غسيل الاستبداد: كيف يتطهر الحكام!!

سامي عبد العال
2017 / 3 / 15

لا نملك إلاَّ الذهول: كيف لأنظمة الاستبداد أنْ تتوالد؟ وفوق ذلك: بأيَّة أساليب تفلت من كوارثها التي ارتكبتها بحق الإنسان؟ كأنَّ شيئاً لم يكن. وإذا كانت وظيفة التراجيديا في الفكر اليوناني التطهر أليس الاستبداد مأساة بلا نهاية؟ فقط تهدَّد على مذبح الثورات الربيعية كما جرى في العالم العربي. غير أنَّه لم ينس- فيما يبدو- ماضيه الزاهر. حيث يحاول إدارة عقارب الزمن إلى الوراء.
لو كانت الثورات قذارةً لاعتُبرت هكذا في مجتمعاتنا العربية والشرقية. بأفضل الأحوال هي جريمة تراها الأنظمة السياسية لعنة يجب إرجاعها إلى الشعب كله. علماً بأن الأنظمة (تغيرت!!) وجاء أحداها وراء الآخر كما بمصر وتونس خاصةً. لكن جوهر المواقف والسلطة واحد مهما اختلفت الوجوه. اللعنة تكتيك سياسي يخضع لقدرة الأجهزة المنهارة في لملمة وجودها والعودة لاحقاً. لتكون الكَّرةُ التاليةُ أشد باساً ووطأة في أشكال سياسية مغايرة.

إنَّ غسيل الاستبداد أشبه بغسيل الأموال غير الشرعية. له مصادره وممارساته وتحولاته التي تنمو تحت رعاية السلطة القائمة. كان مبارك - وما زال- بالحالة المصرية مثالاً عليه. وبخاصة أنَّه يجري تنظيف ساحته حتى البراءة من التهم المنسوبة إليه. ربما المسألة تلقى ضوءً خلفياً على قضايا أخرى شائكة. لأن من يتيح عملية الغسيل قوى ما في المجتمع. هي مجهولة تقريباً لكنها واسعة الانتشار وتمارس أدوارها على صعيد السياسة والاعلام والخطاب الدعائي حول النظام السابق. وهذا التنظيف لا يترك نتائجه فقط بل يعيد طرح مسألة الثورة كخطيئة تطارد مؤيدها. ويظهر كيفية إدارة الصراع بين صور الحاكم في أكثر من سياق. ولا نغفل في هذا الكلام الخاص بـ(آسفين يا ريس) كنوع من العبودية المختارة بمصطلح دي لابوسيه.

وجه الطرافة: أنَّ الجاني الجلاد يتحول إلى ضحية. يتجمع حوله مناصروه كما يتجمع الذباب فوق شيء جذاب. بأي معنى يكون القاتل مقتولاً؟ وكيف يعاد تقديمه من جديد؟ كيف تكون الثورة موضوعاً للاتهام بعد خطوات زمنية من حدوثها. أجاد مبارك تمثيل الأدوار تماماً في الحالين. وظل أثناء محاكمته محمولاً على نقالة وقد هرسه الهرم وأكلته الشيخوخة. واستفاد من سحنة المسكنة الاخوانية. فظهر وديعاً، سارحاً، مطيعاً لأوامر القضاة. بينما هو يستعد إلى ارتداء قناع تالٍ بعد فترة وجيزة من الكر والفر القانونيين. الأهم أن غسيل الاستبداد تمَّ على ذات المنوال القانوني في باطن الدولة. إن أحشاء القوانين التي دافع عنها الرئيس الغابر تسمح باستعادته لذات المكانة. بل وتسمح بتجريم الثورة كـ"كلبة جرباء" تهرب منها حتى الكلاب الضالة. لقد أصبحت كلبة عقوراً ينتظرها المناهضين بالحُفر والسدود لتُوارى الثرى.
الحاكم العربي لا يموت ولا يستحدث من عدم. إنَّه يترك بدائله الأشرس في تاريخ السلطة ورموزها وحتى معارضيها. لقد كان يلعب هذا الدور المأساوي كظهور الأرواح الشريرة كلما تناسيناها. وكأنَّ شيئاً من التغير لم يحدث منذ البداية. لأنَّ الثورات – كما آلت- فقدت بريقها. كما أن الواقع أكثر إجراماً مما يحتمل أي حلم. ليترسخ التصور العام بإمكانية عقاب الفاعلين وإن كانوا يزيحون عن كاهلهم حُكما قمعياً.
بهذا الوضع تتردد أسئلة مثيرة: من يستطيع غفران الثورة كذنب لا تمحوه الأيام؟ كيف هو الإله الجديد الذي يستطيع ذلك؟ أليست مساحة الغفران والرحمة دالة على قدرات الإله؟ إذن لننتظر معجزات التاريخ حتى يأتينا به. فالغفران خارج المعقول السياسي، خارج معجم السلطة أصلاً. ودوماً جميع الأنظمة المستبدة التي تماثل اللاهوت تجعل الغفران ثمناً لا هبة. بحيث على الشعوب أن تطلبه فلا تجده. وإذا ظفرت به يستدير الحاكم ليطلب الثمن مرتين. مرة مدفوع مقدماً حتى ينال الشعب غفرانه. ومرة تالية نتيجة استمراء طلب العفو. وعلى الشعوب أيضاً أنْ تتقبل كلَّ مشاكله القادمة. وبذلك يتحول الغفران إلى جميل وتفضُل من يرفضه عليه أن يتحمل العقاب!!

إذن ماذا بعد الدمار السياسي والتخلف في مرحلتنا الراهنة؟ هل جاء حاكم في دول الربيع العربي بتلك المواصفات؟ هل له أنْ يدرك حجم الجهل بنظامه المستنسخ أم أن شيطاناً تالياً لسابقه هو من يرتدى عباءة الحرية إن لم تكن عباءة الثورة ذاتها؟ القضية أن ثمة من يعيد انتاج القهر في جميع حيثياته. من جهة نمط الحكم وصناعة صوره والسياسات المتبعة. أما الأنكى فأن يترك أحداث الثورة للقضاء والمحاكم -كما في مصر- لتصفية وجودها من الأساس. بل اعادة رموز النظام الغابر إلى الواجهة على كراسي متحركة اسمها: خطيئة اسقاط الأنظمة!!
الأنظمة المستبدة لها كم ادخاري هائل من الخادع الذي يسعفها وقتما تشاء. وقد أفلح الحكام العرب في مراكمة هذه الأرصدة في بنوك السياسة الجارية. كل دولة عربية لديها فائض استبداد يكفي لأجيال قادمة بعدما دمر أجيالاً ماضية. وبخلاف سواه يطبع عصوراً لا مجرد فترة وانتهت إلى جديد. ما صنعوه لم يظهر إلاَّ قليله بعد. إنه المستقبل جميعه. وهذا ما لم يعيه الحكام. فمن فرط التخلف تستغرق الأنظمة في حالتها الآسنة بكل ما اوتيت من قمع. لا تترقب زمنا آخر لبناء الحياة السليمة. ولا تعلن مسؤوليتها عن تنمية المجتمعات لأزمنة أخرى.
لدرجة أنها تستند إلى حيل ديكتاتورية وأعمال فاسدة فوق الوصف. وتلك اغرقت الثقافة العربية في شخصيات وتصورات كلما أزاحها الحراك الذهني والعضوي للجماهير تخيم داخل أية أفعال عامة. حتى إذا كانت الفرصة سانحة تجذب أقرب الناس إليها. فما بالنا بمن يرى نفسه منقذا وملهما للثورات بينما هو يتلاعب بها ويدمر قدرة الأفراد على التحرر!!

ما حدث ويحدث في مصر: كيف يتم غسيل الاستبداد وبالتالي الثورة؟ بتحويلها إلى طلقات فارغة من أي مضمون ثوري. إنها الثورة الخطيئة. ولابد من صلب الشعب على غرار صلب المسيح. ويظل الفاعلين يدفعون حياتهم ثمناً للتكفير عن ذنبهم الأول!!
كل نظام جديد يدافع عن انهيار سابقه. لأن السابق كان نظاماً قد وفر التركة السياسية بمجملها. فلولاه ما كانت لتصل إليه السلطة. حتى ولو أقنع جميع الناس بكونها غير مرغوبة. الحاكم الجديد يعلم أن الساعة السياسية دوارة. ومهما تبرأ من ذلك ستثبت الأحداث كونه سائراً في نفس الطريق. ويدرك أن السلطة لا تجرى بلا عنف. وإذا لم يدافع ولو بواقع الحال عن سلفه لن يفلت من مأزق "الدور عليه".
فالديمقراطية بطبيعتها كالحصان الأرجوحة. لا تستقر على وضع دون تثبيت القاعدة وقبولها العام. والقاعدة هي الشعب. كما أنها تُخضِّع فاعليها لعملية فرز متواصل. إلاَّ إذا كان الوضع برمته ديمقراطياً ومفتوحاً إلى أبعد مدى. حينذاك تتحول اللعبة السياسية من لعبة خشبية إلى ممارسة حية. ويمكن تجنيب الدولة سقوطاً في الأزمات الطاحنة. لكن لا يستطيع الحاكم الجديد التسليم بهذا. فالحصان يتصوره الديكتاتور خاصاً به وحده. وأنه القادر على الامساك بأرجوحته. بالتالي يعجز عن الحفاظ على وجوده دونما الحفاظ على سابقه ولو كان فاسداً. هذه هي المفارقة: أن كل اتجاه مختلف سيؤدي إلى ترميم القديم.

طوال الوقت كان القضاء المصري يماطل في إدانة رأس النظام(مبارك). فقط أدانه صراحةً بسرقة قصور الرئاسة. بينما في القضايا الحيوية مثل: قتل المتظاهرين، قضايا الفساد، التلاعب بالمؤسسات، العنف والاستبداد، تدمير الأحزاب، انعدام الحرية،... خرج منها كأنها أضغاث أحلام.
"لم يكن ليقصد..." تلك هي الواجهة التي تصدّر عن مبارك للرأي العام. وبالتالي ما جرى وسيجري سيتم بنفس الطريقة بالنسبة لأي مسؤول: "لم يكن ليقصد...". وجميع طرق جهنم محفوفة بالنوايا الحسنة. جهنم الدولة التي يلقي فيها الحاكم من يشاء وينجي منها الخائفون والمؤمنون به.
ولنلاحظ أنَّ جرائم الأنظمة المستبدة جاءت مادية وستكون كذلك دائماً. لقد تمَّ حصرها في اختلاس الأموال وسرقة وبيع أراضي الدولة. والتلاعب بأسعار المواد الأساسية. وانحرافات رجال الأعمال واحتكار بعض مواد البناء. أي أن الفارق بين النظام الديمقراطي والنظام الديكتاتوري مجرد أوراق من الجنيهات. وهذه أيضاً أحدى الحيل: حصر الخسار السياسية في شكل عيني يقل دونها أي شيء آخر. بحيث تصبح قابله للمحو لمجرد المصالحة مع الديكتاتور ورجاله ومسؤوليه. لا ننسى أن التصالح مع رجال الأعمال الناهبين تم بتلك الطريقة.
بينما جميع الأطر الفكرية والسياسية غائبة تماماً. وهذا دليل أن الأنظمة التي تعاقبت على مصر لم يكن ليعنيها أصلاً انشاء حياة سياسية حقيقية. وكأن مبارك قد سرق عمود إنارة أو جاموسة من حقل جاره. بينما هو سرق الديمقراطية، سرق الدولة بخريطتها الحزبية وثرواتها المعرفية وامكانياتها الفكرية بكل ما تحمله الكلمة من مصير أجيال وعقولها وفرصها المتاحة. مبارك قتل مجتمعاً كان بإمكانه أن يقفز إلى الأمام هروباً من أوضاعه المزرية. كرس نمطاً رديئاً من السلطة التي تحتقر الإنسان وتنهب مدخراته وتغتصب كيانه بالأمراض والاستجداء وترسيخ الطبقية الاقتصادية البغيضة.

هكذا حيكت ألاعيب الأنظمة السياسية بكل خبث. فجميع آثارها المدمرة جاءت آثاراً جانبية وقعت نتيجة حسن النوايا ونقاء السريرة والوطنية العامرة بالإيمان! إنه التطهر السياسي في ماء القضاء والاعلام والندب السياسي والخطاب الغوغائي. وإذا كان الحكم الصادر عنوان الحقيقة، فعندما يخرج رأس النظام الغابر بريئاً من جميع القضايا لأي سبب من الأسباب، فاليقين الراسخ أنه لم يفعل شيئاً. وعلى ذات الخطى لن يفعل لاحقه أي شيء إزاء الميراث الثقيل.