الخرافة بين الطفل والفنان في السنكسار

عزوز أبو دومه
2017 / 3 / 12

الشهيد زكريا الطفل

أثناء مذبحة أخميم حينما قتل أريانا الوالي الآلاف من المسيحيين، لاحظ طفل صغير يدعى زكريا ابن رجل صياد يدعى فاج، أنه في الوقت الذي كان يطرح فيه بعض الشهداء في النار بناء على حكم أريانوس، أن أشخاصًا نورانيين يحيطون بهذه النار، ويمدون أيديهم ويأخذون أرواح هؤلاء الشهداء من النار، ويضعون أكاليل بهية على رؤوسهم. لَفَت الطفل نظر أبيه بصوت مرتفع إلى هذا المشهد، وإذ سمعت الجماهير المحتشدة ما كان يقوله الطفل أسرعوا نحوه يستفسرون منه عما رأى.
لما رأى الوالي تلك الجموع تندفع نحو الطفل، أمر باستدعائه وقطع لسانه، فحمله أبوه على كتفه، ورآه وهو يُنَفَّذ فيه الحُكم. وفجأة شَفَى ميخائيل رئيس الملائكة لسان الطفل فصار يتكلم ويتهلل. فعاد به أبوه إلى الوالي ليخبره بما كان لعله يرتدع عن طغيانه حينما يرى بعينيه ما حدث. أما الوالي الطاغية فأمر بأن يُحرق الطفل وأبوه، وبسببهما آمن كثيرون وأعلنوا مسيحيتهم أمام الوالي، الذي أمر بقتلهم بالسيوف والرماح. وقيل أن عددهم بلغ ستمائة وأربعة شهيدًا.

الشهيد إريانا والي أنصنا
(الشهيد إريانوس)

التصق اسم إريانا Arianus بدقلديانوس، فكان الأخير قد عُرف بشراسته في اضطهاد المسيحيين، فإن والي أنصنا بصعيد مصر (بجوار ملوي) في عصر دقلديانوس، قد عُرف بتفننه في تعذيب المسيحيين لا على مستوى صعيد مصر وإنما امتدت شهرته إلى خارج مصر، فكان الولاة يرسلون إليه من يرغبون في تعذيبه.
ذكر اسم إريانا كوالي قاسي في سير كثير من الشهداء، ولا نعرف ما كان يختلج نفسه أمام هؤلاء الجبابرة الذين كان أغلبهم يقابل الموت بتهليل وفرح.
لكن ما لا نستطيع إنكاره أنه قد صغر جدًا في عيني نفسه وأدرك قوة الشهداء لذلك اجتذبته نعمة الله لا للإيمان فحسب وإنما للاستشهاد أيضًا.
في إحدى المرات إذ كان يستعذب عمليات التعذيب صوب سهمه ضد فليمون زمار أنصنا الشهير الذي قبل الإيمان المسيحي وتحول عن وثنيته إلى الشهادة للحق. فارتد السهم على إريانا فأصاب عينه، فكان يصرخ مجدفًا على الله. في هدوء سأله فليمون أن يذهب إلى قبره بعد استشهاده ويضع من التراب على عينيه ويدلكها به باسم السيد المسيح. وبالفعل إذ قطع إريانا رأس فليمون اشتد به الألم جدًا، فتسلل في الفجر إلى المقبرة وتمم ما قاله له فليمون فانفتحت عينه.
دخل إريانا مدينة أنصنا Antinopolis، وبجرأة فتح السجون لينطلق المعترفون منها وكان يشهد لمسيحهم... وكان الإمبراطور في ذلك الوقت يزور الإسكندرية، فسمع بما فعله إريانا ولم يصدق الخبر، فأرسل أربعة رجال من الحرس يتحققون الخبر ويأتون به إليه. دفع إريانا للحرس ذهبًا ليسمحوا له بزيارة مقبرة القديسين فليمون الزمار وأبولينوس، وهناك سمع صوتًا يصدر عن رفاتهما يشجعه على الاستشهاد، فانطلق مع الحرس مملوءًا بنشوة الفرح السماوي.
التقى بالإمبراطور دقلديانوس، وأعلن أمامه رفضه للعبادة للإله أبولو، فما كان من دقلديانوس إلا أن أصدر أمره بحفر بئر يلقونه فيها ويردمون عليه، وكان الجند يرقصون حول البئر، قائلين: لنر إن كان مسيحه يأتي ويخلصه!.
لم يصدق دقلديانوس ما يجري حوله، كيف يتحول إريانا إلى الإيمان المسيحي؛ وفيما هو مرتبك نفسانيًا إذا به يرى إريانا أمامه في حجرة نومه فخاف جدًا، إذ ظنه جاء ينتقم منه. وإذ وجده هادئًا سلمه للجند الذين لما رأوه وأمسكوا به وتحققوا من شخصه بعد الردم عليه آمنوا بمسيحه، خاصة أنهم رأوا إريانا يتعجل الإمبراطور أن يسرع ويقتله لكي ينطلق إلى السماء.
طُرح إريانا والجند الحراس الأربعة في البحر عند طرف جزيرة لوقيوس، لكن أجسادهم طفت عند شاطئ إيلوزيس، حيث حملها بعض خدام إريانا واهتموا بدفنها، وكان ذلك حوالي عام 305 م.، وقد ظهرت منها آيات كثيرة.

استشهاد اريانوس والى انصنا (8 برمهات)
في مثل هذا اليوم استشهد القديس اريانوس والى انصنا. وذلك لما أمر برمى القديس ابلانيوس بالسهام وقد ارتدت إلى عينه فقلعتها كما هو مذكور في اليوم السابع من برمهات قال له أحد المؤمنين: "لو أخذت من دمه ووضعت عينك لأبصرت" فأخذ من دمه ووضعه على عينه فأبصر للوقت، وآمن بالسيد المسيح وندم كثيرا على ما فرط منه في تعذيب القديسين. ثم قام وحطم أصنامه، ولم يعد يعذب أحدا من المؤمنين. فلما اتصل خبره بالملك دقلديانوس استحضره واستعلم منه عن السبب الذي رده عن عبادة آلهته. فبدأ القديس يقص عليه الآيات والعجائب التى أجراها الله على أيدي قديسيه، وكيف أنهم في حال عذابهم وتقطيع أجسامهم كانوا يعودون أصحاء.. فاغتاظ الملك من هذا القول، وآمر أن يعذب عذابا شيدا، وأن يطرح في جب ويغطى عليه حتى يموت. فأرسل السيد المسيح ملاكه، وحمله من ذلك الجب، وأوقفه عند مرقد الملك. ولما استيقظ الملك ورآه وعرف أنه أريانوس، ارتعب ودهش. ولكنه عاد فآمر بوضعه في كيس شعر وطرحه في البحر. ففعلوا به كذلك. وهنا أسلم الشهيد روحه داخل الكيس. وكان القديس عندما ودع أهله أخبرهم بأن الرب قد أعلمه في رؤيا الليل أنه سيهتم بجسده، ويعيده إلى بلده، وانهم سيجدونه في ساحل الإسكندرية. وحدث أن أمر الرب حيوانا بحريا فحمله إلى الإسكندرية وطرحه على البر، فأخذه غلمانه وأتوا به إلى انصنا، ووضعوه مع أجساد القديسين فيليمون وأبلانيوس، وهكذا أكمل جهاده ونال الإكليل السمائى.

الشهيد فليمون الزمار
Philemon the actor
أمر إريانا والي إنصنا بالقبض على كل مسيحي بالمدينة بأي ثمن، وامسكوا 37 شخصًا وقدموهم للمحاكمة. وكان من بين هؤلاء شماس يدعي أبولونيوس، فلما أحضروه أمام آلات التعذيب ارتعب وتراجع.

أبولونيوس يلجأ إلى فليمون:
ولكي يحافظ أبولونيوس على حياته ذهب إلى لاعب مزمار ماهر جدًا يدعي فليمون، وقدم له أربع قطع ذهب، ورجاه أن يذهب هو ليذبح للأوثان بدلًا منه، فوافق الفنان أن يأخذ رداءه ووضع المزمار الذي كان في يديه عند أقدام أبولونيوس والقي الرداء على كتفيه وتقدم إلى المحكمة فلم يعرفه أحد.

فليمون يؤمن بالسيد المسيح:
وإذ حوّلته النعمة في لحظه صرخ فليمون وقال: "أنا مسيحي ولن أذبح للأوثان"، فهدّدوه وتوعّدوه بأنه سيلاقي العذابات المريرة. ثم فكروا أن ينادوا على فليمون عسى أن تنجح أصوات مزماره الشجية في التأثير على هذا الثائر، فبحثوا عنه دون جدوى، وحينئذ استدعي الوالي أخاه الفنان تيوناس وسألوه عن أخيه، فنزع الرداء الذي يغطي وجه أخيه وقال: "ها هو، إنه أمامكم". وعند رؤيته ظن الوالي أنه يمثل ويمزح ولكن فليمون ردّ عليه وقال: "هذا ليس فكاهة، اصنع ما شئت لأن نعمة المسيح قد غمرتني وحوّلتني".

عماد فليمون:
فكّر الوالي في قتله ولكنه خاف من الشعب الذي كان يحب فليمون كثيرًا. ثم تنبّه فليمون إلى أنه لم يتعمّد فرفع نظره ويديه إلى فوق وصلى لكي ينال العماد المقدس فاستجيبت صلاته واختفي في الحال. تعجب الحاضرون ولم يصدقوا أعينهم حتى ظهر فجأة في نفس المكان بعد أن نال العماد. حاول الوالي أن يستثير فيه حبه لفنه، فطلب فليمون من الرب أن يرسل نارًا من السماء تحرق مزماره، فرأي الحاضرون كرة من جمر نازله من فوق تسقط عند أقدام أبولونيوس واحترقت الآلات الموسيقية.

الوالي يفقد أحد عينيه:
استدعى الوالي ثلاثة جنود وأمرهم أن يلطموا فليمون بدون شفقة فضربوه بعنفٍ، ثم حاول أن يغريه ولكنه لم يتأثر.
أمر بإحضار أبولونيوس Appolonius وفليمون وأن يثقبوا كعوبهما ليُدخلوا فيها حبالاُ ويجروهم في الشوارع، ثم أحضر سهامًا ليرشقوها في جسده فعلقوه ورأسه إلى أسفل، وكان القديس يصلي من كل قلبه وسط العذاب.
كانت السهام تنثني في جسده وترتد في الهواء، وعندما رفع إريانا عينيه لينظر الشهيد طاش سهم وقلع إحدى عينيه.
جن جنون الوالي وسأل القديس: "أين تعلّمت هذا السحر؟ ترى أني فقدت عيني فأعد إلى بصري وأنك تستطيع ذلك أن أردت". ردّ عليه القديس قائلًا: "إذا صلّيت إلى إلهي فإنك تعزو شفاءك إلى السحر. فبعد موتي اذهب إلى قبري وخذ من هناك بعض التراب واصنع منه طينًا ودلِّك به عينك فتشفي في الحال".

إريانا يقبل الإيمان:
كان الوالي قد أمر بقطع رأسي فليمون وأبولونيوس، وبعد دفنهما هبّ إريانا إلى قبر القديسين وفعل كما قال له القديس وفي الحال عاد إليه بصره ودخل المدينة صارخًا "إني أرى. أنا مسيحي". وتجمّعت حوله الجموع يسألونه، ولما علموا بما حدث اخرجوا جسديّ الشهيدين وغسلوا جروحهما الدامية ولفوا رفاتهما المكرمة ثم دفنوهما من جديد. ثم أخرج إريانا في نفس اليوم المسجونين المسيحيين وأطلق سراحهم دليلًا على صدق تحوله.
علم بذلك دقلديانوس - الذي كان في الإسكندرية في ذلك الوقت - فاستدعاه إليه لمحاكمته، ثم أصدر قرارًا أن يربطوا يديه ورجليه ويضعوا في عنقه رحى حجر وينزلوه في البئر ثم يضعوا عليه تراب الحفر، ولكن الرب نجاه وخرج دون أن يصيبه شيئًا. ولما رأى ذلك الحراس آمنوا واعترفوا بالرب يسوع أمام دقلديانوس. ثم وضعوا إريانا والخدام المؤمنين في أكياس ورموهم في البحر فغرقوا ونالوا أكاليل الشهادة.
وما هي إلا برهة حتى طفت أجسادهم فأخذها المؤمنون ونقلوها في كتمان شديد، ودفنوا أجساد القديسين الأبطال وسط الشموع والتهليل، وكان ذلك كان سنة 305.

استشهاد انبا فليمون المغنى وانبا ابلابيوس (7 برمهات)
في مثل هذا اليوم استشهد القديسان فيليمون وابلانيوس. وفيليمون هذا كان مغنيا لأريانوس والى انصنا، وكان ابلانيوس مزمرا، وكانا صديقين حميمين. واشتهيا أخذ اكليل الشهادة فدخل فيليمون يوما على الوالي واعترف بالسيد المسيح أمامه فأمر أن يرموه بالسهام. وحدث أن دخل بعده القديس ابلانيوس وفي يده المزمار، واعترف هو أيضا بالسيد المسيح. فلما عرفه الوالي غضب جدا وأمر أن يرموه بالسهام هو الآخر. وفي أثناء ذلك رجعت السهام إلى ناحية الوالي فأصابت عينه فقلعتها. أما القديسان فقد أكملا جهادهما ونالا اكليل الشهادة.



المصدر /
كتاب السنكسار القبطى
كتاب قاموس آباء الكنيسة وقديسيها مع بعض شخصيات كنسية
القمص تادرس يعقوب ملطي.