لماذا اختلف الفقهاء والمفسرون فى فهم القرآن

طلعت رضوان
2017 / 3 / 10

لماذا اختلف الفقهاء والمفسرون فى فهم القرآن؟
طلعت رضوان
لماذا يتجاهل الأصوليون قول الإمام على: إنّ القرآن حمال أوجه؟
أثارمفتى مصر(د. شوقى علام) قضية غاية فى الأهمية، وهى انتشارظاهرة الفهم المغلوط لنصوص القرآن، حتى إنّ العنوان الذى اختاره لمقاله كان دالا وكاشفــًـا عن محتوى المقال، حيث كان العنوان (خلل الفهم فى القرآن الكريم) (أهرام13يناير2017)
ورغم أهمية هذا المقال، فإنّ سيادته لم يـُـوضح أسباب عدم الفهم، وتجاهل الاختلافات العديدة حتى بين كبارالمفسرين، أمثال الطبرى والقرطبى وابن كثير..إلخ بل لم يتعرّض (لمصدرالخلل) كما جاء فى العنوان، وإنما اكتفى بنقل العديد من الآيات التى هى محل اتفاق بين أغلب المفسرين.
أعتقد أنّ السبب يرجع إلى أنّ فضيلة المفتى تجنـّـب التعرض للآيات التى كانت موضع اختلاف بين المفسرين من جهة، ومن جهة ثانية أنّ أسباب نزول تلك الآيات تــُـثيرحساسية الأصوليين الرافضين لباب (نزول القرآن) والمثال الأشهرهوما نصـّـتْ عليه آية ((نساؤكم حرث لكم فاتوا حرثكم أنىّ شئتم)) (البقرة/223) وجاء فى تفسيرالجلاليْن لهذه الآية ((نساؤكم حرث لكم، أى محل زرعكم (الولد) فاتوا حرثكم أى محله وهو القبل (أى) كيف شئتم من قيام وقعود واضطجاع وإقبال وإدبار. ونزلتْ هذه الآية ردًا على قول اليهود: من أتى امرأته فى قبلها من جهة دبرها جاء الولد أحول)) (مطبعة الشمرلى- بتصريح من مشيخة الأزهربرقم330- بتاريخ15/7/1979) أما فى أسباب النزول للسيوطى فجاء ((أخرج البخارى عن ابن عمرقال: نزلتْ هذه الآية فى إتيان النساء فى أدبارهنّ. وأخرج الطبرانى فى الأوسط بسند جيد عنه قال: إنما نزلتْ على الرسول رخصة فى إتيان الدبر))
وعن أسباب نزول الآية 24من سورة النساء (والمحصنات من النساء إلاّما ملكتْ أيمانكم) روى مسلم وأبوداود والترمذى والنسائى عن أبى سعيد الخدرى قال: أصبنا سبايا من سبى أوطاس لهنّ أزواج، فكرهنا أنْ نقع عليهنّ ولهنّ أزواج. فسألنا النبى فنزلتْ الآية. وأنّ (ما ملكتْ أيمانكم) أى ((ما فاء الله عليكم)) فاستحللنا بها فروجهنّ. وأخرج الطبرانى عن ابن عباس قال: نزلتْ هذه الآية يوم حنين لما فتح الله حنينــًـا أصاب المسلمون نساء أهل الكتاب لهنّ أزواج. وكان الرجل إذا أراد أنْ يأتى المرأة قالت: إنّ لى زوجـًـا. فسئل الرسول عن ذلك فنزلتْ الآية)) والمعنى المُـستخلص من تلك الآية وتفسيرها أنّ الرسول منح أتباعه رخصة مباشرة السبايا اللائى وقعنَ فى الأسر، رغم أنهنّ متزوجات. وهونفس التفسيرالذى كتبه الجلالان (جلال الدين المحلى وجلال الدين السيوطى فى تفسيرهما لسورة النساء (المصدرالسابق)
وعن أسباب نزول آية ((لايستوى القاعدون.. إلخ)) (النساء/95) روى البخارى عن البراء قال: لما نزلتْ هذه الآية قال النبى ادع فلانــًـا فجاءه ومعه الدواة واللوح والكتف، فقال: اكتب ((لايستوى القاعدون من المؤمنين والمجاهدون فى سبيل الله)) وكان (ابن مكتوم) يجلس خلف الرسول. فقال: يا رسول الله أنا ضرير. فنزلتْ مكانها ((لايستوى القاعدون من المؤمنين غيرأولى الضرر)) وهكذا يتبيـّـن أنّ (الواقع) كان يفرض نفسه على النص بالاضافة أوبالتعديل.
وعن أسباب نزول آية ((يا أيها النبى قل لمن فى أيديكم من الأسرى..إلخ)) (الأنفال/70) روى الطبرانى فى (الأوسط) عن ابن عباس قال: فىّ والله نزلتْ حين أخبرتُ رسول الله بإسلامى وسألته أنْ يحاسبنى بالعشرين أوقية التى وُجتْ معى، فأعطانى بها عشرين عبدًا)) ومعنى ذلك أنّ (السماء) كانت تـُـتابع الأحداث الجارية على الأرض. وهوما يؤكد أنّ النصوص لم تكن (سابقة التجهيز) قبل حدوث الواقعة المادية، وإنما كان النص يلى الواقعة.
وعن أسباب نزول آية ((منهم من عاهد الله لئنْ أتانا من فضله لنصدقنّ..إلخ)) (التوبة75) أخرج الطبرانى وابن مردويه وآخرين أنّ ثعلبة بن حاطب قال: يا رسول الله ادع الله أنْ يرزقنى مالا. قال ويحك يا ثعلبة... قال ثعلبة: والله لئنْ أتانى مالا لأوتينّ كل ذى حق حقه. فدعا له. ثم أنزل الله على رسوله ((خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها)) (التوبة/ 103) فقال الرسول: ((ما هذه إلاّ أخت الجزية))

وأعتقد أنّ الجدل الذى داربين رسول الله ووحشى (قاتل حمزه بن عبدالمطلب) أحد الأدلة الدامغة على استجابة (السماء) لمعطيات أرض الواقع. وهذا الجدل رواه كثيرون عن ابن عباس الذى قال: أتى وحشى إلى النبى وقال: يا محمد أتيتك مستجيرًا فأجرنى حتى أسمع كلام الله. فنزل بشأن وحشى الآية68/ الفرقان. ولما لم يقتنع وحشى نزلتْ آية الآية48/ النساء ولما لم يقتنع للمرة الثالثة نزلت الآية53/الزمر، فأسلم وحشى فهذا الموضوع عالجه القرآن فى ثلاث سورمختلفة (الفرقان والنساء والزمر)
فلماذا غفرالله لوحشى الذى قتل (أسد الله) حمزة بن عبدالمطلب؟ سؤال يتجنــّـبه الأصوليون، كما تجنبه المفتى. وهل السببب بـُـعـد نظرالنبى وفراسته العميقة فى استخدام وحشى فى حروبه، نظرًا لما تمتع به وحشى من قدرة قتالية عالية. وبالتالى سيكون شديد النفع فى الغزوات لنشرالإسلام وتوسيع رقعة جزيرة العرب. ولقد صدقتْ فراسة النبى. فبعد وفاة النبى قتل وحشى (مسيلمة الكذاب) رأس وقائد ثورة بنى حنيفة باليمامة. ومن أقوال وحشى الشهيرة ((قتلتُ خيرالناس (يعنى حمزة) وشرالناس (يعنى مسيلمة)
ولذلك أرى أهمية كتب تفسيرالقرآن وكتب أسباب النزول، لأنها تؤكد على العلاقة العضوية بين النص الدينى والواقع، وأنّ الواقع سابق على النص فى كثيرمن الآيات، وهوالمعنى الذى رآه عميد الثقافة المصرية (طه حسين) فى كتابه (مرآة الإسلام) وأرجومن القارىء أنْ يتأمل دلالة هذا العنوان، الذى تجاهله المفتى وهويكتب عن (خلل الفهم فى القرآن الكريم) كما تجاهل قول على بن أبى طالب لمحمد ((إنّ القرآن حمّـال أوجه)) تلك الجملة الشهيرة التى يتغافلها الأصوليون أمثال المفتى.
***