خديعة يناير2011

طلعت رضوان
2017 / 3 / 14

خديعة يناير2011
طلعت رضوان
أليس نظام السيسى هونظام مبارك؟
لماذا لم تلتفت الثقافة السائدة إلى (دبوس عمرسليمان)؟
أعتقد أنّ ماحدث فى يناير2011 انتفاضة شعبية عظيمة، كان من الممكن أنْ تتحوّل إلى (ثورة) لوأنّ الجماهيرالشعبية وجدتْ من يـُـمثلها على قمة السلطة، أو- على الأقل- تحققتْ مطالبها، ثمّ جاء (الدبوس) الذى أفرغ الانتفاضة من آمالها، هذا الدبوس كان بيان عمرسليمان غيرالدستورى، لأنّ مبارك سقط بعد الثمانية عشريومًـا بشعارالجماهير((يسقط حكم مبارك)) كما أنّ المجلس العسكرى ليس له صفة فى حالة وفاة رئيس الدولة أوسقوط حكمه، وبالتالى انطبق على بيان عمرسليمان، ما قيل فى وصف وعد بالفور(من لايملك أعطى لمن لايستحق)
ولكلمة (الثورة) معنى شائع على أية انتفاضة، ومعنى (أقل شيوعًا) مُنضبط وفق التعريف العلمى للثورات، وأبرزأمثلته الثورة الروسية الأولى (1905) والثانية (1917) لأنّ من خططوا ونفذوا هم الذين تولوا حكم الوطن (يُراعى هنا أنّ الحديث لايتطرق للتقييم- مع أوضد) ورغم أنّ شعبنا مات منه كثيرون عام 1919فإنّ المُستفيدين كانوا شرائح من (النخبة) ولكن نظرًا لأنّ (الهدف) كان خروج الإنجليزمن مصر، ثم جاء التلاحم الملحمى بين الشعب والنخبة لتبدأ صفحة من صفحات النضال ضد المحتل، ومن هنا وصف المؤرخون ماحدث فى عام 19بأنه ثورة، خاصة أنْ كان من نتائجها تصريح فبراير22(مع التحفظات عليه) ودستور23وصعود حزب الوفد لسدة الحكم أكثرمن مرة. وما انطبق على الثورة الروسية ينطبق على الثورة الصينية بسبب التخطيط المُسبق والأهداف المُحدّدة، وتضافركافة القوى الوطنية فى الحرب ضد الغزواليابانى مثلما حدث بين تشانج- هسو- ليانج من قوات الكومنتانج وبين تشانج- كاى- شيك وشويلياخ، فرغم عداء اليمين الرجعى للشيوعيين إلاّ أنهم جميعًا وحّدوا صفوفهم للإنتصارعلى اليابان. ونفس الشىء ينطبق على ثورات الشعب الفيتنانى ضد الاحتلال الفرنسى والاحتلال الأمريكى.
ورغم أنّ الثورة الفرنسية بدأتْ أحداثها فى عام 1789 إلاّ أنّ الشعب الفرنسى لم يذق ثمارها من استقراروتحقيق مطالبه العادلة إلاّبعد ثورة 1848 بعدة سنوات بسبب صراع القوى المختلفة من نخبة المجتمع الفرنسى، خاصة بين الجيرونديين وغلاة اليعاقبة. ومن الانصاف ذكرأنه من نتائج الثورة صدورالدستورالذى قيّد السلطة التنفيذية، وكان مقدمة لإعلان حقوق الإنسان الشهير(الحرية والمساواة والإخاء)
فى تحليل أسباب (لماذا لاتـُـصبح الثورات كما يطمح الثوار) ذكرأحد أهم مُـحللى الثورات: ((التكيفات القديمة تعمل على إعادة استقرارها، وتـُـنتج مايُعرف فى التاريخ بالرجعية أوالعودة)) (دراسة تحليلية للثورات- كرين برنتون- ترجمة عبدالعزيزفهمى- طبعة حديثة- هيئة قصورالثقافة- عام 2010- ص 17، 292) لذلك أعتقد أنّ ما حدث فى يناير2011و30يونيو2013 لاينطبق عليهما تعبير(ثورة) لعدة أسباب :
الأول: فى فبراير2011استولى المجلس العسكرى على الحكم، الذى لم يختلف عن حكم مبارك.
الثانى: أنّ محاكمة رموزنظام مبارك اتبعتْ كل أساليب إخفاء أدلة الإدانة، وبالتالى لم يكن أمام القضاء إلاّتبرئة القتلة بناءً على التحقيقات والمستندات المُقدّمة للمحكمة.
الثالث: الرفض القاطع من المجلس العسكرى والإسلاميين لإجراء محاكمات (ثورية) بحجة الظهورأمام العالم بأننا نلجأ إلى (القضاء الطبيعى) بينما كان الهدف حماية مبارك وعصابته. وكان هذا هوالفصل الثانى من فصول السطوعلى دماء الشهداء والمصابين. لأننا لوكنا بصدد (ثورة) حقيقية فإنّ جرائم مبارك وعصابته كانت كفيلة بالحكم عليهم بالأشغال الشاقة المؤبدة (أنا ضد الإعدام بشكل مبدئى لأسباب فلسفية) وكان يكفى تصديرالغازلإسرائيل (بغض النظرعن السعرالمُتدنى) وبيع شركات القطاع العام بالقيمة الدفترية وليس بالقيمة السوقية (وكان يكفى تقديم كتاب د. أحمد السيد النجارالصادرعام 2005عن الانهيارالاقتصادى فى عهد مبارك كمستند موثق بالأدلة الدامغة للخيانة الوطنية فى مجال الاقتصاد والتفريط فى أراضى الدولة مثل بيع أرض توشكى لمستثمرسعودى ب 50جنيه للفدان..إلخ.
الرابع: إصرارالمجلس العسكرى على أنْ تكون الانتخابات قبل الدستورتلبية لمشيئة الإسلاميين، تمهيدًا ليكتبوا هم دستور(الدولة الإسلامية) كما حدث فى دستور2012.
وإذا انتقلنا إلى المشهد بعد 30يونيو نجد أنه أكثروضوحـًـا وإصرارًا على تطبيق نفس المنظومة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، التى بدأتْ مع السادات واستمرّتْ مع مبارك، أى الخضوع التام لتوصيات صندوق النقد الدولى، الذى هو(الواجهة الحقيقية) للرأسمالية العالمية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، التى تعمل جاهدة على عدم استقلال الدول، التى ترى أنّ خضوع أنظمتها لتعليماتها، يـُـحقق (مصلحة أمريكا القومية)
وقد ترتب على خضوع النظام المصرى لسياسة صندوق النقد الدولى، أنْ تضاعف عدد الفقراء وتضخم بؤسهم لدرجة الانفجار، ووصل الأمرلدرجة- ليس العجزعن شراء زجاجة زيت أوكيس أرز..إلخ، وإنما العجزعن العلاج والطرد من المستشفيات الحكومية، فلا يكون أمام المرضى الفقراء إلاّ انتظارالموت البطيىء.
وإذا كانت ظاهرة (مافيا الاستيراد والتصدير) بدأتْ مع عهد السادات واستفحلتْ فى عهد مبارك، فإنها توحشتْ فى عهد السيسى، ويكفى (كدليل على ذلك) ما ذكره الخبيرالدولى فى التخطيط والتجارة (اللواء نبيل ربيع) حيث أدلى بحديث صحفى فى صحيفة حكومية كبيرة، قال فيه ((خمسة من حيتان السكريحتكرون استيراده، وأذاقوا الشعب المرار. وأنّ كيلوجرام السكريصل لموانى مصربسعرأربعة جنيهات، بينما التجاريبيعونه بسعرإثنى عشرجنيهـًـا. ونفس السيناريويتكرّرمع كل السلع الأساسية (التى تمس حياة الجماهيرالشعبية) وأنّ النظام هوالمسئول عن ارتفاع الأسعار. وأنّ سبع دول مُـنتجة تتنافس على البلاد المستهلكة لصديرسلعها)) (صحيفة أخباراليوم21يناير2017) فهل بعد كل هذا البؤس الذى يعيش فيه فقراء مصر، تـُـعتبرأحداث يناير2011(ثورة) أم انتفاضة فرّغها دبوس عمرسليمان من محتواها؟
000
هامش: كرين برينتون (1898- 1968) مؤرخ أمريكى- فرنسى الجنسية. أحد المتخصصين فى (تشريح الثورات) ورأس الجمعية التاريخية الأمريكية والجمعية التاريخية الفرنسية. ومن كتبه المهة (تشكيل العقل الحديث) و(تشريح الثورة) و(دراسات تحليلية للثورات)
***