مساوئ الرأسمالية وتناقضات الاشتراكية

محمود يوسف بكير
2017 / 3 / 10

اكتشفت على كبر أن مبادئ ومفاهيم الاشتراكية أكثر من رائعة على الورق وفي الخطابات السياسية وكنت قد وقعت في حبها في مرحلة الشباب اثناء دراستي الجامعية في منتصف السبعينات في مصر. ولكنني بعدها تعلمت من خلال عملي في المجالات الاقتصادية المختلفة أن أعظم المبادئ والقيم لا تعني أي شيء دون ميزانية ودون قوة تستطيع تطبيقها على أرض الواقع.
وبعدما انتقلت للدراسة والعمل في الغرب حيث تعمقت في المفاهيم والنظريات الرأسمالية في مراحل مجدها وأفولها، اكتشف أنها تعاني هي الاخرى من اختلالات هيكلة عميقة كشفت عنها الأزمة المالية الخطيرة التي ضربت أمريكا وأوروبا سنة 2008. وكما كتبنا من قبل فإن هذه الازمة كانت نتيجة طبيعية لتحول الرأسمالية من نظام صناعي إنتاجي إلى نظام مالي خدمي مستهلك بشكلٍ أساسي خلال فترة العقدين الماضيين.
وكان السبب الرئيس لهذه الأزمة هو النظام المالي والمصرفي الفاسد في الغرب الذي حول الأسواق المالية والسلعية الى كازينوهات وانهمك في تقديم أنواع جديدة من المشتقات المالية المعقدة ليس لها أي وظيفة سوى المضاربة على كل شيء من العقارات الى الأصول المالية والسلعية والخامات الى الانسان ذاته بغرض تحقيق أكبر ربح ممكن.
وفي النهاية تحولت هذه الاصول إلى فقاعات كبيرة ما لبست أن انفجرت خلال أيام معدودة مولدة أزمات وكساد لازال العالم يعاني منها حتى الآن خاصة وأن الغرب بقيادة أمريكا تعامل مع الازمة بسياسات مالية غير تقليدية لا يعرف أحد ما ستسفر عنه من أثار جانبية خلال السنوات القادمة.
حيث لجأت الحكومة الأمريكية الي أموال دافعي الضرائب لإنقاذ الشركات والمؤسسات المالية العملاقة ، كما لجأ الاحتياطي الفيدرالي "البنك المركزي " الى طباعة النقود واغراق العالم بالدولار من أجل تحفيز الاقتصاد الأمريكي على النمو من جديد. بينما لجأت أوروبا في البداية الى معالجة الكساد من خلال برامج تقشفية ولما فشلت بدأت هي الأخرى في طباعة النقود وكذلك فعلت اليابان.
وبالرغم من كل هذا ظلت مساوئ الرأسمالية طافية على السطح ودون علاج حقيقي. ومن أبرز هذه المساوئ انخفاض معدلات النمو الاقتصادي في الغرب وارتفاع نسبة الدين العام الى الناتج القومي الاجمالي وتردي أحوال العمال وانخفاض دخولهم الحقيقية واتساع فجوة الدخل بين الأغنياء والفقراء وارتفاع كلفة التعليم الجيد والرعاية الصحية، هذا ناهيك عن مشاكل الاحتباس الحراري والتلوث البيئي نتيجة الشراهة في استخدام الوقود الأحفوري في مختلف الصناعات والنقل.
ولاستحالة استمرار هذه المنظومة الفاشلة فإن الحديث يدور الآن في الأوساط الاكاديمية في الغرب عن مرحلة ما بعد الرأسمالية وأسس جديدة لعلم الاقتصاد تمكن من التعامل مع الواقع الحالي وغير المسبوق بشكل فاعل، على أساس ان تجاهل المشاكل " على الطريقة العربية" لن يؤدي إلا إلى تفاقمها وتعقيد حلها.
والبعض في الغرب يتحدث أيضا عن حتمية الحل الاشتراكي وضرورة العودة إلى الأفكار الاشتراكية التي ظهرت في أواخر القرن الثامن عشر كرد فعل لبعض التطورات السلبية التي أدت اليها الثورة الصناعية ومنها استغلال الرأسماليين للعمال وتمتعهم بفائض العملية الإنتاجية وتنامي مشكلة فجوة الدخل بين الرأسماليين والعمال وكلها أوضاع مشابهة لما هو حاصل الآن.
وقتها قدم ماركس للعالم تحليلا اقتصاديا عميقا تنبأ من خلاله بأن النظام الرأسمالي بالرغم من قدرته على تحقيق معدلات نمو مرتفعة إلا أنه سيعاني دائما من عدم الاستقرار والأزمات الدورية ونوبات الكساد التي ستقود بالضرورة إلى معدلات بطالة مرتفعة بين العمال. كما توقع ان تؤدي هذه الأزمات المتكررة الى ثورة العمال وانهيار النظام الرأسمالي وقيام نظام اشتراكي تسيطر فيه الدولة على كل وسائل الإنتاج والتوزيع من خلال حكومة مركزية تهدف بشكلٍ أساسي إلى تحقيق نوع من العدالة الاجتماعية بين جميع المواطنين تحت الشعار الحالم والطوباوي "من كل بحسب قدرته ولكل بحسب حاجته "
وتوقع ماركس أن تتحول الاشتراكية لاحقا إلى شيوعية كاملة يصبح المجتمع فيها بلا طبقات وبدون ملكيات خاصة.
وبالطبع كان ماركس دقيقاً في توقعاته بشأن أزمات الرأسمالية ولكنه لم يكن كذلك إزاء توقعاته لمستقبل الاشتراكية التي انهارت بشكلٍ سريع وغير متوقع في الاتحاد السوفيتي ومن بعده دول أوروبا الشرقية وباقي دول العالم لتحل محلها نظم رأسمالية مهجنة، كما لم يقم العمال بثورة عالمية منسقة بالرغم من معاناتهم الواضحة وتعرضهم لعمليات نهب منظمة من جانب الرأسماليين.
والسبب في هذا يرجع الى نقص القدرات التنظيمية والفنية للعمال مقارنة بالرأسماليين وهي القدرات التي أهلت الرأسماليون للسيطرة على وسائل الإنتاج والتوزيع والعمال أنفسهم عبر التاريخ الإنساني. هذا ناهيك عن الاختلافات الثقافية والاثنية والدينية التي تحول دون توحد العمال في ثورة كونية ناجحة. أما الرأسماليون فليست لديهم هذه المشاكل والاختلافات حيث أن ثقافتهم ولغتهم ودينهم هو المال والربح ولذلك فإن التنسيق بينهم أسهل.
ولكن دعونا نفترض أن القيادات العمالية في بلد ما نجحت في القيام بثورة منظمة وناجحة وأنها تمكنت من خلال سيطرتها على وسائل الإنتاج من تحسين أحوال العمال ورفع مستوى معيشتهم. يفترض هنا حسب توقعات ماركس ان ينتقل هذا المجتمع الى المرحلة التالية للاشتراكية وهي الشيوعية الكاملة وانتفاء الملكيات الخاصة.
وهنا يمكننا القول بإن هذا أيضا تصور يصعب تحققه لما نلاحظه نحن الاقتصاديون من أن الانسان وبشكل غريزي وما ان يشبع حاجاته الأساسية إلا وتحولت ميوله من الاشتراكية إلى الرأسمالية حيث يصبح محبا للاكتناز والامتلاك والاستهلاك الترفيهي. ولي أصدقاء من أيام كلية الاقتصاد في جامعة القاهرة كانوا من رواد العمل الاشتراكي وهم الان يمتلكون عقارات في لندن بالإضافة إلى ما يمتلكونه في مصر وأصبحوا رأسماليين قلبا وقالبا.
وملاحظتي الخاصة هنا ومن خلال تتبعي لمسيرة الكثير من الافراد والمجتمعات أن المرحلة التالية للاشتراكية هي الرأسمالية وليست الشيوعية كما تنبأ ماركس. وعندما تستفحل مساؤي الرأسمالية يبدأ المتضررون في المطالبة بالاشتراكية من جديد. وهكذا يتحرك التاريخ الإنساني في دورات لا تنتهي عند نظام أبدي ثابت.
وأخيراً وأرجو الا أغضب زملائي الاشتراكيين هنا خاصة وانني واحد منهم ،ولكنني أرفض في ذات الوقت ان تمنعني أي أيديولوجية من حرية التفكير، اقول ان مقولة " من كل بحسب قدرته ولكل بحسب حاجته" والتي تمثل غاية النظام الاشتراكي مقولة غير قابلة للتنفيذ والتحقق على أرض الواقع، إذ كيف نقيس طاقة أي فرد وكيف نجبره على العطاء حسب قدرته كما نراها نحن؟ وكذلك كيف نحسب حاجات كل فرد وهي حاجات لا نهائية وتحكمها النسبية وغريزة الطمع التي جبلنا عليها منذ نشأتنا وحتي فنائنا؟ وهذه بالمناسبة هي المعضلة الأساسية التي من أجلها نشأ علم الاقتصاد والذي يسمى بعلم الندرة، أي ندرة الموارد وعجزها عن تلبية الاحتياجات التي لا حصر لها للإنسان.
والخلاصة أن العيب ليس في الاشتراكية التي هي أكثر إنسانية في مبادئها دون شك من الرأسمالية، ولكن العيب في الإنسان ذاته وطمعه غير المحدود. إنها حلم لن يتحقق أبدا.
ولكن ما هو الحل بعد فشل كل من الاشتراكية والرأسمالية وكل الاديان في إسعاد غالبية البشر وهم الفقراء؟
هناك الآن علاقات وقيم جديدة تطالب بها الحركات الشعوبية والقومية في أقصى اليمين وأقصى اليسار في جميع أنحاء العالم تطالب بإعادة صياغة منظومة الاقتصاد العالمي على النحو الذي يرعى مصالح الاغلبية الفقيرة ويحد من استمرار تركز الثروة في يد الأقلية.
وتوقعاتنا ان تيارت اليمين المتطرف واليسار الحالم هذه ستفشل كما فشلت من قبل لإن مافيا الرأسمالية والنيوليبرالية الحالية والتي تسيطر على كل مراكز صنع القرار السياسي والاقتصادي في العالم بما فيها الإعلام التقليدي وشركات التواصل الاجتماعي العملاقة التي تسيطر على عقول شباب اليوم على مستوى العالم لن تسمح بأي تغييرات درامية في النظام العالمي. بمعنى ان الفقير سيظل فقيرا ولكن وسائط الواقع الافتراضي التي يجري تطويرها بسرعة الآن ستجعل حياته مسلية وستأخذه بعيدا عن عالمه الحقيقي المؤلم الى عالم افتراضي جميل تتحقق فيه كل الاحلام.
وإذا أردت ان ترى دليلا على ما أقول يكفيك ان تنظر إلى شبابنا العربي في مدارسنا وجامعاتنا اللذين ضيعتهم الانترنت والفيسبوك واليوتيوب والهواتف المحمولة، انهم في غيبوبة تامة عن الواقع وأحوال أوطانهم وما ينتظرهم من مستقبل بائس.
في آخر زيارة لي لمصر سألت شابا جامعيا في عائلتنا عما إذا سمع عن كارل ماركس، فأجابني: نعم إنه كان قلب دفاع فريق البرازيل أيام زمان!
وتصبحون على خير.