لا نظرية حول المرأة

سامي عبد العال
2017 / 3 / 13

المرأة لو أرادت هزيمة الأقدار لفعلت... ليس أقل من دفع العبارة إلى أقصاها. اشارة إلى روح الأسطورة داخل كيانها. إنه التواري الخلاب لما هو خبيء في إنسانيتها. هذا اللا متوقع، المستحيل، العجائبي، المذهل، الخرافي. إلى أخر التداعيات الحرة للخيال والرغبة والفعل. لن تكون المرأة نظرية في المعرفة ولا حقيقة وجودية. إنها بلاغة، صور مخاتلة فوق كل التحديدات. هي نزوع نحو الانطلاق والانعتاق والتحرر. ذلك بحكم طبيعتها لا بمجرد مساحيق خارجية. وربما يأتي من زاويتها عواصف لا يتخيلها "عاقل" بالتقنيات الفلسفية أو الاجتماعية. وتسقط تحت أقدامها التصورات المسبقة رغم أنها كانت أول ضحاياها.

أبرز ما وقعت في حبائله المرأةُ هو نظريات النسوية ذات البعد الأيديولوجي. لأنَّها لم تحررها بل وضعتها تحت الوصاية المقلوبة. واسمت نفسها نظريات نسوية... وكأن هناك أخرى ذكورية تترصدها عن كثب. فهي لا تقف إلاَّ على ثنائيات: الذكر/ الأنثى، المرأة/ الرجل، الحب/ الكراهية. وبناء على ذلك أخذت في تعريتها وجعلتها نهباً للأديان والمجتمعات. كما أنّ النظريات عنف مغلظ بحماية معرفية غير قابلة للكسر. حيث تُوضّع الأنثى في أغلفة ذهنية كنوع من التكفين والدفن العلمي. لكن باسم التحليلات والآراء والانتقادات تلك المرة. فالمعرفة تحدد ماهية النساء كموضوع يفتقر لأية مفاجأة. تسلبهن ثراء متنوعاً لا حدود له. تستبدله بمعايير ومطالب تنطفئ عند الحد الأدنى من وجودهن. إن المفاهيم تربط المرأة بالأنوثة الأقل من الذكورة. وهذا لا يعود إلى الطبيعة بل إلى الثقافة.
والنظريات تقول أيضاً: ها أنت كما هي... إليك أيتها المرأة ماهيتكِ التي لا تتغير. أنت الجانب الضعيف حرفياً لا شيء سواكِ. أي تعبر لها عما يكمن في أعماقها من أشياء مفترضة. بينما هي ليست كذلك بالضرورة. كما ترى سيمون دي بوفوار أنَّه: " لا تولد المرأة امرأة إنما تصير إلى ذلك من خلال المجتمع".

وفوق ذلك تجمد بعض النظريات وجود المرأة كأنَّها في هيكل تاريخي واحد. فالأفكار السابقة هي البديل غير العضوي لإمكانية فهم النساء كما يُراد لهن. وتدريجياً تختفي المرأة كطرافة وانكشاف لصالح المرأة المرغوبة أو المكروهة اجتماعياً. حتى أنَّ أغلب النساء لا يتعرفن على صورهن في مرآة الآخرين. أمام الناس يرتدين أزياء ثقافية فُصلَّت إليهن من قبل. لم يتدخلن في شيء: أجسادهن، حياتهن، زواجهن، مصيرهن، رغباتهن، علاقاتهن. أشياء لها إطار تم انتاجه وتسويقه وتصديره كما يريد المجتمع. إنها الصدفة البراقة من الخارج والكئيبة إلى حد الغسق في داخلها.
يرى اوسكار وايلد: النساء وجدن لنحبهن... لا لنفهمهن. ومع سلبية بعض هذه الآراء إلا أن أحد أسباب مشكلة المرأة هو محاولة عقلنتها. أي وضعها في اطار عقلاني يتماشى مع القالب المفهوم والمدجن في الحياة الاجتماعية. عندئذ تقابل المرأة أشباح الذكورة في جوف العقل. لأن تاريخ العقلانية هو تاريخ ذكورة منحازة إلى ذاتها على الأصالة. سقراط قديما قال: لا تخف كراهية الرجل...وتجنب حب المرأة. وهي فكرة ترمى أبعد مما تعبر لأول وهلة. فكراهية الرجل يمكن التغلب عليها. أما الحب الأنثوي فقد يأتي إلى عقلك بما يناقضه. كما أنه ينتهي إلى أسر لا تجد فكاكاً منه. وحب المرأة قد ينقلب إلى كراهية لا تبقي ولا تذر. هذا هو الغالب على صورة النساء.

كما أن الغرائز والرغبات والأهواء كانت دوماً في تراث المذاهب والنظريات والأيديولوجيات ضد العقلانية. لقد ربط ديكارت الأهواء-مثلا- بحيل الشيطان الذي يتلاعب بالإنسان. جاعلاً إياها مرحلة عابرة وصولاً إلى الحقيقة. حيث وضوح العقل وصرامته وتحلله من كافة المنغصات الأخرى. وهذا الرأي يعبر عن اقصاء لما هو غير واضح. وكأنه يطرد الهوى، الحب- وهذان يرتبطان بالأنوثة- من مملكة العقل. وأنهما غير ضروريين مهما حاولا التسلل إلى ساحته.
وذلك كان وراء وضع المرأة نقيضاً للرجل: الأهواء عكس التعقل. فهي ليست طرفاً في صراع حتى يناصبها الرجال العداء. لكنها دوماً حضور وغياب. وذلك بكامل كيانها. المرأة لا تتجزأ، ولا تتفصل. أي هي كائن إنساني ضد التبعيض والتقسيم. إذا كانت لتأت فهي كاملة تماماً. الوجود الحر لها يسدد مساحات الفراغ في حضورها. يشير جان جاك روسو" تعتقد المرأة ...ما تحب". فالعالم لديها غني بتفاصيله وتكوينه وآثاره أيضاً. ولذا تشكل ذاكرة ضد النسيان. هي الاستثناء الوحيد تقريباً: ذاكرة لا تُنسى ولا تقصى. ولهذا كانت هي التهديد- المخيف عن قصد أو غير قصد- لكل الأنظمة الاجتماعية المتخلفة. أينما حلت تفتح مجالاً للغة، للمعنى. ونحن نعرف أن سلطة الخطاب في المجتمعات لا ترضى عن المركزية بدلاً. من هنا كانت الأنثى خيطاً في الخطاب، مساراً هامشياً لكنه يفتتح عمل كل شيء سواه.
ذلك بفضل أنها تحمل زمناً في حالة كثافة سردية. وبالتالي كم ارتبطت النساء بفكرة الحكي وصياغة القصص والاحاجي والألغاز. في الثقافة العربية كانت شهرزاد .. هذا النموذج للمرأة التي تُعطل المصير وتطيل الزمن وتقرر نهايات الأشياء. وتجاوزاً ليست شهرزاد هي الكيان المغلوب على أمرة. بل هي القص ذاته. حبكته الدرامية رغم أنها تنتظر في سكون اللغة. لأنها حملت الأعماق النائية لتأجيل الرغبة إلى مالا نهاية. وهي أيضاً مقدار التشويق الفائض نحو المزيد. وكل أدب لا ينقل هذا الطفر بمضامين المرأة ليس أدباً. لأنَّه لم يلامس قاع الرغبة الصامتة ضمن السرد. وتبدو المعرفة حتى عاجزة عن نقل إيقاع المرأة العصي على التجلي. مثلما هي دلالة التخييل بجميع ألوانه المجنونة. فالأخيرة هي الحياة، الاغواء المتوالي للمجهول والخلق.

ومن هنا لم يعد ليعرف المجتمع ناهيك عن الرجال كيف يسيطرون عليها. وذلك بتزامن مقولتي(الحضور والغياب) دون انفصال بينهما. فعلى من يتصور النيل من المرأة أن يكف فوراً عن مطاردة أشباحه قبل سواه. لأنه في الحقيقة يطارد وجوده. كما أنها ليست آخرَ بالمعنى التقليدي. بما يشيء كونها خارج الذات. فيتصور أنها ضحية ومفعول بها على الوجه الأقرب. من يستطيع معرفة النساء؟ ومن بإمكانه تحديد موقعها كأنَّه جهاز احداثي لاقط؟
ليست الفكرة هنا سخرية ولا تضخيماً لما هي المرأة. لكن الاشارة محتملة إلى تشيؤ الأنثى كما في المجتمعات الشرقية. فهي (متاع الحياة الدنيا) بمنطوق التراث الديني. إذن منذ اللحظة الأولى هي سقط المتاع. وإذا كانت الحياة دنيا(في وضع مُحقَّر بالأساس) فكيف بمن هي متاع المُحقَّر؟ بالتأكيد ستكون أقل من المحقر كما هو شائع. حيث تخضع اجتماعياً إلى نحت خشبي لا يترك في هيئتها صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
والتراث الديني المشار إليه يكرر معطى ثقافياً واجتماعياً. كأنه يؤكد ا =أ(أ هو أ) على طريقة قانون الهوية لدى أرسطو. لتسوِّق الثقافة قولاً كهذا بتراكم للأفعال والتصورات العنيفة حول النساء. مع أنهن قادرات على اتاحة زوايا مختلفة في الحياة الانسانية. هن كائنات غير قابلة للتصنيف. المرأة خارج التوقعات: إرادتها، صورتها، أساليب تواصلها. جميع ذلك يجدد سؤالاً: من هو الرجل؟ كيف سيتصرف إزاء نفسه؟

كان نيتشه محقاً عندما قال: "المرأة لا تريد الحقيقة، الحقيقة أخر همها.. لا شيء تمقته المرأة وتعافه أكثر من الحقيقة". لديه حق وإن كان يقصد التقليل منها. فالمرأة أبعد من الحقيقة. الأخيرة هي الشكل العيني لمفاهيم العقل والمعرفة التقليدية.... كيف ستكون موضعاً لعناية المرأة؟ لا تتطابق المرأة مع نفسها، فلماذا سيكون مطلوباً تطابقها مع شيء خارجي؟ بالتأكيد سيكون دخيلاً عليها بينما جوهرها هو الاختلاف. ولهذا أشار نيتشه أيضاً أن:" الحقيقة أنثى وعلى المرء ألا يغصبها". أي الحقيقة غير ما نتصور عنها، غير ما تزعم. هي حالة خاصة. يجب وضعها بين قوسين( الأبوخية على طريقة هوسيرل).
والنظرة البعيدة أنَّ المرأة هي زخم الحياة. فهي الوجه الثري لما نحن عليه. رغم الحروب الطاحنة عليها. بدءاً من التقاليد وانتهاءً بتدجينها تحت مظلة الديانات بلافتات عديدة.