هل يمكن كسر قيود الطاعة بعد تغلغلها ؟

طلعت رضوان
2017 / 3 / 15

هل يمكن كسرقيود الطاعة بعد تغلغلها؟
طلعت رضوان
وهل يمكن التخلص من الموروث العربى: (النظام الأبوى)
أجمع كل من أرّخوا لجماعة الإخوان المسلمين، أنّ العضولابد أنْ (يؤمن) بآلية الطاعة المـُـطلقة لمن سمى نفسه (مرشد) فكان حسن البنا يؤكدعلى ضرورة أخذ الأعضاء بالحزم، وأنّ من يشق ((عصا الجمع فاضربوه بحد السيف)) ثم انتقلتْ تلك الآلية إلى باقى التنظيمات الإسلامية الإرهابية. فمن أين جاءتْ تلك الآلية؟ كان حسن البنا يعتمد على حديثيْن الأول: ((من مات وليس فى عنقه بيعة فقد مات ميتة الجاهلية)) والثانى: ((من بايع إمامًـا فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إنْ استطاع فإنْ جاء آخرونازعه فاضربوا عنق الآخر)) وبغض النظرعن صحة الحديثيْن وأنّ الرسول لم يقلهما، فإنّ تاريخ الخلافة الإسلامية أثبت أنّ تلك الطاعة انتقلتْ إلى الخلفاء وأنّ الخليفة العباسى جعفرالمنصور((كان أول من أحدث تقبيل الأرض بين يديه)) (عبدالمتعال الصعيدى: المُـجددون فى الإسلام- هيئة قصورالثقافة- عام 2007- ص71، 72)
وبسبب تأثيرالدين على عقول الشعوب المؤمنة بالإسلام، فإنّ تلك الشعوب تقـبّـلتْ أبشع أنواع الحكم (الخلافة العثمانية) التركية ((وكانت تـُعامل (الرعايا) كأنهم عبيد لها، وإذا خاطبوا (الرعية) لايُوجـّهون الخطاب إليها بل يقولون لولاتهم: بلغوا عبيد بابنا العالى))
وهل يمكن تحت سنابك الولاء الأبوى للحاكم وطغيان آلية (المُـطلق) المُعادى للنسبى أنْ تتحرّرالشعوب المؤمنة بالموروث العربى الذى ما زال يُدرّس فى البلاد العربية، مثل قصيدة عمروبن كلثوم الذى قال فيها ((لنا الدنيا ومن أمسى عليها/ ونبطش حين نبطش قادرينا/ طغاة ظالمون وماظـُـلمنا/ ونظلم حين نظلم بادئينا/ إذا بلغ الفطام لنا رضيع/ تخرله الجبابرساجدينا)) والإيمان بالمُـطلق ترجمه الشعرالعربى فى هذا البيت ((وإنــّـا أناس لاتوسط بيننا/ لنا الصدردون العالمين أوالقبر))
وصل الهوس بتمجيد نبى العرب لدرجة أنْ كتب أحدهم ((وحتى الذباب فوق أنف نبينا/ نراه جمالايُبهرالعقل والقلبا/ لأنــّـا رأينا ما اعتقدنا كماله/ وصغناه مكتوبًا بأخلاقنا الغضبى/ لذا عزّمن شئنا له العزوحده/ لذا ذلّ من شئنا له الذل والكربا/ لذا نال مايبغى المُـطيع لأمرنا/ لذا نال من يعصوننا السلب والصلبا)) (عبدالله القصيمى: العرب ظاهرة صوتية- منشورات الجمل- عام 2000- ص275، 393) فكان تعقيب القصيمى ((لقد أصبح العرب عارًا وهوانـًا وسبابـًـا لكل العالم بسبب عنفهم. وأنّ النفط العربى خلق لهم كل مجدهم وشهرتهم. فهل وُجد خالق مثل النفط العربى؟)) (ص394) وكتب ((إنّ الإنسان العربى لم تتخلــّـق فيه مواهب الإنسان المتحضر. فلماذا جاء الإنسان العربى عربيًا ولم يجىء حضاريًا؟)) (ص405) إنّ لغة أى قوم لابد أنْ تكون تعبيرًا عن مستوى القيم الإنسانية. ولغة العرب تــُـفسّرهم وتدل عليهم حينما يكذبون ويبالغون ويزوّرون.. لذلك يقول المتحضرون: أيها العرب هذه هى لغتكم. هى كل مستوياتكم. خذوها. إنها هى أنتم)) (من 409- 412)
وفى الفصل الذى خصّصه للشاعرالمتنبى كتب القصيمى ((كل الرثاء للمحاريب الكثيرة التى شوّهتها جبهة المتنبى الذى كان فـُحشًا نفسيًا وأخلاقيًا وإنسانيًا ولغويًا. لعلّ جميع اللغات لاتجد كلمة رديئة لتكون على مقاسه. لعلّ قبحه مُعجزلجميع اللغات. فلن يُضيف أى قبح إليه فبحًا. إنّ تاريخـًا يُصبح المتنبى أحد أمجاده الأدبية والشعرية والأخلاقية لن يكون إلاّتاريخـًا عربيًا أصيلا.. لقد كان المتنبى عاهة فادحة تحوّلتْ إلى غثيان تاريخى. المتنبى كان يستفرغ نفسه عندما كتب ((أى محل أرتقى/ أى عظيم أتقى/ وكل ماقد خلق الله/ وما لم يخلق/ مُحتقرفى همتى/ كشعرة فى مفرقى)) ومن خلال دراسته لشعرالعرب وتاريخهم كتب القصيمى أنّ المتنبى لم يكن وحده وأنه لم يجىء من فراغ، وهل توجد بداوة فكرية أوتحقيرللإنسان يُساوى قول هذا الشاعرالمُحتكرلأضخم الحظوظ فى الأسواق العربية ((إنما الناس بالملوك ولا/ يفلح عرب ملوكهم عجم/ لا أدب عندهم ولاحسب/ ولاعهود لهم ولاذمم)) فمن الذى صنع المتنبى بأظافره وأنيابه الأخلاقية والنفسية وبعاهاته وتشوهاته؟ إنه لم يكن إلاّعربيًا ولدته مواهب وتاريخ وأخلاق ونبوات ومجتمعات عربية)) (من 472- 495) وأضاف ((أليس قحط المتنبى تعبيرًا عن قحط الطبيعة التى أنبتته وكوّنته ونقلتْ إليه قحطها.. فهل يستطيع المتنبى العودة إلينا ليرى أنّ مجده (الضخم) عارضخم)) (من 503- 507)
والمتنبى بعد أنْ طرده سيف الدولة ذهب إلى كافور، مدحه ثم هجاه وعيّره بأصله فى العبودية ((لا تشترالعبد إلاّوالعصا معه/ إنّ العبيد لأنجاس مناكيد)) وإذا كان المتنبى– بعد أنْ منع كافورعنه المال ورفض منحه قطعة أرض– أراد الهجوم عليه، فلماذا جمع كل البشرالذين كان من سوء حظهم أنهم وقعوا تحت سنابك منظومة (العبودية) فيطلب من الشخص الذى سيشترى (العبد) أنْ تكون العصا معه، وليس ذلك فقط وإنما يُحذره من أنّ (العبيد أنجاس) أى أنّ المتنبى لم يرأنّ هؤلاء (العبيد) بشر. والمتنبى الذى عيّركافوربأصله فى العبودية، سبق له أنْ مدحه بفجاجة عندما قال ((أبا المسك هل فى الكأس فضل أناله/ فإنى أغنى منذ حين وتشرب/ فإنْ لم تنط بى ضيعة أوولاية/ فجودك يكسونى وفضلك أرحب)) والمتنبى هوصاحب بيت الشعرالشهيرالذى مجـّـد فيه السيف ((حتى رجعتُ وأقلامى قوائل لى/ المجد للسيف..ليس المجد للقلم))
أما المفكرالفلسطينى هشام شرابى فكتب ((كان خطئى الأكبراعتقادى أنّ الثورة الشاملة قادمة لامحالة. وأنّ إزالة الأنظمة العربية المهترئة سيحدث عاجلا أم آجلا، ويقوم مكانها النظام العقلانى الحديث، وبقيتُ على هذا الفكرالطوباوى الذى زرع الحزب السورى القومى بذوره فى نفسى، حتى اكتشافى أنّ النظام الأبوى قادرعلى الوقوف ضد كل ثورة وإحباطها)) وأنّ المجتمع العربى مجتمع بطركى، أووفق تعبيره ((مجتمعًا نيوبطركيًا)) وفى نفس الوقت هومجتمع تابع ينقصه الاستقلال الذاتى ويعيش على الهيمنة الخارجية: سياسيًا واقتصاديًا وحضاريًا)) (النظام الأبوى- من ص140- 169)
000
هامش: هشام شرابى (1927- 2005) مؤرخ فلسطينى. انضم للحزب السورى القومى ثم هاجرإلى أمريكا بعد إعدام أنطون سعادة (مؤسس الحزب) عمل شرابى فى جامعة جورج تاون بواشنطن وساهم فى المؤسسات المعنية بالقضية الفلسطينية. ومن كتبه (مقدمات لدراسة المجتمع العربى) و(النظام الأبوى) و(النقد الحضارى للمجتمع العربى) و(الجمروالرماد)
***