عقيدة التسويغ -8-

إبراهيم الوراق
2017 / 3 / 17

عقيدة التسويغ
منعرجات فكرية
‏-8-‏
يتبع
ومن هنا، فإن التسليم بالإرادة الأزلية، والإنكار لمقتضى المشيئة، ولم يصرح به اللسان الناطق بما في في الجنان من عقائد، وعهود، ولكن ‏ثبت عليه العزم في الإصرار، ورسخ عليه الفعل في الإثبات، هو ما يفرض الخوف من الأشياء المفارقة للذات، والأمنَ معها إذا لبست لباس ‏النفس، وتحويرها، وتحريفها، لأن الخوف من زوال قيم الأعيان بين الأذواق، هو الذي يحولنا إلى لاهوتيين ماديين، ويحكمنا بناموس يقبل ‏الاستعباد، والاسترقاق، إذ العبودية، هي ما انتزع منك إرادتَك، وصيرك محكوما بإراداته. وهنا يكون منزع كثير من الصراع الموجه في ‏أوطاننا العربية بمقتضى الدين بائسا، لأنه تسويغ لصور نمطية اختزنت في الذهن، وتوطنت العقل، وصارت حاكمة على السلوك المختل، والفعل ‏المتناقض، وهي التي رسخت للتصارع بين الموارد، والتحارب بين المعابد، وهي التي دفعت الإنسان في نهاية مقاماته إلى حماية ذاته، ولو ‏أنجر في واقعه ما يخالف عقيدته، لأن قتل الإنسان بدعوى مخالفته لنمط سلوكي معين، ولو لبس لبسة الدين، والطهرانية، وتجمل بالمعنى ‏الإنساني، والأخلاقي، لم يكن مسوغا إلا حين اعتقد القاتل بأنه يهدي دم القتيل إلى عالم السماء، لكي يحتفي أهل الملأ الأعلى بعرس الشهيد، ‏وزفافه الميمون. ‏
وذلك مبني على كون القاتل لم يظفر في حياته برغباته المتعسرة عليه، والمتبرمة منه، لأن سعة الأشياء عن ضيق امتلاكه لها، هو الذي ‏يدفعه إلى الرفض لها، والسعي إلى إفسادها، والتفاني في إهدارها. وما دام الرفض لا يحقق النتيجة المقصودة للعاجز عن كبح نزواته، وقمع ‏غرائزه، ولا يقضي على الإحساس المتألم بها، فإن رغبته ستتحول آليا إلى القضاء عليها، وهو ما يستهديه الإرهابي حين تنفجر شهوته في ‏واقعه المفعم بأنماط أخرى في الزينة، والفتنة، لأنه حين لم يطق الانسجام معها، ولا القدرة عليها، ولا التخلص منها، ابتغى أن ينسف العالم، ‏لكي يكون مالكا للكون بمقتضى النيابة عن الإله في وطن الإنسان، لأن صيرورة ما يحدث في الدول التي تفجر من ديارها الإرهاب الديني، ‏تؤكد حقيقة مطلقة يؤمن بها هذا الوحش الكاسر، وهو نزوعه إلى حقيقة الامتلاك التي يحرم منها في دائرة يحكمها نظام عام؛ وسواء كان ‏نظاما عادلا، أو جائرا، إذ ما يناله من قتل الرجال، وسبي النساء، وغصب الأطفال، وتسلط على الرقاب، وقدرة على وأد المخالف، هو ‏الذي يشعره بالوجود الذي منع عنه في فضاء يسبب له الألم، والشقاء، ويضمن له البقاء ضمن بؤرة يقبض عليها مارد جبار، ومتعنت، ‏ويسودها حاكم يرفع السيف في وجه من يعاند نظره إلى الأشياء المترامية الأنظار، ولو فاصل كل ما تواطأ عليه الناس من أعراف تحمي ‏الحقوق الطبعية في الحياة البشرية. ومن ثم يكون الإرهاب تعبيرا عن عقد النقص الكامنة في الذات المأفونة، لأنه يبرز الإطار المعرفي المتحكم ‏في الكيانات المأزومة، كما يبين لنا كيف ينشأ السلوك في دائرته، وكيف يصير فعل الإجرام مسوغا عنده باسم رعاية حق الإله في الأرض، ‏إذ الإرهاب في نتيجته الجلى، هو انحراف عن خط الحرية الإنسانية في الاختيار، والتقدير، وفرض لمناخ يقبل وزر النفاق، والكذب، ‏ويسستيغ كل فعل يقي الذات من العقاب المفروض بمقتضى آخر، لا يرحم توسل الإنسان، ولا توسطه بالنحيب، والبكاء، لأن معنى العفو ‏ممسوح في ذاكرة الإرهابي، وممنوع في عطائه. ولذا يكون فعله انتقاما لما فقدته الذات من سلطة في محيط لا يعترف إلا بما يضفي عليه القوة، ‏والجبروت.‏
إن النزاع الداخلي الذي يحدث للمتدين حين يخالف قواعد نهجه، وفرائض شرعته، لا يدفعه إلا إلى التسويغ الذي يحوز للذات أن تحوز ‏مجالا يحكمه سياق غير قابل للكدر، ولا للضجر، لأن ما يملكه الإنسان بمقتضى الطبيعة، لا يحتاج إلا إلى السلوك الضامن بأسبابه لغاياته، ‏لا إلى التوسط إليه بسبيل غير مرضي في الضمير الأخلاقي للإنسان، إذ رغبته في الأشياء الممنوحة، أو الممنوعة، لا يفسرها إلا الوسيلة ‏التي يندفع إليها عند إرادته أن يجبر نقصا يحس به. وهذه الوسيلة هي المنظور إليها في الحكم، وهي التي تطوي المسافات بيننا وبين حقائق ‏الأشياء الموجودة لنا طوعا، أو كرها، لأنها هي المحددة لنا حين يعز الافتخار بامتلاك المعاني، لأن حيازة معرفتها، واكتساب حقيقتها، هو ‏الذي يبين قيمتها، ووزنها، إذ معرفة ما يتقوم به الشيء، هو الذي يجعله مطلوبا، أو مكروها. وإذا انبطحت في المجتمع معاني الأخلاق، وصار ‏الرديء جيدا، والشريف وضيعا، شرعت الأبواب على التنصل من الحقيقة التي اختُبرنا بمقتضاها، وابتلينا بمعاناتها، لأن الالتزام الحق بالعقد ‏الذي نوقن به، ليس في تيسير السبل إليه، بل في إحياء روحه بين المحتشدين على قتله، وموته، لأن قيمة الأشياء الجميلة، لا تنال إلا ‏بالعروج على طريق القباحة، إذ هي التي تؤدي بنا إلى كل فضيل، وجميل، لأن وجود الشيء في اليد بدون اختبار لألم فقده، أو بدون ‏ابتلاء بما ينتجه ضده من ضرر، لن يصيره كاملا في العين الراغبة في زوال الآلام عن المعاني المتضادة، ما دام الحرص عليه لسبب آخر غير ‏ما وضع له عند تعاقب الرغبات في تحديد الوجه الأكمل منه، لا لسبب كونه ذاتا مرغوبة بالقول، ومقصودة في الفعل. ‏
ومن هنا، فإن ما درجت عليه عقولنا من اعتقاد تمحض الخير في الوجود، ونسبية الشر في الحدود، هو السبب في اعتبار كل طاهر غير ‏قابل للدنس، لأن توحد الصفة في الذات، ومن غير اعتبار لما يعتريها من سلب، أو إيجاب، لن يفضي بنا إلا إلى الحقيقة الواحدة. وتلك هي ‏عقدة كثير من الخطابات الدينية، بل حتى السياسية، لأنها إذا أصرت على وجود لحظة صافية في الكون، وأرغمت غيرها على النظر بهذه ‏العين التي ترى بها الحقائق، فإنها لا محالة، ستنفي ميلاد الشيء من نقيضه، وستبني مستقبل حلمها على نظرة أحادية الرأي، والموقف. ‏ولذا، فإن الضد هو الذي يمنح الشيء قوة المبنى، ويمنع من تفرده بالوحدة في المعنى، لأن وجوده معلول بخفائه، إذ لا يجوز أن نحكم عليه ‏بالعدم، وهو حقيقة في إثبات الازدواجية التي جعلت كل شيء زوجين. ومن هنا، فإن حركتنا من أجل الوصول إليه، لا بد أن تمر عبر ‏طرقه المعهودة، وهي امتزاجه من الضدين المتناظرين، لكي يحصل الخيار لأحدهما في الطبيعة، ويتم التكليف به في الإرادة، والحرية، لأنه ‏يتعذر أن يكلف المكلف باتقاء الشر في محيط لا يقبل وجود بوادره، وروافده.‏
‏ لو قيل بهذا في عقل من العقول المسطحة بهواجس الأوهام، فإنه قد أراد الوحدة بلا كثرة، والوجود بلا عدم، والحقيقة بلا خيال. وذلك ‏منسوب في الكلية إلى عالم الإله الذي لا يقبل الأضداد، لكن عالم الأشياء، وهو مزدوج الرغبات، موجود بهذه الفطرة، والجبلة، وهي التي ‏يتضمن صراعها الذاتي في الظاهر والباطن معنى الابتلاء، إذ التمحيص لا يحدث إلا بعد إحراق الذات من أجل الوصول إلى لحظة ‏الاختراق، وهي الساعة التي تُكسب للصراع معنى التألم في درك الحقيقة. وذلك هو مقتضى المجاهدة، لأنها هي الطريق الأوحد لنيل صفة ‏الوحدة غير المنفصلة عن الكثرة بالمشاهدة، إذ هي في عالم الازدواج طبع أصلي، لكنها في عالم المعنى قيمة معنوية، لأنها الدالة على تفرد عالم ‏الروح بالحقيقة. ‏
إن تشابك المعاني في دلالة النصوص على المقاصد، هو الذي يثري المجال بالرؤى المختلفة، والمواقف المتعددة، لكن ادعاء امتلاك الحقيقة، ‏والتطاول عليها بقراءة معينة، قد أدى إلى جعل موضع الغنى محلا لإنبات مسببات الفقر، لأنه نتاج الإنسان الذي يبس عود الحياة في ذاته، ‏واسودت الآفاق بين عينيه، واضمحلت الآمال في يومه، وتلاشت أنظاره عن غده. فإن نظر إلى جهة السماء أدرك لها بابا واحدا، وإن ‏أرخى نظره في منتهى قدمه، رمق أمداء شاسعة، وأبعادا غير متناهية، فيخالها عامرة بأشباح مخيفة، وغارقة في سراب لا نهاية له، لأنها ‏تدبر المجهول الذي لا سلطة للإنسان عليه، وتضع خطوطا للطريق الذي تُفنى المهج في طي طوله، وغاياتٍ تحددها العقول المتضيقة من ‏واقعها، والمتألمة في حياتها، فلا تجد لها إلا تأويلا ينزف بنتائج وخيمة، وعواقب رديئة، لأن سبل الوصول إليها غير مأمونة الغوائل، إذ ‏تصَوَّر النهايات بدون مراحل، ومنازل، وتخمَّن الغايات بمنتهى الأمل، والأمان، لأن غايتها هي النتيجة، وهي التي تنتقيها العقول من صخب ‏الأماكن، وضجر الأزمان، لكي تكون نقطة فرح تلمس فيها النفس دواءها، وشفاءها. ‏
ومن هنا، فإن هدف الإنسان فيما يختار له أعسر السبل، وأطول الآجال، هو الإحساس بما يكسو به الذات من جمال عند امتلاك عينه، ‏وأثره. ولهذا، يكثر التسويغ لدى هذا الباب المفتوح على اتجاهات عدة في التفكير، لأنه مجال تعتريه مدارات النفوس بما يكمن فيها من ‏نزوات، وشهوات. وما دام ذلك يدل على مركب الذات، ومجموعها، وهي كل فيها من إغراء، وإكراه، واشتهاء، والتباس، فإن محاولة ‏ترويح الذات بما تهديه إليها عملية استساغة تمازج الضدين في التنافر، هي التي ترفع الحرج، والكلفة، وتسرح الطاقة في ميدان الامتلاك، ‏لأنها ومهما تواطأت على التأنيب، والتقريع، فإن تآلف الإنسان مع الأشياء، وإلفها لما يحدث عنها من متعة، قد يجعلها مع عقدة الخوف ‏والحرص جزءا من الكيان. وربما قد يكون ذلك مما تقوم به من كساد، وعناد، فيستوجب الإحاطة بكل ما يمنعه من الزوال، ويدفع عنه ‏كل ما عساه أن يبدد جرمه، ويهدم لذته، ويقضي على جدواه، ويميت معناه. ‏
وهكذا، فإن التوسط إلى نيل ما ليس للإنسان بالموهبة، والقدرة، وكسبه إياه بالقوة، والجدة، وحرصه عليه بمنتهى ما تمليه عقدة النقص ‏البارزة في استعلاء الخارج بالمظهر الخادع، لن يصير حديثنا عن الإنسانية إلا نفاقا نخدع به من يألفنا، أو من يكرهنا، لأننا لم ننظر إلى ‏الآخر بالنظر الذي نحمي به ذواتنا، إذ لو شاهدناه قائما بجرمه المادي، والروحي، لما عن لنا أن نحرمه مما يحق له فيه الطبيعة، لأننا لو ‏طلبنا ما نحفد إليه بوساطة سببه الذي يصوغ ماهية وجوده، لانتهى زمن التسويغ لعقدة الخوف من مجهول الديار، والدروب، إذ ستنال ‏الأشياء بأحقية كل مهيأ لها بحكم الفطرة، أو الكسب، لأنها إما حائز له، وهو ملك لقوته، وإما نافرة عنه، وهي جهد لمن استوجبها ببذله، ‏وعطائه، لأن الأشياء الخالدة لذاتها، لو تركناها على ما هي عليه من مطلقها، ولم نتدخل فيها بالتغيير، والتحوير، لنطقت بحقيقتها، ‏وجدواها، ولقالت: روح الأشياء، لا تمنح إلا لمن أحسن الأدب معها.‏
‏ أجل، لو كان حماة المال مالكين لروحه، لانبجس من يدهم معين حقيقته على الطبيعة، لكنهم عاشوا معه بلا معنى، فكان خرابا بين الأماكن ‏المطلولة بالفقر، والمجللة بالحرمان، إذ لا يستقيم وضع محاربة الفقر في أطاريحنا الثقافية، والاجتماعية، إلا إذا كان ما نتداوله بيننا من إنسانية ‏فذة نافذا إلينا بعطائه، وسخائه، لأن روح المال التي تأسر لبنا بالجمال فيه، هي التي تجعله إنفاقا في كل ما يخصب رغبة الإنماء عند ‏الإنسان، وفعل العمارة، وسلوك الحضارة، لكن إذا ضاع منه ذلك السر الذي يحكم معناه، وهو تحصيل السعادة الفردية والجماعية به، فإنه ‏لا ينبعث منه إلا الاستكبار، والاستعباد. ومن هنا، يجب علي أن نتساءل، لم يطلب الإنسان ما ليس له، وهو موقن بذلك، ولكنه يسوغه ‏بالدين، أو بالوضعية الاجتماعية، أو بمأثرة يقدمها بحكم وظيفته الوجودية.؟
‏ إن ما يعترض سبيل الحرية في أوطاننا العربية، هو هذا العقل المسوغ للنقيض بدليل الاتفاق، والالتئام، والمجوز للخلاف فيما هو محل غير ‏قابل للعراك، والصراع. لكن أخبث شيء يمكن أن يضاف إلى ما في التسويغ من أنانية مفرطة، وهويات مفرغة، هو ما يغل به الآخرُ هذه ‏الحركة من قيود المطلقات التي حددها لنهج ذاته، ومورد حياته، وآصارِها التي تحجبه عن دروه الأساس في الوجود، والكون، والطبيعة، ‏لأنه متضارب في حقيقته، ومتناقض في غايته، فكما يؤمن بشرع الله الذي يحارب بسببه، فهو يؤمن بشرائع أخرى، تمده بالنفس الطويل في ‏اقتناء زينة ظاهره، وأقواها أثرا في صياغة كيانه، هو شرع الذات الممتحنة بأوضاعها الراكدة، ثم شرع المجتمع الممتلئ بالإرادات المتنافية، ‏والمتصارعة، إذ شرع الذات يعلمها التسويغ الذي تنال به القدح المعلى في موفور الهناءة، وشرع المجتمع يروضها على قبول النزول عن إتمام ‏ناموس الكلمة المشتركة بين الناس. وهي إقامة العدل في الحياة الفردية، والجماعية. وكلاهما يساقان في مساق واحد، وهي رغبة الذات في ‏البقاء، والحرص على كسب الصفاء. ‏
لعل ما يستساغ من أفعال سيئة باسم الدين، أو بمعنى المطلق الإلهي، لا يصير محل رضى في استمرار الصيرورة البشرية، واستدرار ما في ‏الأزمنة من رياش، ورفاهية، إلا إذا وجدت في حدود المفاهيم ثقوب قابلة لأن ينسل منها ما يغِير على سيرة المجتمع، ويغيِّر ما هو محدود في ‏شرعة التآلف، والتكاثف، إذ لو كان متمكنا في أمكنية اسمه، ومنع من صرف معناه عن حقيقته، لما استطاع منتحل لصفات غيره، وهو ‏ثعلب مخادع، ومراوغ، أن ينفذ إلى شرايين الأشياء الجميلة المبنى، والمعنى، فيهيل التراب على أساسها المنطقي، لكي يسقي شجرة أنانيته ‏المستعلية على أرض الفضيلة. وهنا، نكون أمام مجتمع يتحدث أفراده عن الإنسانية، ولكنه في سياق جماعيته، لا تحتويه ذات متوحدة حول ‏الحقائق المشتركة، بل سيصير مع نزو الحذاق على سطحه بطرق ملتبسة ميدانا لصراع الملكات، والإرادات، ونزاع الذكاء، والدهاء. وما ‏أصعب العيش في مجتمع لا تقاس فيه قيمة الأشياء بما تحققه من صيانة الإنسان نوعا، أو جنسا، وإنما تقدر فيه بما ينفرد به كل واحد من قوة ‏الامتلاك اللامع بريقه على الجباه، والهامات. إذ لو سار المجتمع بقوته إلى نيل الغايات المحمودة، لما توقف العقل عند تسويغ محدد في ‏البدايات المذمومة، لأن ذا يريد أن يكون الأمر فيه صاعدا، أو هابطا، وذا يريده أن يكون خرابا، أو بناء، لعله يفضي إلى نزوته في ‏السيطرة، والاستحواذ، وإذ ذاك يؤسس لخيمته التي تجوس حول ظلالها الظباء، والغزلان، وتعزف بين آطامها ألحان القيان، وتعاقر في ‏عمقها دنان الصهباء العتاق، لأن ما توحي به الأجساد الممشوقة من معنى في التحقيق، هو الذي يغرق في تذكر العهد الغابر، حيث ساد ‏الأدب بكل صنوفه، وضروبه، فكان غلمة، وفتوة، لأن عقل كثير من أولئك الذين عاشوا تحولات الفكر العربي، يوقنون بأن ماضيه ‏تكتسحه جاذبية مغرية، ومثرية، لأنه كان مجلسا مضمخا برائحة ما انفصل عن الإنسان من عفة، ومجون، إذ ما يطوى البساط عليه من ‏أخبارهم، وحكايتهم، ما هو إلا نزوع نحو الحرية التي تخفف عناء الحرج بما تبسطه من ساعات للتندر، والتفكه، والإحماض. ‏
شيء مما تظرف به التاريخ العباسي، والأندلسي، سيقودنا إلى حلم الدواعش، وهم يتخيلون إماما بعمامة سوداء، يخرج من سرداب الفساد، ‏والظلام، لكي يتوكأ على عصا معقوفة، ثم يعلن صوت الرب في الأرض، ويقيم الصلاة على الأشلاء المحروقة، والجماجم المدهوسة. أجل، ‏سيكون اللون معلما واضحا على رؤوس اعتمت بالسواد، وتنقبت به، وتجملت بأسماله بين الديار، فلا تكاد ترى من ورائه إلا سفعة ممزوجة ‏ببياض يذبل نوره بين ذوات شربت حميا الوجع، والوله. فيا ليت البياض كان أصلا في استحقاق جمال الألوان، لعلنا نبدد ما حولنا من ‏عتمة، وظلمة، ونجدد العهد مع بياض كامن فينا، ولا نحتاج إلا إلى فضاء لينير نجمه. لكن الغبن الذي لحق العقل عند سيطرة نزيف الماضي ‏عليه، هو أنه يسوِّد الأفق المتهلل بالآمال الحانية، لكي ينعكس ذلك على الوجوه الشاحبة، ثم يتسلل إلى أحشاء الأعماق الغائرة، فيكون ‏التظاهر بلبس السواد دينا، والتوري وراءه تقوى، والتذلل به اتزانا. فسمه ما شئت، وصفه بأي وصف أردت، فهو غلاف للعقل، وغطاء ‏على التفكير، لأنه لا يدبر أمر لازم لونه، إلا ليستبد الظلام على رسيم الذوات، فيصير الإنسان كائنا ليليا، لا ينظر بحدة إلا إذا ادلهمت ‏السماء، وبدا وجه الأرض كئيبا، وحسيرا، إذ لا يرى ستره إلا في الظلام الدامس، ولا يجد لذته إلا في السواد الداكن. وإذا لم يعش في ‏سدفته، قلقت منه الذات، والمورد. ‏
هكذا يحاول الفكر المترنح بالسواد أن تلبس الذات منظار الحذر على عينيها، وتخلع رداء الأمل عن كيانها، لأنه تداهن لذاتها، وتغازل ‏غايتها، ولو تعارك الناس في سبلها بأنجس الأسباب، وأحقر الوسائل، إذ ما نراه جميلا بأعيننا، قد لا يستحق ذلك إلا في أذواقنا، لأننا ‏إن لم نكن محاصرين بما يتمايل طربا في أعماقنا، فإننا سنبني قيمنا على المراد منها، وهو تحقيق المساواة في المجتمع، لئلا تضيع الفروض بهذه ‏الفرص التي تبتهل بأنجس النيات، وأخس الوسائط، لأن اقتناص الهدف المندفعة إليه النفس في أحط دركات وعيها بالآخر، لا يدل على ‏النظر إلى روح الأشياء بدقة، بل يدل على انتهاز الحظوظ أحيانا، وأحيانا يدل على حيل تخفى الإنسان بين خدعها، وتدنى إلى قاع ‏مكرها، لأن الماهر بمعرفة الأشياء التي وجد طِلابها بالحقيقة، لا يفتقر إلى دسيسة حتى يستكين له الطلب في ناموس الكون، والطبيعة، بل ‏جهده واثق من قيمة الامتلاك الذي هو حق وجودي، وطبعي، إذ الحق لا يمنحه إلا القوي، ولا يناله إلا مستحقه، ولو بدا في عين سراق ‏المسرة ضعيفا، ووضيعا. وإذا تجاوزه إلى غيره، أيقنا بوجودنا بين أطلال مجتمعات تحكمها الأنانية الفردية، وتغلب عليها قيم الغابة الموحشة. ‏وإذا تعالت عن أفق البصر المرخى عنانه نحو المجهول، استحوذت على ما سواها من معاني السمو، والكمال. ‏
إن أول شيء سنفقده عند سطو الرديء على الجيد، هو دور العقل الباقر للمعاني من الحقائق التي سخرت للإنسان في الطبيعة. وإذا زالت ‏عنا وظيفة التفكر في المسير، والتدبر للمصير، ولم نستطع أن نجاهر به، ولا أن نصرح بمقتضاه، ولا أن نفاخر بغايته، كان الحياء في خوفه ‏وخجله إذلالا، ومهانة. كلا، بل من أوجاع الزمن البائس، أن يعتبر الوفاء ضعفا، والخيانة عقلا، لأن لبس الأشياء لمعان غير حقيقتها، قد ‏يفضي بنا إلى النزاع، والصراع، ويدفع بنا إلى أن نتحاور على شيء لا معنى له، وأن نتناجز على حقيقة لا تستقل بالوجود، لكي تكون لها ‏معالم واضحة، وملامح ضافية. ‏