سياسات الاستبداد والإرهاب والقسوة تميز نهج الدكتاتور -المسلم- بتركيا!

كاظم حبيب
2017 / 3 / 21

نزع الدكتاتور الجديد في العاصمة أنقرة عن النقاع الذي ارتداه طيلة السنوات المنصرمة منذ أن وصل وحزبه، حزب العدالة والتنمية إلى السلطة بتركيا، قناع الإسلام الحديث والعلماني، القناع الذي استطاع به خداع العالم الغربي، الذي كان يريد أن يُخدع، إذ كان الغرب يعرف منذ البدء أن رجب طيب أردوغان عضو بارز في جماعة الإخوان المسلمين على صعيد التنظيم العالمي للإخوان المسلمين ومسؤولهم الأول بتركيا. كما أراد أن يخدع المسلمين العرب، بل حتى جمهرة طيبة من العلمانيين العرب، الذين رأوا في سياساته نهجاً جديداً يمازج بين الإسلام والحداثة والعلمانية، حتى طرح البعض "طريق تركيا للإسلام!". وقد نجح أردوغان في "خطته الجديدة المؤقتة" ليكرس مكانته ودوره بتركيا، حين طرح طريقاً آخر غير الحرب لحل المسألة الكردية بإقليم كردستان تركيا ووافق على إيقاف القتال الذي اقترحه حزب العمال الكردستاني، وحاور بالواسطة مع القائد الكردي عبد الله أوجلان، إذ حصل على تأييد الغرب الواسع وبدأت مفاوضات دخول تركيا في الاتحاد الأوروبي. ومن هنا انتعش الاقتصاد التركي وحقق نتائج واضحة برزت في زيادة حجم الاستثمارات السنوية وزيادة فرص التشغيل وتقليص البطالة وارتفاع معدلات النمو الاقتصادي وتحسن في مستوى معيشة المنتجين وفئات البرجوازية الصغيرة والفلاحين وارتفعت صادرات تركيا صوب الدول الأخرى.
إلا إن الإيديولوجية الإسلامية والشوفينية القومية التي تميز أردوغان وغالبية حكام تركيا من جهة، وأحداث الشرق الأوسط وما حصل في الربيع العربي واندحار الإخوان المسلمين بمصر وتراجع نفوذهم بتونس وفي دول أخرى من جهة ثانية، قد دفعت باردوغان إلى الكشف عن وجهه الإسلامي الإخواني المتطرف والمتخلف والقبيح إلى الواجهة من جديد، فنشأ تحالف جديد في المنطقة اقطابه تركيا والسعودية وقطر، وبدعم من تنظيم الإخوان المسلمين الدولي، ودول الخليج الأخرى، مما ساعد على نشوء الأوضاع الكارثية الراهنة بسوريا، حيث استغل هذا التحالف النهوض الثوري للشعب السوري لبناء الدولة المدنية الديمقراطية بالتأثير على جمهرة من قواها الداخلية، وتنشيط قوى داعش الإرهابية في كل من سوريا والعراق، مما فسح في المجال إلى سقوط الموصل في أيدي الداعشيين القتلة مستفيدين من السياسات الطائفية الشرسة التي مارسها رئيس الوزراء السابق نوري المالكي بالعراق وإزاء محافظات غرب العراق والموصل.
ثم تسارعت وتيرة التراجع والسقوط في حمى الشوفينية والعنصرية التركية إزاء الشعب الكردي بكردستان تركيا فتخلى عن الحل السلمي وراح يمارس الحملات العسكرية ضد الكرد، وانتهك بفظاظة الحدود العراقية لضرب القرى والأرياف الكردية بذريعة وجود مواقع يقول إنها لحزب العمال الكردستاني في جبال قنديل والقرى الكردستانية العراقية.
ثم راح يدعو الدكتاتور الجديد لنظام رئاسي بتركيا، لينهي تماماً دور مجلس النواب والسلطة القضائية ويحصر كل السلطات الثلاث، إضافة إلى السلطة الرابعة، الإعلام، بيديه وتحت إشرافه ورقابته تماماً.
ووقعت في هذا المجرى محاولة انقلاب عسكرية، التي يزعم أردوغان إنها بتدبير من خصمه السياسي وحليفه السابق فتح الله غولن المقيم بالولايات المتحدة، ليشن أكبر حملة اعتقالات شهدتها تركيا شملت عشرات الآلاف من العسكريين والمدنيين والموظفين في السلطة التنفيذية والقضائية والتشريعية وأعضاء النواب الكرد، وهم يمثلون حزب الشعوب الديمقراطي، بذريعة تعاونهم مع حزب العمال الكردستاني، كما اعتقل المزيد من أساتذة الجامعات والمعلمين وأكثر من 150 صحفياً، وأغلق بعض الصحف، كما فرض الرقابة الصارمة على حرية التعبير عن الرأي وحرية الصحافة. وتشير المعطيات الواردة إلى إن أجهزته القمعية والقضائية تمارس القسوة المفرطة مع كل المعتقلين ولا سيما ضد الصحفيين.
لقد مارس رجب طيب أردوغان, دكتاتور تركيا الجديد وسلطانها المنفلت من عقاله سياسة استبدادية وإرهابية قاسية ضد قوى المعارضة التركية والكردية وضد الصحفيين وكل من له رأي آخر غير رأي أردووغان. واخيراً أمر المستبد بأمره باعتقال الصحفي الألماني – التركي دينس يوجيل بذريعة تعاونه مع المسلحين الكرد ودعمه للإرهاب والإرهابيين. ففجر حملة احتجاجات واسعة جداً بألمانيا ودول أوروبية أخرى. إن القضاء الخاضع لأردوغان، بعد أن قام بتغيير الكثير من القضاة وأبعد المستقلين منهم عن المحاكم المدنية، سيصدر حكماً قاسياَ ضد دينس يوجيل، وضد الكثير من الصحفيين الترك والكرد المعتقلين، لهذا يفترض في أحرار العالم أن يرفعوا صوت الاحتجاج ضد سياسات أردوغان المناهضة لحقوق الإنسان وحرية التعبير والصحافة والمفرطة في عدائها للرأي الآخر، وهو ينفذ قانون "مناهضة الإرهاب!"، الذي لا يعني سوى ممارسة الإرهاب ضد منتقديه والمختلفين معه في الرأي والصحفيين.
"وصف مدير منظمة "مراسلون بلا حدود" في ألمانيا، كريستيان مِر، الادعاءات المنسوبة إلى يوجيل بأنها "سخيفة" ودعا إلى إطلاق سراحه فوراً وكذلك جميع الصحفيين المعتقلين حالياً في تركيا." (راجع: موجة انتقادات ضد تركيا على خلفية اعتقال مراسل صحيفة ألمانية DW). أما وزير خارجية المانيا، زيغمار غابريل، فقد انتقد بشدة قرار القاضي. وقال غابريل خلال زيارته للعاصمة الإيطالية روما، إن قرار حبس يوجيل "مفرط في قسوته ما يجعله أيضاً غير مناسب". وأضاف أن القرار "لم يراع القيمة الديمقراطية الكبيرة لحرية الصحافة والرأي، ولم يراع أن يوجيل سلم نفسه طوعاً للقضاء التركي، وأعلن استعداده التواجد بشكل كامل لإجراء التحقيق". (المصدر السابق نفسه). كما شاركت مستشارة ألمانيا في رفضها قرار اعتقال وحبس يوجيل وتقيمه للمحاكمة.
إن الشعوب بتركيا تعيش منذ أشهر حمى الاستبداد والإرهاب والقسوة السادية التي تمارسها السلطات الحاكمة وتحاول أن تدين من كان ضد الإرهاب ومن فضح دور أردوغان باحتضانه عصابات داعش ودعمها وتسهيل مهماتها بالعراق وسوريا وجعل تركيا ظهيراً لها ومعبراً للإرهابيين إلى سوريا والعراق.
إن على صحفي العالم والرأي العام العالمي المطالبة بإطلاق سراح الصحفيين المعتقلين، ومنهم دينس يوجيل، واحترام حقوق السجناء السياسيين وتقديمهم لمحاكمة عادلة وتحت رقابة واشراف دوليين.
لنعمل على فضح دور تركيا، إلى جانب دول أخرى، في ما حصل ويحصل في المنطقة من إرهاب وموت وخراب، ومن تفاقم الصراع الطائفي مع الدولة المستبدة الأخرى، الدولة الإسلامية الإيرانية وتدخلاتها الفظة في شؤون الدول العربية.