اَلخَنَاْجِرُ اَلْمَسْمُوْمَةْ ..!

فيصل عوض حسن
2017 / 3 / 18

اَلخَنَاْجِرُ اَلْمَسْمُوْمَةْ ..!


وفق ما وَثَّقته وسائل الإعلام الرسمية، طَرَحَ وزير الاستثمار (220) مشروعاً استثمارياً، في افتتاح المُؤتمر الذي نَظَّمته الهيئة العربية للاستثمار والإنماء الزراعي بالخرطوم خلال فبراير الماضي، وزعم بأنَّها مُكتملة الدراسة، وتغطي احتياجات الأمن الغذائي العربي و(تُحقِّق) الاكتفاء الذاتي، مُشيراً لارتفاع حجم الاستثمار الأجنبي الزراعي نحو (3024) مشروعاً، بقيمة (13) مليار دولار. في ما كَشَفَ رئيس مجموعة الاستثمار والأعمال بشركة جنان (الإماراتية) عن اعتزامهم زراعة (221) مليون نخلة بالشمالية، لتغطية 51% من الإنتاج العالمي للسُّكَّر!.
وفي سياقٍ قريب، ذكرت العربي الجديد يوم 8 مارس 2017، على لسان وزير الاستثمار، بأنَّ إجمالي الاستثمارات (الإماراتية) بالسُّودان حوالي 6.7 مليارات دولار، مُوزَّعة على 114 مشروعاً، وأنَّ المشاريع الزراعية المُصدَّقة للإمارات خلال الفترة 2001-2013 بلغت 19 مشروعاً. وفي الحقيقة أصبحت الكتابة عن كوارث المُتأسلمين التي يُلحقونها بالسُّودان وأهله من المهام العسيرة، نظراً لتسارُعها وتنوُّعها، مما يضطرَّنا للتركيز على استشراف الأزمة قبل وقوعها أو الحيلولة دون استفحالها، وتدخُل مقالتي الحالية في هذا الإطار، بعدما (تَعَمَّدتُ) عدم التعليق على الإفادات/التصريحات أعلاه، لأُتيح الفرصة للوزير ورئيس جنان لمُراجعتها وتصحيح مضامينها المُتناقضة والمُبَالَغْ فيها، تلافياً لإنكارهم وتلاعبهم وتبرُّئهم منها كما ألفناهم.
أوَّل المُغالطات في حديث وزير الاستثمار، إدِّعائه بـ(تحقيق) الأمن الغذائي العربي، أي تلبية جميع الاحتياجات الغذائية لسُكَّان المنطقة، وهي تختلف من دولةٍ لأُخرى كما تختلف مُتطلَّبات إنتاجها، سواء كانت مناخية أو بشرية أو غيرها. والسُّودان برغم تميُّزه بإنتاج محاصيل عديدة لكنه لا يُنتِجها كلها، فالقمح، مثلاً، يستحيل إنتاجه في السُّودان بالمُواصفات القياسية العالمية لعدم مُواءَمَة الظروف المناخية، وهذا ينطبق على عدد من المحاصيل التي يحتاجها العرب، بما ينسف (إدِّعاء) ذلك المُسْتَوْزِرْ بتحقيق الأمن الغذائي. والمُغالطة الثانية في حديث الوزير، وصفه للمشروعات (الإماراتية) بأنَّها (عربية)، وهذا تضليلٌ (فاضح) و(مُخجِلْ)، لأنَّ المشروع العربي (إقليمي) تُشارك به أكثر من دولة، إنْ لم يكن جميعها، كما كان سابقاً بمشروعات الهيئة العربية للاستثمار والإنماء الزراعي، التي بدأت عملها أساساً من السُّودان لوجود مُقومات/موارد العمل الزراعي، وحَقَّقت نجاحات مُقدَّرة، وكانت أرباحها تُوزَّع سنوياً (بالدولار) على كل الدول الأعضاء استناداً لنسبة مُساهماتها برأس المال. وبالنسبة للسُّودان، فبخلاف نصيبنا من الأرباح السنوية، استوعبت تلك المشروعات نسبةً مُقدَّرة من مواردنا البشرية المشهودة بالكفاءة، وجُزءٌ كبير من مُنتجاتها يُطْرَحْ بالأسواق المحلية وبأسعارٍ مُجزية، وبعضها يتم تصديره للدول الأعضاء وغيرها، وبمُجَرَّد استلام الشرهان (الإماراتي) لرئاسة الهيئة، عَمَلَ لإعاقة وتدمير مشروعاتها القائمة بالسُّودان (تحديداً)، وسَعَى لنقل مقرَّها من الخرطوم وفقاً لاستراتيجية (ظلامية)، أعدَّها بعلم حكومته (الإمارات) ودعم البشير وعصابته، وتمَّ توثيق كل هذه الأحداث في حينه! وعلى هذا، فإنَّ المشروعات التي تحدَّث عنها الوزير (إماراتية/قُطْرِيَّة) بحتة، وليست عربية/إقليمية ولا يستقيم وصفها بهذا الوصف. وسواء كانت عربية أو إماراتية، فمن الأهمية استفادة السُّودان كشريك (أصيل/أساسي) في ما يتعلَّق بهذه المشروعات، لأنَّه يحتضنها وتستفيد من موارده التي لولاها لما قامت أو استمرَّت، وهذا ما لم يحدث بالنسبة للمشروعات (الإماراتية).
وفضحاً لتضليلات البشير وعصابته وشُركاؤُهم الإماراتيون، نسأل الوزير عن نسبة مُساهمة المشروعات (الإماراتية) في تحسين اقتصادنا القومي، ودخلنا السنوي بصفةٍ خاصة؟ وكم مقدار أرباحها المُتحقَّقة حتَّى تاريخه، ونصيبنا منها وأين ذهب ذلك النصيب؟ وهل تمَّ تقييم الأثر الاقتصادي والاجتماعي والبيئي لتلك المشروعات؟ كتحديد وقياس مدى أدائها لمسئوليتها الاجتماعية بالمناطق المُقامة فيها، وأعداد العمالة السُّودانية فيها ومُستوياتها وأنواعها (ذكور/أُناث) وأوضاعهم المهنية، والانعكاسات الصحية والبيئية للمشروعات ومدى إهلاكها/استنزافها لمواردنا الطبيعية وغيرها من الأمور؟ وما هي معايير التقييم ومن الذي وضعها ومتى تمَّ ذلك ونتائج التقييم والمُعالجات/التقويم؟!
بالنسبة لرئيس الاستثمار والأعمال بشركة جنان، فإمَّا أنَّه جاهل وهذه مُصيبة، أو مُدَلِّس/كاذب وهذه كارثة، فهو يَدَّعي بأنَّهم سيزرعون 221 مليون نخلة بالشمالية لتغطية 51% من الإنتاج العالمي للسُكَّر، ولا ندري كيف سيزرع هذه الكمية المهولة من الأشجار! فوفق التجارُب الـ(علمية) والـ(عملية) الرصينة، فإنَّ المسافة بين شتلةٍ وأُخرى، يتوقَّف على حجم الأشجار وعمرها وخصوبة التربة، ونوع الأصل/الوراثي والأحوال المناخية وغيرها من العوامل. وبالنسبة للنخيل، تُوصي بعض الأدبيات البُستانية بـ8 أمتار وبعضها بـ10، وبصفةٍ عامَّة تتراوح المسافة الفاصلة بين أشجار النخيل بين 7-10 أمتار، ولا تقل بأية حال عن 7 أمتار، مما يعني (استحالة) زراعة هذا العدد من الأشجار في الشمالية بمساحتها المحدودة، حتَّى لو تمَّ (إفراغ) الولاية من سُكَّانها (وهو الهدف الحقيقي للكيزان والإماراتيين)! علماً بأنَّ أكبر مشروع نخيل في العالم، تمَّ تسجيله بموسوعة غينيس للأرقام القياسية، هو مزرعة الراجحي المُحتوية على (200) ألف نخلة، بمساحة 6645 هكتار! فكيف ومتى سيزرع صاحب جنان كل هذه الأشجار بالشمالية، هذا إذا افترضنا أنَّ الأراضي مُستوية، ولا توجد جبال ولا مساكن أو بشر؟!
وتَتَواصَل الأسئلة المنطقية بشأن قيام شركة جنان بإعداد دراسة جدوى لهذا المشروع ذو التكلفة العالية؟ وهل تَمَّت مُفاضلته مع مشروعات أُخرى، كتطوير الزراعة المطرية (الموسمية) أو توسعة المراعي الطبيعية، وغيرها من المشروعات الأكثر جدوى وأقلَّ تكلفة وأسرع عائدية؟ وما هي أُسُس/معايير/مُؤشِّرات المُفاضلة ونتائجها؟ وهل تمَّ إشراك الخُبراء الوطنيين في هذه الدراسات؟! أمَّا عن إنتاج سُكَّر النخيل، فأدعوكم لمُراجعة قوائم الدول المُنتجة للسُكَّر ومصادره (قصب أو بنجر)، بجانب أكبر الدول المُنتِجَة للتمور، لتُدركوا (جَهْلْ) أو (كذب) رئيس جنان ومن يقفون خلفه! والأهم من هذا وذاك، أليس من العدل (مُسَاءَلَة) جنان وتابعها (أمطار)، إنْ لم نقل (مُحاسبتهما) و(عقابهما)، على جريمتهم الجنائية والأخلاقية بجلبهم لفسائل مريضة للبلاد؟ ولو إدَّعوا وجود مُؤامرة وأيادٍ (خفية/خارجية) قامت بتلويثها، فما هي (أدِلَّة/قرائن) الاتِّهام ولماذا يتستَّرون عليهم؟ وما الذي يمنع حكومة الإمارات من التحقيق في الموضوع، على الأقل لـ(تبرئة) الشركة التي يملكها (إماراتيين)؟! وهل يعتقد رئيس جنان، بأنَّنا سنصدق خطرفاته/أكاذيبه، وندعه هو ومن معه يلتهمون المزيد من أراضينا عقب غدرهم بنا؟!
لعلَّ أوَّل الحقائق التي يَتَوَجَّب علينا إدراكها، أنَّ ما يجري في بلادنا ليس (استثماراً) وإنَّما (نَهْبٌ) و(تدميرٌ) مُتعمَّدٌ لمواردنا، فالاستثمار الحقيقي يعني (تَقَاسُمْ) المنافع بنحوٍ أخلاقي وعادل، ويكون داعماً للنسيج الاجتماعي بالمناطق التي يُقام فيها ومُعززاً لرفاهية أهلها، وهذا ما لم تُحقِّقه الأشياء التي يتحدَّث عنها المُتأسلمون والطَّامعون الذين جلبوهم للبلاد. وثاني هذه الحقائق، أنَّ زراعتنا لا تحتاج للآخرين سواء الإمارات، أو غيرها من الخناجر المسمومة المُوجَّهة للسُّودان وأهله بأيادي البشير وعصابته، فنحن لا ينقصنا سوى (التجرُّد) في إدارة مواردنا لنُنْتِج زراعة جيدة ومرغوبة عالمياً، خاصَّة وأنَّ العالم يحتاج للزراعات العُضوية وقليلة التدخُّلات الكيماوية (أسمدة/مُبيدات وغيره)، وهذا يتوفَّر بالزراعات السُّودانية، بخلاف أنَّ الآخرين هم الذين يحتاجون السُّودان وليس العكس. فالإمارات، على سبيل المثال، قد تكون دولة نفطية، وقد تكون خِدَمِيَّة أو بها صناعات تحويلية بسيطة، لكنها ليست (زراعية) ولن تكون، لعدم مُلاءَمَة ظروفها المناخية والطبيعية للزراعات (الاقتصادية)، حتَّى وإنْ قامت ببعض المُحاولات لكنها محدودة، وبتكاليفٍ عالية ولا تُغطِّي حاجاتها الغذائية، بعكس السُّودان الذي تتهافت عليه (الإمارات) وغيرها من الطَّامعين. وثالث أهمَّ الحقائق، أنَّ مُمارسات البشير وعصابته تُشير لاعتزامهم الهروب، فـ(سُرعة) تخلُّصهم/بيعهم لمُقدَّرات البلاد وإخفاء عوائدها الحقيقية وإحالتها لمصالحهم الشخصية، لا تعكس رغبتهم في البقاء والاستمرار، مما يُحتِّم علينا التركيز على حماية مُواردنا الوطنية ومُقاومة التخلُّص منها، وعدم تصديق تضليلاتهم المُغلَّفة بـ(أكذوبة الاستثمار). ولا أُبالغ إذا قلت بأنَّ مُقاومة ومُناهضة بيع أراضينا وعدم إتاحتها للغير، يُعدُّ أكبر وأسرع وسيلة لـ(خَنْقْ) البشير وعصابته واقتلاعهم، فهم لا يستطيعون إدارة الدولة بعد تدمير كل مصادر الإنتاج، ويُواجهون ضغطاً رهيباً من الدَّائنين والطَّامعين الخارجيين، وعلى رأسهم (الإمارات) التي تحتضن مُعظم أملاك الكيزان المنهوبة من السُّودان وأهله، فليكن هذا خطاً (رئيسياً) لمُقاومتنا وشرارة حقيقية للحرية والانعتاق.
واختم بما ذكرته في أوَّل المقالة، بضرورة التركيز على الأخطار الحقيقية التي تُهدِّد بقاء السُّودان وأهله، وتلافي الإلهاءات الإسلاموية الرَّامية لتشتيت انتباهنا وتبديد طاقاتنا في تفاهاتهم المصنوعة. ووفق ما سردناه من حقائقٍ علميةٍ وأسئلةٍ منطقية، فإنَّ الهدف الأساسي للموصوفين بـ(أشقَّاء)، وأوَّلهم الإمارات، هو نهب وتدمير أراضينا ومواردنا والتي لم ولن تتوقَّف على الشمالية، وعلينا كسُّودانيين مُجابهة وتلافي خناجرهم المسمومة المُوجَّهة لظهورنا بأيادي الكيزان، وإيقاف نهبهم وتدميرهم المُتعمَّد لبلادنا والمُحافظة على ما تبقَّى منها.
ونقول لجميع الطَّامعين، بأنَّ الفرصة ما تزال أمامهم لتصحيح مساراتهم وإثبات أنَّهم فعلاً (أشقَّاء)، بالتوقُّف عن دعم البشير وعصابته الذين نَكَّلوا بالسُّودان وأهله، وليعلموا بأنَّ بلادنا ملكٌ لنا، ويُمكنهم مُشاركتنا خيراتنا بما يُحقِّق المنافع المُشتركة والاحترام المُتبادل، وليس التهامها وحدهم والتآمر مع المُتأسلمين ضدنا. وحتماً ستنتصر إرادة الشعب، وسيمضي البشير وعصابته بشكلٍ أو آخر، وحينها لن ننسى من عاونهم وشاركهم الإجرام وسنسترد ما نُهِبَ منَّا، ولن نهتم إلا بما ينفع بلادنا.