قرار أتاتورك الذى هزّ الثوابت

طلعت رضوان
2017 / 3 / 14

قرار أتاتورك الذى هزّ الثوابت
طلعت رضوان
فى مارس سنة 1924 اتخذ كمال أتاتورك القرارالذى لم يجرؤ أى إنسان (مسلم) مجرد التفكير فيه، أى إلغاء الكارثة التى حطــّـتْ على المسلمين (وغيرهم) والتى أخذتْ اسم (الخلافة الإسلامية) بسبب الجرائم والمجازرالتى ارتكبها العرب المسلمون ضد مسلمين مثلهم وموحدين مثلهم. وكانت مصرضمن الدول التى كان من سوء حظها أنْ تقع تحت سيطرة هذا النظام البشع، الذى كان آخرصورة له الخلافة العثمانية/ التركية.
ولعلّ أهم مغزى فى قراركمال أتاتورك، أنّ الرجل يقول (بصريح العبارة) نحن نتنازل عن (الإتاوة) التى كان يحصل عليها الخلفاء المسلمون منذ1400سنة تحت اسم (الجزية) وإننا لانستحق هذه (الإتاوة) التى هى ملك للشعوب التى خضعتْ لاحتلال العرب وغيرهم وكان آخرهم الأتراك. وها أنا أتبرّأ مما فعله جدودى الأتراك، وأترك هذه الأموال لأصحابها.
من المؤكد أنّ كمال أتاتورك لم يقل هذا الكلام بشكل صريح، ولكننى أعتقد أنْ تحليل قراره الجريىء والشجاع، وترجمة مغزاه يؤدى إلى نفس النتيجة.
وسبق كمال أتاتورك (قاسم أمين) الذى تناول كيف كانت معيشة العرب، وأنهم لم يفكروا فى حل مشكلة الغذاء، حيث حرمتهم الطبيعة من الأرض الخصبة والأنهار، فاستسلموا ولم يفكروا فى البحث عن الحلول العملية، وفضلوا الاعتداء على غيرهم من الشعوب واحتلال أراضيهم ونهب محصولاتهم الزراعية، ووفق صياغة قاسم أمين فإنه كتب إنّ ((حياة العرب كانت حرب وقتال، وأرزاقهم كانت من الغنائم، وغنى عن البيان أنّ أمة معاشها متوقف على القتال، لايمكن أنْ يكون فيها للمرأة شأن كبير، حيث أنّ فى هذه المعيشة لاتستطيع أنْ تــُـجارى المرأة الرجل، ولذلك نزلتْ درجتها عندهم، حتى حسبوها من المتاع، وتناوها السلب وعـُــدّتْ من الغنائم، ومن هنا نشأ التسرى بالنساء المملوكات (قاسم أمين- الأعمال الكاملة- تحقيق د. محمد عمارة- دار الشروق- عام1989- ص459، 460)
ورغم أنّ والد قاسم أمين (تركى) فإنّ الابن تشرّب روح الثقافة القومية المصرية من أمه الصعيدية (من جنوب مصر) كما رضع لبنها، ولذلك كتب عن مصرأنها ((من أقدم الأمم، ويعترف لها المؤرخون بالسبق فى ابتكارالكثيرمن العلوم والصنائع، التى انتقلتْ منها إلى اليونان ثم إلى الرومان ثم إلى أوروبا. وتمتعتْ لعدة قرون بمدنية مشهورة، وأنتجتْ الكثيرمن الآثارلاتزال باقية خالدة، وستبقى خالدة. وأتى عليها زمن تغلبتْ فيه على ما جاورها من الأمم العظيمة، وأخضعتها لحكمها. وحتى بعد أنْ فقدتْ استقلالها، حافظتْ على وجودها وهيئتها، رغمًـا عما طرأ عليها من التقلبات والمظالم والمصائب التى توالتْ عليها. وهذا يدل على أنها وُهبتْ فى طبيعتها حياة قوية، وأنها مستعدة للمقاومة فى المزاحمة مع الأمم الأخرى)) (المصدرالسابق- ص479) وأكثرمن ذلك كتب ((ظهرالدين الإسلامى فى جزيرة العرب بين قوم كانوا يعيشون فى حال البداوة، أى فى أدنى الحالات الاجتماعية. فأخضعهم إلى رئيس واحد. وأمرهم (بالجهاد) فأخذوا يُحاربون الأمم الأخرى، واستولوا عليها، ولم يكن ذلك بامتيازهم على من جاورهم من الأمم فى العلوم والصنائع.. ورغم أنهم أخذوا بعض العلوم من شعوب غيرهم أكثرمنهم تحضرًا وتقدمًـا، فإنّ العرب أخذوا يؤولون الكتب بتأويلات استنبطوا منها أدلة على فساد المذاهب، وحملوا الناس على يـُـسيئوا الظن بها. ومازالوا يطعنون رجال العلم ويرمونهم بالزندقة والكفرحتى نفرالكل من دراسة العلم وهجروه (بينما فى دول الغرب) فقد شيـّـد العلم بناءً متينــًـا لايمكن لعاقل أنْ يـُـفكرفى هدمه، ولهذا تغلب رجال العلم على رجال الدين فى أوروبا، بعد النزاع بينهما، وانتهى الحال بأنْ صارللعلم سلطة يعترف له بها الناس هناك))
وعن نظام الحكم فى عصورالخلافة الإسلامية كتب قاسم أمين ((أما من جهة النظامات السياسية، فإننا مهما دققنا البحث فى التاريخ، لانجد عند أهل تلك العصورما يستحق أنْ يـُـسمى نظامًـا، فإنّ شكل حكومتهم كان عبارة عن خليفة أوسلطان غيرمُـقيـّـد ، يحكم بواسطة موظفين غيرمُـقيـّـدين، فكان الحاكم وعماله (أى الذين يأتمرون بأمره) يجرون فى إدارتهم حسب إرادتهم فخرجوا عن حدود العدالة، وعاملوا الناس بالعسف والظلم. والخليفة هوالذى يـُـعلن الحرب. وهو وحده صاحب الأمر، وهومن يـُـقرّرالضرائب ويضع الأحكام، مُـستبدًا برأيه، ولايـُـشرك أحدًا معه فى الحكم. ومن الغريب أنّ العرب المسلمين، لم يبلغوا مبلغ الأمة اليونانية. ولم يتوصلوا إلى ما وصلتْ إليه الأمة اليونانية، من وضع النظامات (= النظم السياسية) اللازمة لحفظ مصالح الأمة وحريتها، فقد كان فى اليونان جمعيات نيابية ومجالس سياسية تشترك بها مع الحكام فى إدارة شئون البلاد.. أما من جهة أصول الأدب فالمعلوم أنّ العرب لم يأتوا للعالم بأصول جديدة. فقد سبقتهم أمم كالبوذيين والصينيين والمصريين وغيرهم.. وقد رأينا الدول العربية بعد وفاة النبى إلى آخرأيامها، مُـمزقة بالمنازعات الداخلية الناشئة عن التباغض والحقد. وحتى فى الأوقات التى كانت فيها الدولة مُـشتعلة بالحروب مع أمم أخرى، رأينا أحد أولاد على بن أبى طالب قد تزوّج بأكثرمن مائة امرأة، حتى لجأ والده أنْ ينصح الناس بألايزوّجوه بناتهم. ورأينا من الرجال من كان يعترض النساء فى الطريق. ورأينا من أمرائهم من كان يشرب الخمر. ورأينا من شعرائهم من كان يستجدى العطايا ، ويمد يده مُـلتمسًـا رزقه من فضلات الأمراء والأغنياء. ومنهم من يمدح نفسه ويثنى عليها، ويذهب فى ذلك إلى حد ليس بعده إلاّ الجنون، أويتغزّل فى ولد، أويهجوخصمه بعبارات الفحش وألفاظ الوقاحة التى يستحى منها الفضلاء. ورأينا من مؤرخيهم من زوّرالتاريخ. ومن فقهائهم من يخترع الأحاديث ويضعها لغايته الذاتية (ولذلك) ليس أمامنا إلاّ أنْ نربى أولادنا على أنْ يعرفوا المدنية الأوروبية، ويقفوا على أصولها وفروعها. ويعرفوا أنّ أحوال الإنسان مهما اختلفتْ، سواء كانت مادية أوأدبية، خاضعة لسلطان العلم.
وأعتقد أنّ من كلامه المهم تلك الصياغة الدقيقة الموفقة حيث امتلك شجاعة الكتابة فقال ((لهذا نحن لانتردد فى أنْ نــُـصرّح بأنّ القول بأننا أرقى من الغربيين فى الآداب هومن قبيل ما تــُـنشده الأمهات من الأغانى لتنويم الأطفال)) (مصدرسابق- من ص494- 503)
وبينما كان هذا هوموقف قاسم أمين، فإنّ على يوسف كان من المدافعين عن (الجامعة الإسلامية) لأنه كان من مؤيدى الخديوعباس حلمى (الثانى) وبالتالى من مؤيدى الخلافة العثمانية. أى أنّ النزعة الدينية كسرتْ هذا (المصرى) الذى احترف مهنة الصحافة.
وعلى الجانب الآخرفإنّ المثقفين الليبراليين الذين وعوا خطورة الانحيازللدين على حساب الانحيازللوطن، رفضوا وقاوموا فكرة الجامعة الإسلامية، والأكثرأهمية هودفاعهم عن الثقافة القومية لشعبنا المصرى، وأنّ تلك الثقافة هى التى تستطيع مقاومة المحتل الإنجليزى (وليس الجامعة الإسلامية لكما تصورعلى يوسف ومصطفى كامل وكل التيارالإسلامى) وكان تفسيرتيارالقومية المصرية، أنّ الثقافة القومية هى الضمان الوحيد للدفاع عن الوطن، لأنّ تلك الثقافة لاتــُـفرّق بين أبناء الأمة على أساس التفرقة الدينية بين مسلم ومسيحى، لأنّ الثقافة القومية انتاج مجموع الشعب الواحد بغض النظرعن الديانة، فلا أحد يعرف من الذى ألــّـف المثل الشعبى، ومن الذى ألــّـف النكتة أوالموال.. إلخ، هل هومسلم أم مسيحى؟ لا أحد يعرف ولا أحد سأل. بينما الدين- على العكس- هوالذى يـُـفرّق بين أبناء الأمة الواحدة.
كان أحمد لطفى السيد هورائد القومية المصرية، كما كان رمزًا مهمًـا من رموزالتنوير. وكان من رأيه أنّ التاريخ ((وطبائع البشرعلمنا أنه لاشىء يجمع بين الناس إلا المنافع ، فإذا تناقضتْ المنافع بين قلبيْن استحال عليهما أنْ يجتمعا لمجرد قرابة الجنسية، أو وحدة الدين. وأنّ أبلغ مثال على ذلك هوانشقاق المسلمين على أنفسهم فى خلافة على بن أبى طالب مما هو مشهورومأثور)) (صابرنايل- العلمانية فى مصر- ص169) ولم يكتف لطفى السيد بذلك وإنما امتلك شجاعة الكتابة بأنّ الاحتلال والاستعمارالإنجليزى ((وراء فكرة الجامعة الإسلامية)) بهدف ((محوالشخصية المصرية، كى تبدوالأمة المصرية- فى نظرالأوروبيين- أنها أمة غيرمتحضرة)) (المصدرالسابق- ص170) وهكذا كان لطفى السيد يـُـحذرمن هذا المرض الخبيث (مرض الانتماء الدينى على حساب الانتماء الوطنى) وأنّ الأصوليين لم ينتبهوا إلى محاولات الإنجليزفى هذا الشأن.
الوعى بأهمية الانتماء الوطنى، وأنه هوالأساس وليس الدين، حيث أنّ الأول يضم جميع أبناء الوطن فى أعطافه، بينما الثانى (شخصى/ ذاتى) ومن هذا المنطلق، فإنه عندما غزتْ إيطاليا أراضى الشعب الليبى عام1911، ظهرالفرق بين أصحاب المرجعية الدينية، وأصحاب المرجعية الوطنية. ولأنّ أحمد لطفى السيد كان أحد رموزتيارالقومية المصرية، والمدافع عن الانتماء الوطنى– إنّ لم يكن أهم رمزلهذا التيار- لذلك عندما وجد أنّ التيارالأصولى الذى مثــّـله عبدالعزيزجاويش وغيره داخل الحزب الوطنى، كتبوا (على صفحات جريدة العلم وجريدة اللواء) يـُـطالبون قيادات الحزب (بل والشعب المصرى كله) بالوقوف بجانب الدولة العثمانية (بمراعاة أنّ ليبيا كانت خاضة تلك الدولة الاستعمارية) فكتب لطفى السيد مقالاشهيرًا بعنوان (سياسة المنافع لاسياسة العواطف) قال فيه إنّ سياستنا العملية يجب أنْ تقودها مصلحة مصر. وردّ على الذين يدعون إلى (الجهاد الدينى) فقال لهم: لماذا تجرون وراء طرابلس؟ وطرابلس تحتلها دولة ديانتها المسيحة (إيطاليا) ومصرتحتلها دولة ديانتها المسيحية (بريطانيا) فإذا كنتم تدعون للجهاد فلماذا تنظرون إلى البعيد (طرابلس) وتتجاهلون القريب (مصر)؟ (صحيفة الجريدة- 21 أكتوبر1911)
وجاء فى الرسالة التمهيدية لإلغاء الخلافة العثمانية، والتى أصدرها (المجلس الوطنى بأنقرة باستلهام أفكاروخطب مصطفى كمال أتاتورك) ما يلى ((حيث أننا نلاقى أفكارًا باطلة، وتعصبًـا لامبررله فى شأن من شئون الخلافة، فى زماننا كما هوالحال فى كثيرمن الأحكام الشرعية، شرعنا فى تحريرهذه الرسالة، وغرضنا تصحيح الأفكار، وتنويرالأذهان، بتفيهم حقيقة المسألة الشرعية، وبيان الأحكام المترتبة عليها)) (صابرنايل- مصدرسابق- ص173)
وبينما التيارالأصولى ظلّ يدافع (باستماتة) عن الخلافة العثمانية- آخرأشكال الخلافة الإسلامية- وطابعها الدموى والنهبوى، كانت النتيجة النهائية انتصارالتيارالعقلانى، الذى قاده ونفــّـذه كمال أتاورك، فكتب صفحة جديدة فى تاريخ البشرية، وقال (بعلوالصوت) لانريد (الجزية) و(العارالحقيقى) هونهب موارد الشعوب تحت اسم الجزية.
***