عقيدة التسويغ -7-

إبراهيم الوراق
2017 / 3 / 16

عقيدة التسويغ
منعرجات فكرية
‏-7-‏
يتبع
إن تسويغ العودة إلى الماضي بدعوى أننا لن نسير إلى الأمام إلا بوأد الجديد، واغتيال الحديث، لا يستقيم إلا بمنطق يرى الواقع مشنوء ‏الخِلقة، والحياة مملوءة بالآلام الغضة، والمسارب مفجوعة بالأرزاء الفاتكة، ثم يخال عودته إلى تلك اللحظة المتسامية في ذهنه المتشبث بصورة ‏بريئة للماضي المبعثر الذكريات، هي الحصن الذي سيحميه من هزيمته بين الأنساق الفكرية التي تفرضها بدع الحضارة الفارهة، والصناعة ‏الكاسرة. وإذا كان هذا المرتجى لحظة سارحة في الذهن الذي يحتوي على كل صور الألفاظ، والأسماء، والمعاني، والمفاهيم، فهو في علاقته ‏بمركبات الذات الملتئمة على تناقضات جمة، سيتحول إلى فعل إجرامي، وعدائي، يقوم به المتشبث بالماضي حين ينفصل عن خارجه، لكي ينقبع ‏وراء باطنه المشحون بصور خرافية، وأبعاد هلامية، لا تنفك عن أسرها لذاته المنهزمة، وحبسها في دائرة مغلقة، يشكل مجهول ما قام به ‏الماضي من صراع الإنسان مع ظواهره في عالم النفس والاجتماع أساسها النابض بقوتها، ونشاطها، لأن الصورة المعبرة عن ذلك، ومهما كانت ‏مستغرفة في وصف القديم بأجلى الأوصاف، وأحلاها ذوقا، وأظهرها أثرا، لا تطيق بمنطقها المتنائي عن لزوم الماضي للحاضر، أن تصنع ‏علاقة قوية بذلك الموروث المستمسك بلحظته، والمكون للغد بما تقضيه سنن التغيير في الزمان، والمكان، إذ تلك الحقيقة المتناهية في ‏الطهارة، والصفاء، وهي ما تحن النفس إلى استظهاره في حقيقة الوجود، لا تشوبها في الذهن كدورة تجعل سؤال المعرفة موجها إلى ‏حوزتها، أو قابلا لأن يطأ أرضها، ما دامت تؤسس لمفردات اليقين الذي تقاس به قوة الإدراك في حقيقة السلوك الذاتي، والاجتماعي. ‏وعلى هذا، فإن مشاركة تلك الصورة الذهنية في فضائها المكتمل البنيات، وهي ليست إلا عين التاريخ الذي يحمل نجاح الإنسان، وإخفاقه، ‏لأنه نتاجٌ قلق في بناء مركب صيرورة الحياة، ومقابلتها بما ينشأ فينا من وعي يتركب به الجزء الأعظم من لاوعينا، هو السبب في انسحابنا ‏من دائرة الفعل إلى حضن التسويغ، لأنه الملاك الذي يعصمنا مما نرسف في غله من تضارب، وتحارب. ‏
ومن هنا، فإن أي انكباب عن الحقيقة، واستنكاف عما تُلزم به من تبعات في لازم التكليف بالتمحيص، والاختبار، وهي تلك التي آمنا بها ‏يقينا في ذواتنا الباحثة عن صناعة اللحظة الهادئة، وسواء وجدت لنا في لوحة الحياة التي تسوق النيات بين مراماتها المختلفة، ثم نقرأ ‏سطورها باختيارنا، وإرادتنا، أو تلك التي اخترعناها لما تتضمنه ذواتنا من رغباتنا، وشهواتنا، ثم عبَّدنا طريقها الموصل إلى غاياتها المتنافرة، ‏لا يعلمنا سوى الولوغ في آسن الموارد التي نصدر عنها بألم، وحزن، ولا يربينا إلا على البحث عن أسباب تحرر غاية المراد الذي نسعى ‏إليه بوافر الجد، والجهد، ولو خالف نواله ما نعول به من سمو في خطابتنا المتسمة بالعنف، والكراهية. وإذا كان هذا قدرا نعيشه بين دورنا ‏المتضيقة بسقوط هممنا، وهوان هاماتنا، ونحن لا نتحمل في إيجاده ملامة، ولا نتكلف في بقائه بمهمة، وإن كنا نُعاتب على استساغته، ونُنبذ ‏على التبرم منه، فإن ما يدهمنا من عواصف موجعة، تغدو بنا يمنة ويسرة في تفسير هذا التناقض المشهود على حياة أولئك الذين صقلوا ‏صورهم على المرآة الممتزجة بغبار السنين، لئلا يرى عليها إلا ما تظهره وجوههم الناعمة من مساحيق فاجرة، لن يمنحنا فرصة للإدراك الذي ‏تنتزع به الصورة في أجلى مظاهرها، وتنعتق به الأوصاف في أمتع ملامحها، لأن عدمية الأماكن المتقيظة بين المهاد، والوهاد، وفوضية الغاية ‏في جهود العقول، والحقول، لم تكن في زمن ما سببا تكتشف به طرق ما تحن إليه النفوس من جمال الأشياء، وتمامها في النقاء، ووفرتها ‏على ما يستجنه الإنسان في عقله من معان عظيمة، ونظم جليلة، إذ الاهتداء إلى أقوم السبل في الاختيار الذي يحصل به التكليف في ‏العائلة البشرية، يحتاج إلى هدوء المكان، واطمئنان العين بالأفق المفتوح أمامها بأنوار الزمان، لأنهما يسعفان بصفاء الأذهان، وطراوة ‏الأفكار، ويهبان القدرة على التمييز بين ما هو نظام كوني، وما هو من صنع السادة للعبيد في الناموس الأرضي، وما هو هروب من ضلال ‏الأقدام، وزلل الأنظار، وسراب الآفاق، إذ عدم وضوح الفضاء بين العيون الحادة، لن يتمتع بالنظرة الثاقبة، ولن يحرك الشوق بين مدار ‏لا يتشظى فيه البصر، والفكر، ويغري باستظهار ذلك المطلع الذي ينطق بتاريخ الإنسان في مجابهته لنظام الطبيعة، والكون، ومصارعته لكل ‏ما يعطل عشقه إلى تلك الصورة التي تضمن له قيمة الاستقرار، وتشعره بضرورة الإبداع لتمام الابتكار. ‏
إنني لا أدري لم أستهجن هذا التسويغ في بعض يهاتفني، ويطالبني بشيء ليس له، ولا ملك لي عليه، وأنى له أن يكون قابضا عليه في واقعه، ‏وهو يعلم يقينا أنه لا يجوز شرعا أن يوطد بفكره السمج لعلاقات الدناءة في الحياة البشرية، ويرسخ بفعله لمبدأ التفاضل الذي يفرق بين ‏الناس بمقتضى الصفات التي نالوها، ولو لم تدل في حقيقتها على الملكة، والموهبة، والأهلية، لأن أعظم الآثام جرما في خدمة مشروع ‏الرداءة، هو إذلال سامق الطاقات، وباقر الكفاءات، لكي يتميز بالشيء المقرورة به العين من لا يملك بين طيات مشاعره إلا الحنين إلى ‏ساعات يحس فيها بالامتلاك المطلق، وإن كان ذلك في حقيقته ذليل المحتد، وحقير المولد، لأن مطالبتا بشيء لا نستوجبه بالقدرة الفائقة ‏فينا، ومهما كان ضئيلا في الحيازة التي يحصل بها الجرم على شيء من عطايا الطبيعة، يفوت على الكفء الجدير فرصة الاستحقاق لوصف ‏يمتلك بالقوة روح فعله، ويخلق في المجتمع بؤرا تنزف بالكراهية، والضغينة، إذ ما قام أحد بما لا طاقة له عليه، إلا وأغرف سفين معناه في ‏سبة الخداع، والزيف، والادعاء. وذلك مرئي ومشهود بالأعين المتضرعة حول الموائد استجداء، واستخذاء، لا لأن كثيرا ممن دفعهم بؤس ‏المقام إلى الالتواء على الفرص الممنوحة، قد نالته إعاقة تؤخره عن الركب السائر أمامه بين الأمداء الشاسعة. كلا، بل قيد سيره ما ‏أصيبت به الديار البائسة من أوجاع، وأوضاع، لأنها لو تمكنت بما في مكنتها على كسب ما هو مفروض لها بين حبايا الطبيعة، لنتج منها ‏استمرار الألفاظ على معانيها، واستحواذ الأشياء على مواقعها، إذ صعب أن نحصِّل على الوصف بغرور، واغترار، ونحن لا نمتلك ذاتا يمكن ‏لها أن تكون محلا مستوجبا للصفة بقرينة من القرائن. ‏
ومن هنا، فإن قفز الحديث المعروض للاقتناع من أدنى المقدمات إلى أقصى النتائج المطلوبة، يستدعي منا أن نبحث عن مستبطن عقيدة ‏التسويغ التي تسيطر على الأذهان المرتبكة بين الخضوع لعقيدتها، أو الخنوع لطبيعتها، لأن قبض العقل المسوغ على الغاية المحبوبة، والبحث ‏عن الاستدلال عليها بطرق ملتبسة، والرغبة في الوصول إليها بوسائل ملتوية، وطرد كل ما يعيق إقامة الحجة على فساد نياتها بالبراهين ‏القاطعة، ويربك السير في طريق حيازتها بالطرق المشروعة، هو الأمل الذي يحدو الذوات المتناقضة حين يسعى جهدها إلى إنهاء الصراع ‏الداخلي، والإجهاز على كل ما يعكر الصوت الباطني، ويسوِّد محيطه، ويبدد آفاقه، لأن الشعور بالندم على الفعل الذي فيه رغب اللذات، ‏ورهب الذات، وهو ملازم للعقل الذي يحس بالتنافي بين رغبات الذات الجونية، والبرانية، هو الذي يفسد العلاقة بالأشياء المقصودة ‏بالغايات المسوغة، لاسيما إذا ارتبط بالإحساس الديني، أو القيمي، إذ تذكر كيفية صياغة البدايات في ذاتها، هو الذي يصير طعم النهايات بلا ‏معنى. ولذا اقتضى ذلك أن يبحث العقل الصريع بكوامن النفس عن مخرج للقضية المتنافرة، ومسرب يجوز له أن يزيل ألم الذات المتألمة، ‏وينهي صراع الأضداد بين وجود الشيء وعدمه، إذ عدم امتلاكه له بالملكية الوافرة، هو الذي يغرقه في يم الاحتياج إليه بالتبعية، ويفرغه ‏من قيمه الأصلية، لكي يحتوي على مضمون النفس المركبة من المعاني المتعارضة. وامتلاكه له بدنيء الحيل بين الموارد الصاخبة، وهو غير ‏مملوك له بالقدرة الفائقة، بل بدافع آخر غير مرغوب في رأي الدين، ولا في حكم العقل السوي، ولا في نكهة الذوق السليم، هو الذي يفقد ‏ذلك الشيء حقيقته، وقيمته، ويجعل امتلاك اليد له حيرة، وندامة، لأن طبيعة الإنسان التي تحرك أقواله، وأفعاله، ومهما تطاولت على النظم، ‏والنواميس، لا تستوعب إلا لحظة سارحة تبحث عنها بين اللحظات غير المتناهية، وهي الساعة التي يرتاح فيها الجسد بإزالة أورام الذات ‏من العقل، والوجدان. وذلك متعذر في صياغة الحقائق الجلية في الأذهان، لأن عمل الدين في الطبيعة البشرية، هو ما يفيده من سكينة، ‏وطمأنينة، إذ ما يزرعه في الحياة من آمال حرى، هي التي تتحكم في صياغة معنى الكمال والتمام في المعاني الجميلة. ‏
وهذه الصورة بفطريتها المنسابة مع جمالية الأشياء التي تضيف صفة اعتبارية إلى الذات المحترزة من ضياع مهجة الحياة بلا بهجة، ولا ‏سعادة، وعلى رغم تمخضها عن الواقع الآسن، وملامستها لكل الحقائق التي تشكل نوعية الحياة فوق هذا الكوكب الأرضي، فإنها تبقى في ‏منطقها المستدل به عليها بريئة، ونظيفة، ما لم تمسها رغبة أخرى، تفسد عمل آلاتها، وأدواتها، وتصيرها غير فاعلة، ولا مؤثرة، لأن شهود ‏أثر الدين على الإنسان المتدين، هو الذي يمنحه صورة نقية عن ذاته، وعن غيره، فتكون تلك اللمسة الظاهرة عليه، هي محل الحكم للآخر ‏الذي يقابله، ويناظره. ولذا، فإن تنجس هذه الصورة بعفن الرغبات المتناقضة في قيمها الشخصية، والغيرية، وتعرضها للتحوير الذي يضفي ‏عليها طابع الخصوصية النفسية، والاجتماعية، هو ما يفقد المتدين اعتباره في داخله، وفي خارجه، لأن عدم إيقانه بنظافة وسيلته، ‏ووساخة غايته، هو الذي يحصر المخبر في سجن الندامة، ويبرز المظهر شاحبا، ومرتبكا. ‏
ومن هنا، فإن محل الألم في الصورة المتناقضة التي ينشأ عنها الألم، والكمد، هو ذلك الإحساس بعدم قدرته على ترويض شهواته التي تختفي ‏في قاع كيانه، والشعور برفض الآخر لذلك القناع الذي تكتسب به المعاني المشهودة، وتنال به المطاوعة لأمر الدين القائم في التكليف ‏بالعدالة، والمساواة، لأن إيقان الذات بسلامة سربها، وأمان مداها، ونقاء فضائها، هو الذي يبرز اطمئنانه على الظاهر المتفاني في إنجاز ‏صورته الفاتنة، وهو الذي يحدد نوع العلاقات التي تربطه بحقائق الأشياء الخارجية، إذ تحارب القدرة والإرادة في غور الإنسان، هو ‏الشقاء الذي ينزف في السلوك المتخوف من النتيجة غير المحددة، لأنه نمط يفسر أنساق الإدراك في النفس، والعقل، والقلب، والوجدان. ‏وإلا، فإن عدم الرغبة في هذا المظهر الذي ينبثق منه الوصف الخارجي عند الغير، والثقة بضرورة نيل الأشياء من روح الطبيعة، سيحرره ‏من أفكار كثيرة تحدث فيه انزعاجا، وضجرا. وذلك ما يحاول أن يبدده بعملية التسويغ، لأن طريقة تركيب القضية في عقل المسوغ، هو ‏الذي يبين لنا كيف تمت لحظة الرضى عن الذات، ولو خالفت منشور ما ترسمه من خطوات إلى الأمام.‏
وهكذا، فإن تركيب قضية التسويغ في العقل، هو البداءة من المقدمات غير المقبولة في التوجيه الديني، والعقلي، ثم الانتقال إلى طي كل ‏المراحل التي يتركب بها القياس المنطقي، لكي تتشكل النتيجة غير المرضية بتسويغ مرتبك، لا يقيم الدليل على صدق القضية في كنهها، ‏وماهيتها، وإنما يبني معنى باطنيا غير ما يظهر عليه من ألوان براقة، لأن ما يقوم به المسوغ من استدلال على استحقاق المقدمة للنتجية، ‏هو ما يحدث تناقضا لازما بين الحقيقة المستحوذة على الذات، وبين الرغبة التي يتحدد بها وجه من أوجه البحث عن الخلد، والبقاء، إذ ما ‏توافر حول مفهوم التضحية بالمبدأ الأسمى من مشاعر، وعواطف، ولو خالفت النص الديني، والمضمون العقلي، هو الذي يعبد الطريق ‏لجواز هذه المغالطة، وقبولها في الحقيقة، لأنها تحول القناعة من الذات إلى الآخر، وتنقل المعنى من دلالته على هويته إلى شيء يورى عنه ‏بما يبديه المتحدث من ألق، وتوهج. ومن هنا، يكون الحديث موجها لخلق الاقتناع عند المستمع، ويصير الإمعان في استحسانه لذلك ‏العرض المعروض، هو السلم الذي يرتقى عليه للوصول إلى الغاية المرضية. ‏
ويبدو لنا أن المسوغ يجهد ذاته في رص الأدلة المزيفة، والمعاني الملتبسة، لكي تكون أقدر على صياغة تلك القناعة في ذات الآخر، وصناعة ‏التآلف مع دلالتها المخالفة لأصل وضعها في الجبلة، أو الكسب، لأن عدم شعوره بعتب يلازم فعلَه عند النظير، والشبيه، هو الذي يزيح عن ‏كيانه غلالة القلق الداخلي، والمعنوي، ويذيب في مقامه وحشة الاغتراب، والصراع. وإذا نال ما قصده بوسيلته الدنيئة، كان أحرص على ‏امتلاكه، بل يتحول إلى درجة أخرى في الاستدلال على قضية الملكية، وهو جدارته على حيازة ما بين يديه، وقدرته في الاحتفاظ على ‏روحه، وسره. وتلك هي المزلة التي تدفعه إلى تزوير التاريخ لإظهار الانتساب إلى دائرة الكمال، وتحريف القيم إمعانا في تشويه الحقيقة، ‏وإغراقها في لجة الخلاف حول جنسها، ونوعها، وإرغامها على قبول المعنى الذي نفخ فيها جورا، واغتصابا، والرضى بما تدل عليه في ذات ‏المسوغ لها، لا في مدار طبيعتها، لئلا ينتزع منه ذلك الشيء الذي أيقن بغصبه له، وأعلن الحرب في سبيله، لأنه إن لم تستمر حمايته لذلك ‏المملوك الذي تتقوم به ذاته في فمهمه لمعنى احتياجها، وافتقارها، فلا محالة، سيفقد صولته التي يختفي من ورائها شخص مضطرب، ومخيف، ثم ‏تضيع معه ذاته التي تاهت منها أنفاسه الزافرة بالجشع، والطمع. ولذا، يصير التسويغ مرضا مدنفا في جهاز الذات، لأنه في عمقه خزي، ‏وعار، وفي ظاهره قهر، وانتحال، إذ لو قبل بما يؤدي إليه مقتضى العقيدة من الرضى بالقدر، لكان ذلك أسلم لجاهه في ذاته، وفي غيره، ‏لكن نقض ذلك بدافع البحث عن القوة، وزعم قدرة الشيء على الأثر المؤثر في الآخر، هو الذي يجعله مفارقا لمهد العقيدة، وإن أظهر ‏الغلو، والتنطع، لأن اعتقاده بقدرة الشيء على إحداث الضرر، أو النفع، لا يستقيم في منهج الدين الذي ينتسب إليه، إذ هو قد جعل الأثر ‏كامنا في الذوات، ولكنه لا ينفعل إلا بإرادة الله، ومشيئته. ‏
ومن هنا، فإن التسليم بالإرادة الأزلية، والإنكار لمقتضى المشيئة الإلهية، ولو لم يصرح به اللسان، ولكن ثبت عليه العزم، ورسخ عليه الفعل، ‏هو ما يفرض الخوف من الأشياء المفارقة، والأمن معها إذا لبست لباس الذات، وتحويرها، وتحريفها، وتخريفها، لأن الخوف من زوال قيم ‏الأعيان بين الأبدان، هو الذي يحولنا إلى ماديين، وطبعيين، وهو الذي يحكمنا بناموس يقبل الاستعباد، والاسترقاق، إذ العبودية، هي ما ‏انتزع منك إرادتَك، وصيرك محكوما بإراداته. وهنا يكون منزع كثير من الصراع الموجه في أوطاننا العربية بمقتضى الدين بائسا، لأنه تسويغ ‏لصور نمطية اختزنت في الذهن، وتوطنت الدماغ، وصارت حاكمة على السلوك المختل، والخلق المتناقض، لأنها هي التي رسخت للتصارع بين ‏الموارد المختلفة، ودفعت الإنسان في نهاية مقاماته إلى حماية ذاته بكده، وكدحه، ولو أنجر في واقعه ما يخالف عقيدته، لأن قتل الإنسان ‏بدعوى مخالفته لنمط سلوكي معين، ولو لبس لبسة الدين، وتجمل بالمعنى الإنساني، لم يكن مسوغا إلا حين اعتقد القاتل بأنه يهدي دم القتيل ‏إلى عالم السماء، لكي يحتفي أهل الملأ الأعلى بعرس الشهيد، وزفافه الميمون. وذلك مبني على كون القاتل لم يظفر في حياته برغباته المتعسرة ‏عليه، ولم ينتش في ظاهره بما يكسبه المسرة، ويكسوه بالمبرة، لأن سعة الأشياء عن ضيق امتلاكه لها، هو الذي يدفعه إلى الرفض والكره ‏لها، والسعي إلى إفسادها، وإهدارها. وما دام نوع هذا الرفض لا يحقق النتيجة المقصودة للعاجز عن كبح نزواته، ولا يقضي على ‏الإحساس المتألم بها، فإن رغبته ستتحول آليا إلى القضاء عليها، لئلا تزعجه بما يتواتر عليه من خواطر، وهواجس. وذلك ما يستهديه ‏الإرهابي حين تنفجر شهوته بين مدار واقعه المفعم بأنماط أخرى في الزينة، والفتنة، لأنه حين لم يطق الانسجام معها، ولا القدرة عليها، ولا ‏التخلص منها، ابتغى أن ينسف كلية العالم، لكي يكون مالكا للكون بمقتضى إرادة السماء. ‏
ومن هنا، فإن صيرورة ما يحدث في الدول التي تفجر بين رياضها ينبوع الإرهاب الديني، تؤكد حقيقة مطلقة، يؤمن بها هذا الوحش ‏الكاسر، وهو نزوعه إلى حقيقة الامتلاك التي يحرم منها في دائرة يحكمها نظام عام، وسواء كان نظاما عادلا، أو جائرا، إذ ما يناله من قتل ‏الرجال، وسبي النساء، وتسلط على الرقاب، وقدرة على قتل المخالف، هو الذي يشعره بالوجود الذي منع عنه في فضاء يسبب له الألم، ‏والشقاء، ويضمن له البقاء ضمن بؤرة يقبض عليها مارد جبار، ويسودها حاكم يرفع السيف في وجه من يعاند نظره إلى الأشياء، ولو فاصل ‏كل ما تواطأ عليه الناس من أعراف تحمي الحقوق الطبعية في الحياة الحرة. ومن ثم يكون الإرهاب تعبيرا عن عقد النقص الكامنة في الذات ‏المأفونة، لأنه يبرز الإطار المعرفي المتحكم في الكيان، كما يبين لنا كيف ينشأ السلوك في دائرته، وكيف يصير فعل الإجرام مسوغا عنده باسم ‏رعاية حق الإله في الأرض، إذ الإرهاب في نتيجته الجلى، هو انحراف عن خط الحرية الإنسانية في الاختيار، والتقدير، وفرض لمناخ يقبل ‏وزر النفاق، والكذب، ويسستيغ كل فعل يقي الذات من العقاب المفروض بمقتضى آخر، لا يرحم توسل الإنسان، ولا توسطه، لأن معنى ‏العفو ممسوح في ذاكرة الإرهابي، وممنوع عطاءه لمن عاداه، وعانده. ولذا يكون فعله انتقاما لما فقدته الذات من سلطة في محيط لا يعترف إلا ‏بما يضفي على الذات صولة القوة، والجبروت.‏