجبات التى هى مدار الحياة السياسية. وهما حسيان ظاهريان . والثالث : أنه موضع النسبة التى يعلو بها الإنسان ويعز أو يسفل ويذل وهو معنوى محضًا)) بل إنّ مفهوم الوطن تطور أكثر فكتب ((أبتْ الحوادث إلاّ أنْ تـُـثبت لنا وجودًا وطنيًا ورأيًا عموميًا)) وكان تعليق د. أنور عبد الملك ((ونستطيع أنْ نـُحدّد أنه كلما ابتعد محمد عبده عن الأفغانى كلما عثر على مصريته كاملة)) (مصدر سابق- ص423) ولكن د. عبد الملك (المُعجب بكل من الأفغانى وعبده) هدم صياغته البديعة (عثور عبده على مصريته) حيث كتب ((وأولى نتائج فكر محمد عبده هى حظر أو اعاقة ممارسة أى فلسفة وأى فكر يريد أنْ يستقل عن إطار الدين)) ولم يكتف بذلك وإنما أضاف ((ومحمد عبده بتحديثه للدين التقليدى هو الذى ردّ له فاعليته وجعل منه ما أراد له أنْ يكون: أى الرابطة الوحيدة التى تـُوحّد الأمة بعروة وثقى لا تنفصم . الفلسفة الوحيدة المقبولة ، لأنها فلسفة وطنية ومتفقة مع الأصول والمصادر)) (ص429) أى أنّ د. عبد الملك مع الأصوليين الذين يرون ذات الرأى حول دور الدين وأنه هو (الرابطة الوحيدة للأمة) وأكد ذلك عندما تناول الجانب الثالث من فكر عبده فكتب ((إنّ محمد عبده لا يهدف إلى إقامة دولة ذات سيادة مستقلة ، ديمقراطية وحديثة ، وإنما يسعى إلى بعث جماعة وطنية عن طريق الدين ، الدين المُـتكيف مع الحياة الجديدة ، لا عن طريق النقد التاريخى العلمى ، وإنما بالرجوع إلى أصول الإسلام ومصادره)) (430) ووصل اعجاب د. عبد الملك بالأصولية الإسلامية لدرجة وصفه للجانب الرابع من فكر عبده فكتب أنه ((رفض التاريخية والنقد العلمى والعودة للماضى . والحقيقة أنّ محمد عبده يبدأ بهذه النقطة الأخيرة، فمنهج التجديد يعتمد على الرجوع إلى المصادر، على نحو ما تميّزتْ به جميع المذاهب الرومانسية ، إلاّ أنّ الرجوع الذى نحن بصدده يبغى الأصالة والادراك السليم ، وعلى ذلك فإنّ التطور التاريخى القادم يُعتبر انعكاسًا للأمام ، لتركيبات العهود الماضية وعقليتها، وبالتالى لمجد هذه العهود)) (431) وفى الفقرة التالية كان د. عبد الملك أكثر وضوحًا فكتب ((وبذلك يختط محمد عبده مفهومًا ثيوقراطيًا للمجتمع المصرى ولمستقبل مصر)) ولو أنه توقف عند ذلك ، فكان من اليسر على القارىء أنْ يفهم أنّ هذا موقف إدانة منه ولكنه لم يتوقف فأضاف ((أولوية الدين ، الأيديولوجية الوطنية ، النزعة العلمية ، البراجماتية ، رفض كل جدلية ، الرجوع إلى الماضى ، يُـخفف فيه ويلطفه الادراك السليم : تلك هى الفلسفة التى انتهتْ من خلال مدرسة المنار والإخوان المسلمين ، بالانتصار على أيدى هيئة الضباط الأحرار بقيادة عبد الناصر فى يوليو52)) ووصف ما حدث فى ذاك التاريخ الكارثى ب ((الثورة الوطنية)) (434) وبينما د. عبد الملك كتب ((نستطيع أنْ نـُحدّد أنه كلما ابتعد محمد عبده عن فكر الأفغانى كلما عثر على مصريته كاملة)) فإننى أستعير صياغته بعد تعديلها لتكون ((نستطيع أنْ نؤكد أنه كلما ابتعدنا عن فكر الأصوليين كلما عثرنا على مصريتنا كاملة))
والإمام محمد عبده عندما ردّ على وزير خارجية فرنسا قال ((هل خطر على بال مستر هانوتو أنْ يجعل ما لله لله وما لقيصر لقيصر؟ كما أوصى الإنجيل. وهل رأى مثالا لذلك فى المدنية الآرية التى ناختْ مع الدين الإسلامى؟ العيان يدلنا أنّ شيئــًا من ذلك لم يحدث ، فإنّ هذه المدنية إنما هى مدنية الملك والسلطان ، مدنية الذهب والفضة. مدنية الفخفخة والبهرج ، مدنية الختل والنفاق ، وحاكمها الأعلى هو الجنيه عند قوم والليرة عند قوم آخرين ، ولا دخل للإنجيل فى ذلك)) كتب عبده ذلك وهو يعلم (بحكم قراءته للتاريخ العربى/ الإسلامى) أنّ الخلفاء المسلمين فعلوا نفس الشىء ، لدرجة أنّ الخليفة العباسى أبى جعفر المنصور ((كان أول من أحدث تقبيل الأرض بين يديه والتحجب عن الرعية والترفع عليها)) (الشيخ عبد المتعال الصعيدى فى كتابه "المجددون فى الإسلام"- مصدر سابق – ص74) وعندما كتب هانوتو أنّ أوروبا ((لم تتقدم إلاّ بعد أنْ فصلتْ السلطة الدينية عن السلطة المدنية)) ردّ عليه محمد عبده ((هذا صحيح ولكنه لم يدر ما معنى جمع السلطتيْن فى شخص عند المسلمين ، فلم يعرف المسلمون فى عصر من العصور تلك السلطة الدينية التى كانت للبابا عند الأمم المسيحية. الخ)) وعبده هنا يُخالف ضميره ، لأنّ القاعدة الثابته فى التاريخ العربى/ الإسلامى أنّ الخليفة ((ظل الله على الأرض)) ونفس الشىء كرّره عبده وهو يرد على أرنست رينان .
وفى المناظرة التى تمّتْ بين عبده وفرح أنطون فى موضوع (اضطهاد العلماء فى النصرانية والإسلام) استشهد عبده بما جاء فى الإصحاح العاشر من إنجبل متى حيث ورد فيه ((لا تظنوا إنى جئتُ لألقى سلامًا بل سيفـًا، فإنى جئتُ لأفرّق الإنسان ضد أبيه والابنة ضد أمها والكنة ضد حماتها)) وكتب عبده أيضًا أنّ ((الإصلاح البروتستانتى لم يكن أكثر تساهلا من الكنيسة الرومانية ، فإنّ (كالفن) أمر بإحراق سيزفيت فى جنيف وأحرق فايتى فى تولوز سنة 1629 وكان لوثر أشد الناس إنكارًا على من ينظر فى فلسفة أرسطو، وكان يُلقب هذا الفيلسوف بالخنزير الدنس الكذاب)) (نصوص المناظرة فى كتاب ابن رشد وفلسفته- دار الطليعة للطباعة والنشر- بيروت- عام 1981- من ص132- 135) فكان تعليق فرح أنطون أنّ ((حجة الإسلام الإمام الغزالى فى كتابه (تهافت الفلاسفة) كفــّر سقراط وبقراط وأفلاطون وأرسطو وأمثالهم وأنهم ((تجمّـلوا بإعتقاد الكفر)) وكتب الغزالى أيضًا ((وأقومهم بالنقل والتحقيق من المُـتفلسفة الإسلامية الفارابى وابن سينا ، فلنقتصر على إبطال ما اختاراه ورأياه الصحيح من مذاهب رؤسائهم فى الضلال)) وكتب عبده فى رده على مقولة (الفصل بين السلطتيْن فى المسيحية) : ((كيف يتسنى للسلطة المدنية أنْ تتغلب على السلطة الدينية وتقف بها عند حدها ، والسلطة الدينية تستمد حكمها من الله ثم تمد نفوذها بتلك القوة إلى أعماق قلوب الناس وتـُديرها كيف تشاء)) (ص136) فكان رد فرح أنطون أنّ معنى التساهل هو أساس المدنية الحاضرة والمعنى عند الفلاسفة ((هو المعنى الذى استعملناه له : أنّ الإنسان لا يجب أنْ يُدين أخاه الإنسان ، لأنّ الدين علاقة خصوصية بين الخالق والمخلوق . وإذا كان الله يُشرق شمسه فى هذه الأرض على الصالحين وعلى الأشرار، فيجب على الإنسان أنْ يتشبّه به ولا يُضيّق على غيره لكون اعتقاده مخالفـًا لمعتقده . فليس إذن على الإنسان أنْ يهتم بدين أخيه الإنسان أيًا كان لأنّ هذا لا يعنيه. والإنسان من حيث هو إنسان فقط ، أى بغض النظر عن دينه ومذهبه ، هو صاحب حق فى كل خيرات الأمة ومصالحها ووظائفها الكبرى والصغرى حتى رئاسة الأمة نفسها. والإنسانية هى الإخاء العام الذى يجب أنْ يشمل جميع البشر. والمسلمون يُسمون جاحدى الأديان (زنادقة) وهم يوجبون قتلهم حتى أنّ ابن رشد نفسه أوجبه. والمسيحيون يُسمون هؤلاء الجاحدين (كفرة) وهم يوجبون استئصالهم من بين الناس . ولذلك قتل الاكليروس المسيحى منكرى الأديان فى زمن ديوان التفتيش فى إسبانيا (وكذلك) قتل المنصور (الزنادقة) القتل الذى أشار إليه الأستاذ الإمام محمد عبده. ولكن من التناقض الغريب أنّ الأستاذ حلــّـل هذا القتل والتمثيل فى الإسلام وحرّمه فى المسيحية. فهل الفضيلة والرذيلة تتغيّر وتتبدّل بتغير الزمان والمكان؟ أما العلم فإنه يُحرّم الأمريْن معا. فهو يقول لقاتلى الزنادقة فى الإسلام وقاتليهم فى المسيحية أنكم كلكم مخطئون فى قتل من تـُسمونهم زنادقة ، وإنْ كان هؤلاء قد أخطأوا فإنّ قتلهم خطأ. ذلك أنّ الحياة التى منحها الله للبشر لا يجوز لإنسان أنْ يُسلبهم إياها بأية حجة كانت . لكل ذلك يجب الفصل بين العلم والدين ، لأنّ العلم يُدافع عن حق الإنسان المجرد كل الدفاع ، والدين لا يطيق التساهل إلى ذلك الحد خوفـًا على نفسه)) (من 141- 143) وكتب أنطون أيضًا أنّ الدين ((متى خرج عن وظيفته القلبية النزيهة وفضائله الأساسية صار آلة فى أيدى الرؤساء وأصبح واسطة لاضعاف الشعوب واسقاطها بدلا من تقويتها وانهاضها)) (ص158)
وفى نهاية تلك المناظرة التى تمّتْ على صفحات مجلة (الجامعة) كتب عبده أنّ العالم ((سيلجأ إلى المدنية الإسلامية فى المستقبل)) وجاء فى مجلة المنار المُـدافعة عن محمد عبده أنّ ((الأمة الإنجليزية الحرة إذا درستْ الإسلام درسًا صحيحًا فإنها تدخل فيه أفواجًا. وإذا دخلتْ فى الإسلام فإنها تملك بالمسلمين الشرق كله ولا يبعد أنْ تملك بهم الغرب أيضًا)) (ص185) وكان من تناقض عبده أنه كتب ((إنّ الأمة الإنجليزية هى الأمة الوحيدة التى تعرف كيف تحكم من ليس على دينها ، فالأمة المسيحية تـُقدّر التسامح ، وأنّ هذه الخصلة الشريفة أخذتها من المسلمين)) (192) فكان تعقيب أنطون أنّ ((مدنيات الأمم لا تتوقف على الدين بل على العلم ، وأنّ الأمم (الوثنية) كاليابان إذا سلكتْ سبيل العلم والنواميس الطبيعية ارتقتْ مدنيتها على كل مدنية حتى مدنية الذين يعملون بقواعد الإنجيل والقرآن حرفـًا ومعنى دون أنْ يشتغلوا بالعلم لأنّ الدين شىء والدنيا شىء آخر، وآلة الإصلاح فى كل منهما تختلف عن آلة الآخر، فكيف إذن يصح أنْ يُقال أنّ الإنسانية ستعود كلها إلى القرآن فى المستقبل كما يقول الأستاذ (عبده) وأنها ستعود كلها إلى الإنجيل كما يقول رؤساء الدين المسيحى؟ كلا ثم كلا. إنّ الإنسانية طـُبعتْ على التنوع والاختلاف ولابد من هذا التباين فى المعتقدات)) (ص191)
ظلّ محمد عبده مُـلتزمًا بمرجعيته الدينية (وهذا حقه) وبسبب تلك المرجعية تغافل عن المفهوم العلمى لمعنى (الدولة) التى يجب أنْ تكون محايدة تجاه مواطنيها ، بغض النظر عن دياناتهم ومذاهبهم، لذلك يصعب تصنيفه ضمن التنويريين ، كما كتب بعض الماركسيين فى مغالطاتهم . وربما أعجب البعض بنقده للأزهريين مثل الشعر الذى كتبه فى مذكراته ((ولستُ أبالى أنْ يُـقال محمد/ أبلْ ، أم اكتظتْ عليه المآتم/ ولكن دينـًا قد أردتُ صلاحه/ أحاذر أنْ تقضى عليه العمائم)) أى أنّ كل همه (إصلاح الدين) وكأنّ الدين شىء مادى قابل للإصلاح ، ولهذا ضيّع على نفسه فرصة أنْ يكون أحد المُـفكرين ، وأصرّ على أنْ يكون أحد رجال الدين.
***