لماذا ألقى الإسلام على ما كان فى الجاهلية؟

طلعت رضوان
2017 / 3 / 21

لماذا أبقى الإسلام على ما كان فى (الجاهلية)؟
طلعت رضوان
لماذا أخذ القرآن بما قاله عمربن الخطاب عن مقام إبراهيم؟
ولماذا احتفظ الإسلام بعادة تعدد الزوجات (الجاهلية)؟
من الأمورالمُـلفتة لنظرالعقل الحر، أنّ الإسلام أخذ الكثيرمما كان موجودًا فى الفترة السابقة على دعوة نبى الإسلام، وأخذتْ الاسم الشائع (الجاهلية) ومن أمثلة ذلك:
كان العرب قبل الإسلام يحجون فى شهرذى الحجة من كل عام، فيرحلون إلى مكة لأداء فريضة الحج، وكانوا يقومون بذات المناسك التى يقوم بها المسلمون حتى اليوم، والاستثناء الوحيد هوالتخلص من عبارات (الشرك) التى كانت تقال قبل الدعوة المحمدية. وقبلها أيضًا كان تقديس شهررمضان وتحريم الأشهرالحرام وتعظيم إبراهيم وإسماعيل وأنهما– فى رأى عرب قبل الإسلام- هما اللذان أقاما بناء الكعبة فى مكة. وقال عمربن الخطاب ((وافقتُ ربى فى ثلاث ووافقنى ربى فى ثلاث. قلتُ يارسول الله: "لواتخذنا مقام إبراهيم مصلى" فأنزل الله ((واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)) (البقرة/ 125) كذلك فإنّ الاجتماع يوم الجمعة تأسّس قبل الإسلام.
ومن الأعراف الاجتماعية أنّ العرب قبل الإسلام كانوا يؤمنون بالحسد وتأثيرالحاسد فى المحسود فجاء الإسلام وأقرّذلك. وقبل ظهورالإسلام كان (النفث) فى العقد أحد ضروب السحر، فجاء الإسلام وأقرّ((النفث من العقد)) (سورة الفلق) وكان العرب يعتمدون على الإبل لذلك ذكرها أكثرمن شاعرمن شعراء قبل الإسلام، فجاء الإسلام وأعطاها أهمية خاصة فى أكثرمن سورة (الأنعام، النحل، المؤمنون) وكان العرب يُجيزون تعدد الزوجات بغيرحد، فجاء الإسلام واكتفى بأربع (شرعيات) ولكى لايحرمهم من التعدد (شرّع) منظومة (ملك اليمين) وبدون تحديد العدد، فكأنه أبقى على عادة تعدد الزوجات (فى الجاهلية) دون تحديد العدد بابتكار(ملك اليمين) والرجل كان يُسمى (بعل) وهواسم لإله قديم (ورد فى الموسوعة العربية المُيسرة- ط عام 1965ص382 وورد فى العهد القديم للإشارة إلى آلهة كنعان حيث كان يُعبد فى بقاعها المختلفة.
وكان العرب قبل الإسلام مُتعالين ويُسمون ماعداهم بالعجم. والعجم كما جاء فى مختارالصحاح للرازى ((ضد العرب والواحد عجمى وفى لسانه عجمة والعجماء البهيمة. والمرأة بهيمة)) (المطبعة الأميرية- عام 1911ص440) أى أنّ كل شعوب العالم بهايم ماعدا العرب.
وكان رزق العربى قبل الإسلام يأتيه من سيفه (الحروب بين القبائل) أومن التجارة، وإذا كانت سورة (قريش) قد ذكرتْ (الإيلاف) فإنّ الأصل يعود إلى هاشم (جد محمد) وجاء الشعر(قبل الإسلام) ليؤكد ذلك مثل: ((عمروالعلا هشّم الثريد لقومه/ سفرالشتاء ورحلة الإيلاف)) أما الموقف من الزراعة فكان أهل البادية كثيرًا مايفرضون (إتاوة) على الزراع بحجة حمايتهم. وهذه (الإتاوة) هى الأصل التاريخى لما عُرف فيما بعد (بالجزية) وأطلق العرب على الفلاحين (أعاجم) أى بهايم وهذه النظرة إلى الزراع والزراعة كانت سائدة لدى عرب ما قبل الدعوة المحمدية، فجاء الإسلام وأقرّها فى قول حديث للنبى ((إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لاينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم))
ذكرالأستاذ العقاد أنّ الإسلام ((شرّع العتق ولم يُشرّع الرق)) وتلك حقيقة ناقصة، فالإسلام إذا كان لم يُشرّع الرق (= العبودية) إلاّ أنه أباحه وأجازه ولم يُحرمه. فقد كان للنبى محمد وللخلفاء الراشدين وللعشرة المُبشرين بالجنة ولغيرهم من الصحابة ثم لأئمة المسلمين وعامتهم، كان لهم عبيد وإماء، واستمرالحال كذلك حتى تم إلغاء الرق بقوانين وضعية. وليس صحيحًا ماذهب إليه العقاد من أنّ الإسلام لم يعرف سوى (رق السبى) فى غارات القبائل بعضها ضد بعض، وهى التى تحوّلتْ إلى غزوات أوفتوحات.
وعن غنائم الحروب قال عدى بن حاتم ((ربّعتُ فى الجاهلية وخمّستُ فى الإسلام)) أى أنّ الأميرفى (الجاهلية) كان يأخذ ربع الغنيمة، وجاء الإسلام فجعله الخمس (الأنفال/ 41)
وأكد سلمان الفارسى أنّ الرسول علمهم كل شىء حتى مايفعلونه داخل الخلاء، أى أنّ الرسول لم يترك كبيرة أوصغيرة من شئون الحياة إلاّوأرشد أصحابه والمسلمين من بعدهم فيما يسلكونه فيها حتى التى لاتمت بصلة مباشرة بالعبادة مثل كيفية ارتداء الملابس وأدب دخول الفراش مع الزوجة الحرة أوالعبدة (ملك اليمين) فلماذا لم يترك حديثا واحدًا يُبين فيه من يتولى الخلافة من بعده وكيفية تنصيبه ونظام الحكم فى الإسلام؟
ومن الناحية التاريخية فإنّ عرب ماقبل الإسلام عرفوا الشورى بذات الصورة التى وُجدتْ فى الإسلام. ومجلس الشورى ليس له أى دورحقيقى، بل مجرد (رأى) قد يأخذ به الحاكم أويرفضه. وأبوبكرعندما قرّرشن الحرب فى (حروب الردة) أصرّعلى رأيه رغم مخالفة هيئة مُستشاريه إذْ قالوا: كيف تـُحارب قومًا يشهدون أنْ لا إله إلاّ الله وأنّ محمدًا رسوله ويُقيمون الصلاة؟ إنّ مقولة أنّ الشورى شـُـرّعتْ للسيطرة على الحاكم غيرصحيحة. ومن هذا المنطلق يتضح مدى الخطأ الذى يقع فيه من يدعى أنّ الشورى هى الديموقراطية. إنّ الشورى هى ميراث من القبائل العربية السابقة على الإسلام. وفى رأى أ. خليل عبدالكريم أنّ القبائل العربية وقت البعثة المحمدية- بتقاليدها وأعرافها ونظمها وشعائرها- هى المُسودة أوالبروفة للإسلام، وبالتالى فإنّ الإسلام والعروبة وجهان لشىء واحد. وأرى أنه (للمزيد من التفاصيل) أرجومن القارىء الرجوع لكتاب خليل عبدالكريم (الجذورالتاريخية للشريعة الإسلامية) الصادرعن دارسينا للنشر- عام1990.
000
هامش: خليل عبدالكريم (1930- 2002) مواليد أسوان. بدأ مع جماعة الإخوان المسلمين ثم تركهم، بعد أنْ تأثربالفكرالماركسى. وكان فى كل كتبه ودراساته يعتبرأنّ القول (بالعصرالجاهلى) غيردقيق. وكان (من القلائل) الذين استخدموا تعبير(الغزوالعربى) و(ليس الفتح الإسلامى) ومن كتبه العديدة (الصحابة والصحابة) و(النص المؤسس ومجتمعه) و(الإسلام بين الدولة المدنية والدولة الدينية) إلخ.
***