ابن الفقيه (سيرة ذاتية) -5-

إبراهيم الوراق
2017 / 3 / 12

ابن الفقيه
سيرة ذاتية
‏ -5-‏
يتبع
وإذا كان هذا الباب في زمن يؤدي إلى حجرات الأسرة، ومراحات العائلة، ويفضي إلى ما يحكى ‏على بساطها من أحاديث طازجة، وأخبار غامضة، فإن «ابن الفقيه» قد ولد بين جناحين ‏‏يفصلان بين عهدين غارقين في غموض الكتمان، والتباس النسيان. إذ هما في طبيعة العرف ‏الذي يبني العلاقات بين الأجناس، ويربط بصلاته بين الأنواع؛ ‏جناح للرجال، وجناح للنساء، ‏وكلاهما يصوغ معنى معينا للحقائق الكبرى، وفهما محددا للأخلاق الفضلى، إذ هما لم ‏ينفصلا طبعا إلا في ثقافة القرية التي ‏وضعت ناموسا للاختلاط بالأهل، والامتزاج بالأسرة، ‏لأنهما متحدان في الكينونة، ومتفقان في الصيرورة، إذ وصايا القرى التي تضع حكمتها كل ‏شيء في بؤرة ‏موقعه، لكي يتمدد على الأرض جرمه، ويستولى في المكان على حظه، لا تتهاون ‏في صياغة ما يضمن بقاء النوع، واستمرار الأنموذج المطبوع بروح العشيرة، وعقل ‏القبيلة. ‏ولذا كانت القرى تعيش نمطها الجماعي في تدبير المهاد، والوهاد، لأنها لن تكسب أفرادها ‏معنى الاكتفاء في الذات، إلا إذا كانت لحظات الفرح ‏والقرح مشتركة، إذ طابعها في الإحساس ‏ببعضها، هو التآزر في حالات الشدة، والرخاء، لأن تحقيق وجودها بالقوة، لا يكون فعلا إلا ‏إذا فجر الأمنُ فيها ‏ينبوع الإبداع، والابتكار، وفتَّق الخلق فيها احترام المراتب، والمناكب، إذ ‏سلطة الكبير في نظر ناموس الطبيعة التي تنزف كثيرا بالقسوة، وأحيانا تجود بالرحمة، لا ‏تكون ‏واقعة على محلها، إلا إذا قوَّمت الصغير، وسددت رميته بين الديار. وشدة القوي في ‏وزن الحياة المترعة بالهموم، والغموم، لا تصير حادثة في محيطها، إلا إذا أسعفت الضعيف ‏بالمواساة، وأعانت المظلوم على المجازاة، وأقامت ‏العدل بطرق الصدق الصريحة، لأن دليله ‏منطقي في العقول السليمة، ولا يحتاج إلى غيره في الدلالة على سمته، وكيفيته، إذ الظلم يجوز ‏أن يبلغ شره بما يعن فيه من وسائل، لأنه لا يعتمد في إثبات ذاته على الحجة، ‏والبرهان، بل ‏التباسه يزيف الحقيقة، ويزور الطبيعة، ويصير الكذب مقبولا، والصدق معلولا. ‏
وإذا كانت الوصية الخالدة في عشب الأماكن الشاحبة جباهها بلفح الشمس، وشراسة الرياح، ‏واسوداد الأفق، تقول: الأنثى، لا يسترها إلا جلباب زوجها، ‏ولا تحيى إلا دفنت في قبر بيتها. ‏هكذا اعتقد كثير ممن لمسوا المعنى في ظاهر اللفظ، وهو محتاج في دركه إلى تأويل، وتوجيه، ‏إذ ستر مادتها بجلباب زوجها، ‏يعني أنها بدون حصن حضنه، لن تكون روحها إلا مضغة ‏لغوائل ما يرنو إليه عاشق جسدها من التهمة، والريبة، لأنها ليست إلا معنى تالدا للشرف ‏الذي نحوطه بالغيرة، ونحرسه بالشهامة، وهي ‏المسؤولة عن فردوس تمامه، وكماله، إذ ‏الرجل يظعن بين القفار فرارا من اللوم، والعتاب، لكنها، لا يسير بها الركب بلا حامٍ يذود ‏حياءها عن الرقاعة، والخلاعة، ‏إلا وخسفت الأشباح بهجتها بالشرور، والكروب. فلا عتب ‏على الوصية إذا جعلت الجلباب زينة على الأنثى، لأنها اللابسة لكل ما يستر غرة الذكر، ‏والحاجبة لما ‏يشمه من وصمة العار. والناس في القرية، يقيسون في لباس الرجل معنى عتبة ‏بيته، إذ هي الطهارة التي تبرزه عظيما، وكريما، وإذا فقد ذاته في تنجسه بالضعة، ‏والخسة، ‏فكيف يكون عرَضه الخارجي دالا على أبهته، وأنفته، لأن الأنثى تهذب طبع الذكر، وتروضه ‏على قبول بهجة الأشياء المملوكة، ولو كانت في ‏عينه رخيصة، ورديئة، إذ الإحساس بالشيء ‏المشترك النجعة، وفيه المسرة، والمبرة، هو الذي يفتق بين البيوت صفاء، ورخاء، لكن ذلك لا ‏يستهدى إليه ‏إلا بدفن الزوجة حلمها في أس ما تبنيه من بيت العزة، وإذا جابهت غيل الرزق ‏بلين، ورقة، وواست في كدر الديار بالحنان، والمقة، كانت نفحة في عضد الزوج، ‏ولمسة حانية في ‏زناده، لأنه لا يتقوى بين ما يوغل فيه قدميه، إلا إذا أحس برضاها، وأيقن بأن صوت عتابها ‏قد أسكته صوت عشقها. وهل تحتاج فيما ‏تسترفده من فيض السماء السخي، إلا إلى زوج ‏يقرأ سطور حنانها، ويدرك منها ما كمن فيه من ظرافة، أو خباثة.؟ ومن هنا، كانت ‏الوصية معرفة ‏بالحال، لا مؤكدة على واجب المقام، إذ قوتها في كونها تدل على المعنى الجامع ‏لكل القواعد المتفق عليها بين الآباء، والأجداد. ‏
وما دمنا لا نمتلك حجة التاريخ التي تظهر رموز الحكاية جلية، ونحن نفصل في عقولنا بين ‏الأشياء المتلازمة عند حدود البيوت المقفلة على أسرارها، فإن ما ‏يعن لنا من رأي في حقيقة ‏القرية، لن يكون قولا سديدا، ونظرا حديدا، ما دمنا لا نستشعر وجود سياق يواصل البقاء ‏بما كمن فيه من معان، ومعارف، ‏وأخلاق، لأن ثقافة أهل البلد لم تبن نُظمها بوهم جانح، ‏ولم تخدع قيمها بحلم سارح، بل تأسس فيها القول على قاعدة العقل، وتقوم فيها الفعل ‏بضابط الطبيعة. وهي في ‏جفاء الأماكن القاحلة العاطفة، ترسم صورتها بقوة، وشدة، لأن ما ‏تجود به من خيرات، وبركات، لم يكن موفورا إلا لصلابة الزناد، وجسامة الهمة. ولولا ما ‏تفجر فيها من ‏حدة العقل الجامع لأس التفكير بمانع ما احترز عنه من خبال، وسفاهة، ‏وعبث، لما انبنت وشيجة ارتباطها على الاحتياط في صيانة السلوك الاجتماعي، ‏لأنها لم تكن ‏خائفة من الآتي المنتظر، أو من القادم المرتقب، بل كانت متوجسة من ذاتها، ومتخوفة مما ‏حولها، إذ تحمل سر اليقين في اختلاف الإنسان ‏بتنوع ما يرد عليه من أعراض، وأغراض. وكل ‏ما كان ذلك الناموس الطافح بجرح العناء أساسا له، فالحرص عليه أكمل الوجوه في حمايته، ‏ورعايته، إذ الشرف وصية ‏الأقدمين من الأسلاف للأخلاف، وزرية الأحفاد في سبك الزمن ‏الحاضر بين أسرار الكواكب السيارة، لأنه الشيء الذي يلف تاريخ الإنسان ببهائه، ‏ولكنه ‏يستر نقيضه. وإذا انكفأ الميزان في وزن الأقوال، والأفعال، سقط في بركة الفساد، والإذلال، ‏لأنه الميراث الذي نرث نسبه، ونحمي حسبه، ‏والعرض الذي يظهر علينا ممرعا بالجمال، ‏ومضمخا بالكمال. ولذا اعتبر الشرف معنى متضمنا للطهارة، والنظافة، ومحتويا على ما ‏اعتقد الإنسان كماله ‏بالسجية، والفطرة، وإذا تدنس باطنه بالقباحة، والنتانة، صار ظاهره ‏مجلبة للعار، والشنار، لأنه مرتبط بالمسموع والمرئي من صورة الإنسان، وهي ليست ‏إلا ‏كلاما مرددا على الألسن، ومحتملا لما شرف معناه في الخلال، والخصال. وإذا شوهد المعنى ‏غير وافر في الدلالة، ذهبت ريحه بهوانه، وفقدت صولته ‏بزواله، إذ الشرف قد وصفوه بقارورة ‏عطر يرثها اللاحق من السابق، والمتأخر عن المتقدم. وإذا كان الشرف بهذه الرائحة، ‏والطعم، واللون، فإن صيانة ما ‏فيه من طيب، وشذا، وذكاء، يشمه الأباعد فوحه قبل ‏الأقارب، هو الأصل الذي يدون كل إشارات التفكير، وحركات التدبير. ‏
ومن هنا، فإن انفصال الجناحين بين الدور العامرة بأهلها ‏المقرورين بسعادتها، أو المعرورين بشقائها، هو الأس العقلي ‏الذي بني عليه الاحتياط في الطبيعة ‏الصلدة للقرية، وهو ‏القاعدة المعرفية التي تعلمها الإنسان من أماكن طهارته، إذ ‏هي قابلة لنجاسة من يذود عن حياضها حرصَ المتربصين ‏غفلةَ عيون حراسها ‏الآمنين، لأن اختلاط الأحلام في عمق ‏الإنسان، وامتزاجها بما فيه من أوهام، وحقائق، قد تصير ‏التليد باليا، والجديد خلقا. فلا غرابة إذا أحدث الاحتياط ‏‏الشك فيمن هو الأقرب، لأن الأبعد يمنعه طول المسافة، ‏وضيق المساحة. وعلى هذا يكون الفعل متضمنا لوعيه، ‏ومحتويا على غايته، وإلا، فإن الجناحين ‏لهما حدود، وقيود. ‏وكل واحد منهما يمنع ذاته من التلاشي؛ فالأول تتوسطه ‏مصطبة يأوي إليها الجِلة من الجلاس المحدقين حول شمعة ‏الأرض، والشرف، ‏والعرض. والثاني مخدع تحكى فيه ‏أحاديث النسوان بكل تفاصيل اتفاقها، أو اختلافها، لأن ‏للدور أغوارا كثيرة، وأسرارا عديدة، لا تكشف إلا لمن هو ‏الأقدر ‏على ترجمة إحساس ضرورة نقائها إلى توجيه سليم، ‏وإرشاد قويم.‏
‏ وهذه الأحاديث، لا تتجاوز حدود وضع الأنثى في القرية، إذ ‏هي ولو أسهمت بسهم في إنماء الأرض التي تفاضل بين ‏الجِد في الكسب، والكسل في الطلب، ‏فإنها لن تتجاوز ‏كونها مملوكة لجمال معنى الزوجية، لأن امتلاكها للزوج ‏الذي يبرز وجه سلطته على جدران ربعه، وحوزته، وهو ‏الصورة المحتوية لما يختزن ‏في باطن البيوت من دلالات، ‏وإشارات، والمظهر الذي تهاب في غضبته حدود قوته، ‏وبطشه، مما تنفيه مناطات حريتها الشاهدة على كونها ‏كلية لا يدرك ‏معناها إلا في امتزاجها مع الزوج، وهما معا ‏جزء مما تتقوم بها كليات المجتمع، لكن امتلاكهما لشيء ‏مشترك بالعقد المتضمن لأسس الحرص على الدائرة، هو ‏المعنى ‏الاسمى لمشروعية المحافظة على مقام الزوجية، وهو ‏الحد الجامع، وبه يكون التمييز في النسب، لا في الذات، ‏ويكون معنى التزاوج بينهما محددا للحكم ‏على الامتلاك ‏من عدمه، لأن التفريق بينهما، هو المحل الذي أنتج الصراع ‏بين الذكر، والأنثى، وهما في قيمتهما الفردية، لا يستوجبان ‏أن يصارا إلى الجماعة، إلا ‏إذا حدث التلاقي على عقد بناء ‏كُن الزوجية، وإنشاء أسرة تنزاح عنهما إلى دوائر واسعة في ‏التماسك الاجتماعي، إذ كلاهما يمتلك الآخر بحد من ‏الحدود. ‏ولولا وجودهما بالسوية في ميراث الشرف، لما ‏كانت الزوجة مصرعا لكل من طاش به السفه، وحسب ‏المعنى مقصودا للقاء العابر، لا للالتحام الأبدي. ‏
ومن هنا، فإن القول بامتلاك أحدهما للآخر، هو الغلط الذي حدث في ‏تحديد معنى البيوت المصانة بأقفال الاحتياط، والرعاية، وأغلاق الحفظ، ‏‏والحماية. وهي ليست إلا أسرارا تغرس في الأولاد، وتثمر في الأحفاد، ‏لأن معنى الامتلاك لأحدهما في نواميس القرى، لا يفي للمقام بحقه، إذ ‏هما مالكان ‏للكلمة التي ترسخ القيم في الأوصال، وتوطد العهد بين ‏الأجيال، ومملوكان لضرورة غلق سر البيت على أس الفضيلة، وحصر ‏معنى الخلد في احترام بسمة الطبيعة، إذ أحدهما لا يكون موجودا في ‏الحوزة، إلا ‏بالآخر الذي يتمم عوزه، وإذا فقد ركن منهما في منقبة ‏الزوجية المقصودة بذات الزواج، كان نتاج الالتقاء على التفاضل رديئا، ‏وسيئا، لأن فهم قيمة الزوجية، ينفي معنى الضدية، إذ لم ترد ‏المشاححة ‏بينهما على الأذهان، إلا في زمن استوحش العادات بين ‏الأراضي المستجيبة للسباق، فلم يُقدَّر لها أن تظفر باللحاق. ومن هنا، ‏تشابكت الحقوق بلا حدود، وتعاضدت الواجبات في القيود، ولم يبق ‏للانفصال أي مدعى في القضية، إذ استحقاق ما يجوز نواله ‏من معنى ‏الزوجية، هو النجح في الوصول إلى الغاية، وهي ليست إلا أسرة يسرها ‏خدمة الأرض، والطبيعة، والحياة. ولولا ما أدى إليه وضع ‏القرية في ‏رؤاها الدينية، لكان الكد والسعاية مناصفة، لكن القرى نامت على ‏فروة الأمن، وحين استيقظت بعد الانتشاء بالحلم الفاتر، وجدت ‏السكك ‏معولة بنداء تحرير دُور المرأة العتيقة، وكأنها ما مدت أنامل ‏خيالها إلى عناق الزوج بصورة براءتها في مرآته، لكي يكون خير متاع ‏تجنيه في الأمل المستوطن لفؤادها، وعقلها، وتكون في قعر باطنه خير ‏بنَّاء ‏يرفع عماد العمارة، والحضارة، إذ إحساسها بالرجل شبيه ‏بإحساس الرجل بها، فكلاهما محتاج إلى غيره في التلاحم مع الطبيعة، ‏واحتياجهما إلى بعضهما في ‏إثبات أحقية الأبوة، والأمومة، هو ‏احتياجهما إلى فروع من الذرية، إذ معرفة دوران الزمن بين الغوائل ‏المفجعة، يوحي بأن حاضر اليوم سيكون أمسا، ‏وجيل اليوم سيكون ‏سلفا. ‏
ولذا، لا أفضلية بينهما إلا في الاعتبار الذهني الذي يفصل بين ‏الأنواع، لأنهما معا لن يكونا أسرة إلا بحدوث الالتقاء بينهما، ‏والامتزاج على معنى يسري في الزمان، والمكان، لكن استئثار ‏العقل بالفحولة في الإدراك الجزئي؛ "إذ شعور الذكر ‏باستقلاله، ‏واحتياج غيره إليه، يرفعه عن دائرة البشرية." قد أغرى بالتسلط، ‏والتجبر، وذلك مبني على كونه الأقوى، والأقدر، لأنه نظر في ‏خشونته التي لم ‏تلمسها يد ناعمة بالعطف، واللطف، فظنها ‏أساسا لكمال الإنسان الشرس بمظهره المفتون بغرته، وقوته، إذ ‏زعم أن في الزهومة رجولة، فزم بأنفه حين أعتقد ‏الاكتفاء، وحسب ‏أن ما ينته، هو سبب في ظهور جماله الأوفر الكمالات. لكن لو ‏أدرك في طراوة الزوجة معنى كماله، لكانت تهذيبا لطبعه، ‏وترويضا لعقله. فلا غرابة إذا حدث النزاع مع ثقافة القرية التي ‏تزينها فطرة بداواتها، لأنها تناظر في عقل ‏صريع المدَنية مسمى ‏البادية، فدل أحدهما على الآخر عنده باطراد، لكن لو جعلنا ‏القرية معنى في الموطن، والبادية معنى في القيم، لتميزت لدينا ‏رائحة القرية في شم سر امتلاكها لمقاليد الأرض بالميراث، ورائحة ‏البادية فيما يغني به الراعي على ربوة الألم من معاني الوجدان ‏الضجر المرابع، والقلق المطالع، لكن المنابذ لمعنى الألفاظ المسكونة ‏بهمس الناطق بها، قد قال بالترادف بينهما، ثم صال مغترا ‏برغبته الجانحة، وهو لا يقصد إلا وصف الديار بما في برية قاعه من ‏وحشة، وقسوة. وهذا محض المين في التحرير، إذ لو فصل بينهما ‏في القضية، لعرف كيف ينطق السور، وكيف يصيح الصور، لأن ما ‏تقوم به القرية في الماهية، هو استقرار ذاتها الجرمية، وذلك ما يمنع ‏من تنقلها، وارتحالها، وإلا، لن تستحق الوصف بالثبات في صورتها، ‏لا في ماصدقها، فهي بهذا مستقلة بمادية كيانها، لكن ارتحال ‏حس البداوة بين الأزمان، يجعله معنى سيارا بين الأماكن، لإذ ا ‏مقام له إلا في العقول، وإن برز شيء مما يتضمنه معناه على وجه ‏القرى، فما ذاك إلا شيء يجمل ما فيها من لدونة بحرشة ‏الحزونة، لأنه نمط في السلوك المقابل للمدنية، وذلك ما يجعله ‏غازيا لها من عمق البراري، ومن قاع الضواحي. فقد يستقر في كوخ ‏مظلم، وقد يكمن في دور ناعمة. ومن هنا، فإن القائل بالامتزاج، ‏لم يدرك كيف يكون ما ‏يدعيه من بداوة قوة في القرية، ومتى يصير ‏ضعفا تتقيه بصده، ورده، إذ هي لم تنطق باليقين إلا بعد الشك، ‏لأن خيبتها في المطالع السعيدة، قد أغراها بإمعان النظر في الموارد ‏النحيسة، لعلها تنال به السعد في الحقيقة. ‏
هذه الأحاديث في المحيط الثقافي السائد، لا تكون في العادة إلا ‏مشاكسات يطغى عليها طبع ‏التستر، والتكتم، أو مما له قيمة في ‏اعتبار أعراف الرجال، والنساء، أو مما يسعر الحفيظة، ‏ويغري ‏بالوقيعة، لأنها ومهما كانت مسلمات، وبدهيات، أو توافه، ‏ومحقَّرات، فإنها ‏تتضمن معنى المبدأ الأخلاقي الذي ينظم العلاقات ‏بين الأفراد، والجماعات، لأنها لم تستعر ‏من غيرها ما يضمن ‏استمرارها، بل أنتجت في استقرارها ما يذود عن عاداتها، ‏وتقاليدها، ‏وأعرافها. لكن ما يسببه إفشاء السر في المصادر ‏الأخلاقية البدوية، هو الأدل على قيمته في ‏عقل سكان القرية، ‏وثقافة أهل البلد، فإما أن يكون القرار عتابا يحس به من أفشى ‏سر ‏الصديق، وأذاع خبر الرفيق، وإما أن يكون نظرات شزراء ‏يتذوق آلامها، ويلعق مرارتها. ‏إذ السر ليست قيمته في مضمونه ‏الواعي، إذ ما عُرف خفاءُه إلا بعد أن كان علنا، لكنه ‏يختبر ذلك ‏الجزء غير الواعي في الذوات المنحرفة، والمستقيمة. ولولا ما فيه ‏خفاء يستدعي ‏الكتمان في الوعي البشري، لما كان الجلاء فيه ذميما، ‏ولئيما، لأنه عهد بين المتآلفين على ‏وصايا محددة. وناقضه مأثوم، ‏وخائنه موزور. ومن هنا، فإن في كتمه دلالة على استحقاق ‏النسبة ‏إلى القرية، إذ الصبر على قبض التافه، الرديء، هو المرقاة إلى ‏امتلاك مفاتيح أبواب ‏القرى، وأسوارها، وقلاعها، لأن امتلاك ‏ذوق الكلام، ومعرفة ما حقه أن ينشر، وما طبعه ‏أن يستر، وهو ‏الخارج بلا كلفة، والنازف بلا مشقة، هو الدليل على التكليف بما ‏فيه ‏الشدة، والعسر، إذ لا تتساهل القرية في طي موروثها تحت ‏رداء فاقد التمييز بين ما هو ‏موروث، ويحمل عنوان الوصية، وبين ‏ما هو سلوك قابل للطارئ عليه، فيتغير بتغير حاله، ‏لأن عدم فهم ‏رمزية الأشياء على معنى الخلد، سيضع أفلاذ القرى بين أيدي ‏الجبناء، ‏والحقراء. ولذا اكتست العادات والتقاليد والأعراف بطلاء ‏أهلها، لأنها تحتوي على ‏الإحساس المفعم بروائح الأرض، والسماء، ‏إذ القرية لا تريد إلا صيانة أخلاقها، ورعاية ‏أذواقها، ولا سبيل ‏إلى بقائها إلا في طريق غرسها بين أحشاء أبنائها، وفلذات أكبادها. ‏‏وهم الذين يحملون سرها، ويدافعون عن شرفها. وإذا فقدت هذه ‏الصلة، انتهى زمن ‏القرية، وذاب أملها في الوجود. فلا غرابة إذا ‏كان إفشاء السر حجابا، وحاجزا، لأنه يمنع ‏الموصوف به من درك ‏أسرار الحياة في تجارب الآخرين على الطبيعة، إذ ما أخفى الإنسان ‏‏سره، وما أفشى غيره، إلا لأنه يشمل قيمة ما يمتلكه من خبرة في ‏الكون، وملاحظة في ‏الطبيعة، وهي شرسه المورد، لا تخضع إلا ‏لمن وعى صمت أشجارها، وأحجارها. ولولا ما ‏استكنهه فيها الإنسان ‏من إشارات غامضة، وما استظهره فيها من إيحاءات غائرة، لما كان ‏‏لفضحه وخز في الذات، وفي الغير، بل لن يعاتب أحد على قول ‏يفضي إلى الافتراق، ولن ‏ينصح شارد عن مهيع الالتقاء، لأنه ‏المقياس الذي تقاس به العقول الواعية بالعهود، ‏والمواثيق، والمعيار ‏الذي تبنى به الحياة صلدة، وشرسة، ولا يدركه إلا من رضع من ‏ثدي ‏الأمهات روح حياته، ورشف من مياه الأماكن كامن ظهوره. ‏ومن هنا كان السر مرتبطا ‏بالحياة التي ننشد ضالتها على أرض ‏الضياع، لأنه ينهي كل علاقة تربط بين الإنسان في ‏مستقبل الأمل ‏الموعود، والحلم المشهود. ‏
وإذا كان ما يرومه الإنسان في الأخلاق محددا لسيرته التي تكشف ‏علاقته بالأرض، ‏والإنسان، فإن المنبري عن الجمع لسبة عدم ‏اقتداره على تحمل الأعباء، والأرزاء، لن يجد له ‏سبيلا سوى ‏الندم عن بتر وصلة حاضره بماضيه، لأنه لن يقبض على مسحة ‏صفاء مورده من ‏غيره، ما دام منبوذا بين أفراد قريته، إذ لا تقاوم ‏الأخلاق الفاسدة إلا بالتبرؤ منها، ‏والاعتذار عنها، وإذا حدث ‏الاعتراف بجريرة قطع شجرة الأخوة بما يكشف من سر ‏وصيتها ‏الخالدة، كان الاعتذار عن دنيء الفعال يدا لينة تمد للجماعة، لأنها ‏إذا صافحت ‏برطب الألسن، ولين الألفاظ، ورقيق المشاعر، ‏ولطيف الملامح، كان ذلك إحياء لرميم ‏العهد في العقول، والقلوب، ‏إذ شفقة أهل القرى تكمن في انشراح أساريرهم، وانبهاج ‏جباههم. ‏وإذا انفتحت وردة العشق للجميل على الملامح، والبسمات، أثمرت ‏الرقة، وفاضت ‏بالدموع، وأوقدت الرثاء. ولذا تكاثف أهل القرية ‏في لحظات القرح، وتسامحوا فيما ‏يستلزمه الفرح من حرص على ‏طعم اللحظة، لأن دلالة الشفقة على ذاتها، ليست في رطوبة ‏‏المجنى، بل في شراسة العقل عند الفرح، إذ الوصايا تؤكد على ‏المعنى، وتقول: لا يؤتى ‏الإنسان إلا من غفلته. ومن هنا كان الفرح ‏قرحا، لأنه المستدر لنقيضه، وهو لا يكون ‏حقيقة إلا عند ظهوره ‏مع ضده، إذ امتزاجهما في حدود المشترك، هو سر القرى في صيانة ‏‏كيانها المادي، والمعنوي، ولواءها الذي تخب به نحو المستقبل ‏بهدوء، واطمئنان، إذ ما ‏يخلقه القرح في المدينة من إحساس ‏بالضياع، هو الألم التي تغرد به الذوات المتغربة، لأن ‏شعور ‏الإنسان بانفراده في معاركة عنائه، هو الشقاء الذي تنطفئ به وقدة ‏الانتماء إلى ‏الجماعة، لكن ما ينبثق عن القرح في القرى الراعية ‏لأفرادها، هو الأمل الذي يفجر في عمق ‏العاجز قوة، وأمانا. وإذا ‏اعتدل ذلك في الميزان، كان سندا على الراحة، والمسرة، لأن ‏تهلل ‏وجه السماء في عين البدوي أجمل من اخضرار عشب لا ‏يألفه في المدى، بل انجاب الابن بين ‏أحضان القرية القاحلة ‏الجنان، أفضل من ولادته على أرض لا تغري بطراوة مهادها، ‏‏وطلاوة أخلاقها. ولذا تسمي القرية ما يولد على بساطها من ولدان ‏بأسمائها، لأنهم يحملون في ‏أعماقهم أسرار التاريخ، وقيم الآباء، ‏والأجداد. ‏
وإذا تشابكت الحقائق في عقل القرية، وقلبها النابض بالحياة الهادئة، ‏وتداخلت الرموز ‏بالكلمات، والإشارات، وبدا لمتغزل بالجزالة أن ينكر ‏شدة المراس المنظور على الطبيعة، ‏والإنسان، فإن منطق الحقيقة مجاف ‏لذلك حين يقول: إن فلسفة القرى لم تكن بدائية التفكير ‏إلا عند من ‏لم يدرك أن المدينة لا تنتشي روائحها إلا بعرق البادية، بل فلسفتها ‏كل ما تعلمه الإنسان ‏من صوت الغدران، وصياح الوديان، لأنها إذا لم ‏يدل فيها الكلام على صدى الحماة، والرعاة، ‏لن تدل على همس ‏الأرواح الساكنة للدور، وضجيج الأشباح الحارسة للمدى. فلا ‏حرج إذا ‏كانت قوة فاعلة في الطبيعة، وواعية في الحقيقة، ويقينا يبذر الزروع، ‏ويحمى الضروع، لأن ما ينفصل ‏عن الأرض من متعها، وما ينشق عن ‏الإنسان من لذاتها، لم يكن موصولا بين الأيدي ‏الحريصة على بقائه، ‏إلا لقوة امتدت إلى الجني، وانتزعت الثمار، واتقدت بأمل السير إلى ‏‏الأمام. ومن هنا كانت فلسفة القرية تقتضي أن يكون السر عهدا بين ‏المتواطئين على صيانة ‏الحضن فوق التراب، إذ به يعرف قدر الإنسان في ‏تحمل المتاعب، وتجشم المصائب. لكن، لم ‏غالت القرية في تحديد ‏أسرارها.؟ أليس السر هو ما دونه فري أوداج الغلاصم، والجناجر.؟ ‏أليس ‏السر ما يستر المعرة، ويقي العيب، ويلف العين بمظهر الجمال، ‏وإن لم يتناه بها الحال إلى تمام الكمال.؟ ‏
قد يكون السر بسيطا في الاعتبار، وربما مما لا يغرق الهامة في ‏مستنقع الخيانة، لكن قبح ‏كشف السر ليست في نقل التوافه من أفراد ‏إلى جماعات، بل في كونها تختبئ من ورائها ‏نفوس غير مروضة، وعقول ‏غير مهذبة، إذ احتواء العقل على السر التي لا يفشى، هو قبوله ‏لكل ‏الأسرار الموجودة في الكون، والطبيعة، والحياة. ولولا ذلك، لما كان ‏هناك سر يضطر ‏إلى إخفائه، لأن بناء العلاقات في القرية، لا يكون ‏واقعا مستلزما للحدة، إلا إذا كان السر ‏فيه معهودا بالحماية، إذ هو ‏سر الإنسان في ذاته، وسر الغير في حياته، وتوحدهما يمهد ‏الطريق إلى ‏نيل مرتبة عالية من الأسرار الخفية، لأنه كيمياء القرى، وناموسها، ‏ووصاياها. ‏إذ قوام القرية الذي يعشقه كل ابن يضمر واجب رعايتها، ‏ليس في كونها ظاهرة بالفتنة، بل في كون اعتدالها ‏يدل على صفات ‏تحتويها بالشرف العريض، والعرض المصون.‏
‏ في هذا الجناح الأنثوى الخمائل، والستائر، عاشت أم الوليد مخاضات ‏عسيرة في حياتها، ‏ونالت عناء وافرا من نكدها. وبين أحضان هذه ‏القرية تعلمت أشياء جميلة وقبيحة عن ‏ألاعيب الحياة، وأباطيل ‏الإنسان، وحيل الطبيعة، وخدع الأنواء، وغصص الزمن، وجهلت ‏أشياء ‏كثيرة عن مصير تدبره يد لا تفي بوعدها دائما في السلب، والعطاء. ‏لكن ما يشغل ‏بالها، ويحصر نظرها، ويقلق حالها، هو ما عساه أن ‏يحقق وجودها، ويمحص صورتها، لكي ‏تتمتع بمحطة آمنة، وتسعد ‏بمرفأ يهنأ فيه العيش بعد رحلة امتدت من عالم اليتم المبكر إلى ‏حين ‏زواجها، وهي طفلة صغيرة، لم يشتد عضدها، ولم ينضج عودها. فهل ‏رضيت بالبقاء في ‏هذا الجناح الذي أنهكها بالذكريات الأليمة، لئلا تحس ‏بجرح أمها الذي ينزف من طفولة ‏فقدت دفء الحنان بعد خمس سنوات ‏مضت من عمرها.؟ أم عاندت الزمان حتى لا تخطر ‏ببالها بثور خالتها ‏التي احتضتنها بعد فقد والدتها.؟ أم أصرت على مواجهة غير الزمن، ‏وقد ‏أولجها أعسر الأبواب، وأدخلها غب العناء منذ نعومة أظافرها.؟ ‏شيء من ذا وذاك يحرك ‏الأم، ويعود بها إلى الوراء، وكأنها عاشت لحظة ‏حلم سارح، استحال طيفه كابوسا ‏يزعجها، ويؤرقها، لأنها ومهما ‏حاولت أن تنسى تلك الندوب، وتتعالى على رزء فؤادها ‏المكلوم، فإنها ‏في بعض لحظات توهانها، وسرحانها، تذرف دموعا مدرارة، وهي تحكي ‏‏بغصة تحرق نياط قلبها، وتدمي مسام جسدها. وتقول: يا بني، هذا ‏كتاب أحزاني، وإذا ‏فتحته في زمن تكون بين غمراته واعيا بما تقرأ، ‏فلا تكتبه إلا سطرا ينزف بدماء القسوة ‏العنيدة. أجل، لم ينس ابنها ‏مسامرتها في الليل الطويل، وضوء المصباح خافت، وهزيم ‏الرعد ‏يجلجل، وصوت المذياع يسبل على المكان الموحش عرينه خشوعا، ‏وخضوعا، ‏وينساب من أعماق أنغامه بهدوء، وتؤدة، وكأنه نسيم ‏يهدي إليهما ألحانا حرونة بالحزن ‏الكئيب، وأنغاما حالكة بجرح ‏السنين. كل ذلك قد كان مفجعا، لولا بعض الذكريات التي ‏تنفرد ‏باستعارة ما في الوجدان من أحاسيس الغدر، والخيانة، ومشاعر الهجر، ‏والفراق، ‏لأنها ومهما كانت ساعاتها كئيبة، وحسيرة، فإنها تعلم ابن ‏الفقيه كيف يولد الحزن ‏من الفرح، إذ مقتضى سيرة الأم في وكده، ‏وجهده، أن يتمم ما تبقى من كلامها الحبيس بين ‏أعماقها، لعله ‏يكون صوتا صادحا بما توارى بين الأحشاء من ورم، وتوانى بين ‏الأكنان من ‏ألم. ‏
لم تكن المرأة كما يبدو سعيدة بجناحها المنكسر، وجاجبها المنحسر، ‏لكنها ومهما أهاض ‏صوت ناي الحزن صخرة ذاتها، فإنها تعاند فتور ‏حدة ما نالته من رطوبة يد تحيي في رميم ‏وجودها روح الأحلام، وروْح ‏الآمال، وتمسح دموعها التي رسمت صورا كاشحة، لا ينفك ‏صخبها ‏يشوش على مخيلتها المتعبة بالشكوى، والبلوى. ذلك الدفء الذي ‏أحست به في ‏بيت زوجها، لا يعكره ما يحوط بسرادقها من انتظار ‏مجهول تنشده العواتق بين طيات ‏الدهر الفاتن بصروفه، وضروبه. ‏أجل، تلك المرأة لم تكن أما لابنها، إلا لأنها هيأها القدر له، ‏وصارت ‏مع الزمن قابلة لأن تمنحه بغضون وجهها إشارة المرور إلى المستقبل، ‏لأنها أيقنت ‏بسر الأرض، وهي مهد الرغبات، والشهوات، واعتقدت في ‏الزمن ما يليق بعقارب ساعاته ‏من خديعة، ودسيسة، لأن ما يسود ‏الأفق من ضباب داكن، هو الذي يغشى الذوات بنظرة ‏داكنة، فلا تكاد ‏تستوعب ما يروج في برزخ المعاناة من مؤامرة تحيل الطفل يتيما، وهو ‏في عز احتيتاجه إلى ‏الحنان، وافتقاره إلى الأمان، وترجع الكبير من حيث ‏أتى، وكأنه ما مر على الديار فيما ‏مضى. هكذا أحس ابن الفقيه بصوت ‏أمه، وهي تنتفض ألما، وتستوفز حين تتذكر غوائل ‏الطريق المنتفخة ‏شرايينه بغرور المجذوذين، ونوح المحرومين، لأن ما يبرئ به الدهر ‏حياضه، ‏وحيطانه، لم يكن إلا إغراء على الزوال، إذ ما فارق أحد وهاد ‏الأرض، إلا وهو يحمل ‏قصته التي تضخمت في ذاته لحظة، ثم تتعدد ‏الطرق، وتتنوع الوسائل، لكي يظهر في محل ‏الأمان ما يخوف، وفي مقام ‏العز ما يذل، وفي معهد الطهر ما ينجس. تلك هي النتيجة ‏الحتمية التي ‏نصل إليها حين تغرقنا بالآمال المتضائلة في بحر الهجران، والنكران.‏