الأصوليون وتحجر العقول

طلعت رضوان
2017 / 3 / 9

الأصوليون وتحجر العقول
طلعت رضوان
ماجدوى بحث المجامع الفقهية لتعريف (الربا)؟
وأليس الأجدى البحث عن مخرج لمعاناة الجماهير؟
أفتى د. على جمعة المفتى السابق فى برنامجه التليفزيونى (والله أعلم) أنّ شراء الاحتياجات باستخدام (الفيزا كارد) حرام شرعـًـا وأنّ الشراء بالتقسيط عليه فائدة، والرسول نهى عن بيع (الكالىء) لأنّ (الكالىء) يعنى (الدين بالدين) فطلب د. محمد عبداللطيف قنديل الأستاذ بجامعة الأزهربطرح الأمرعلى المجامع الفقهية لدراسة هذه (القضية الشائكة) وأوضح قنديل أنّ فتوى د.جمعة مُـعتبرة شرعـًـا، ولكنها فى حاجة إلى المزيد (من التأصيل) وطلب د. يوسف إبراهيم (مديرمركزالاقتصاد الإسلامى) بعقد جلسات موسّـعة لمناقشة المعاملات البنكية المُـستحدثة (للفصل) بين الحرام والحلال (صحيفة عقيدتى3يناير2017)
هذا الخبرالذى نشرته الصحيفة الإسلامية يستدعى الملاحظات التالية:
أولا: أنّ الأصوليين تجمّـدتْ عقولهم، أوأنهم أشبه (بأهل الكهف) الذين راحوا فى سبات عميق واستيقظوا بعد عدة قرون، وقد (عالجهم) توفيق الحكيم فى مسرحيته البديعة (أهل الكهف) أوأنهم (وفق الانجازالعلمى الحديث) أشبه بالإنسان الذى تعرّض للغيبوبة coma وهذه الغيبوبة تعنى أنّ عقولهم توقفتْ عند القرن السابع الميلادى، بينما يعيشون بأجسادهم فى العصرالحديث.
ثانيـًـا: هل كان الرسول وصحابته الذين يعتبرهم المفتى السابق قدوته، عرفوا (الفيزا كارد)؟
ثالثــًـا: وهل مفهوم الفائدة فى العصرالحديث، ينطبق عليه مفهوم (الربا الإسلامى)؟ أعتقد أنّ التفكيرالعقلانى يرى أنّ (تشريع الربا الإسلامى) كان ابن لحظة تاريخية مُـحـدّدة وبيئة مُـعينة، حيث كان (المُـقرض) يستغل ظروف (المُـقترض) ويفرض عليه (فائدة) عند سداد (الدين) ولم تكن البيئة العربية/ الإسلامية الوحيدة فى النظرإلى (الدائن والمدين) وعلاقة الاستغلال من جانب (الدائن/ المقرض) وإنما سادتْ فى أوروبا فى العصرالوسيط وهوما عالجه شكسبيرفى مسرحيته البديعة (تاجرالبندقية) حيث اشترط (المُـقرض) على (المُـقترض) اقتطاع أجزاء من جسده فى حالة عدم سداد الدين. أما بعد زوال العصورالوسطى- ومع بداية الثورة الصناعية، وانتشارالبنوك، أصبحتْ رسالة البنوك مختلفة عن دور(المُرابى) لأنها تأخذ الأموال من المودعين لتوظيفها فى النشاط الاقتصادى للوطن، فتمنح المودع نسبة تـُـسمى (فوائد) تشجيعـًـا على الايداع أوعلى الادخار(انظركتاب المستشارمحمد سعيد العشماوى " الربا والفائدة فى الإسلام")
رابعـًـا: ومما يدل على أنّ المفتى السابق مايزال يعيش (بعقله) فى القرن السابع الميلادى (بل وما قبله) أنه استخدم الألفاظ (المُـحنــّـطة) بنت تلك البيئة الرعوية، فاستخدم تعبير(بيع الكالىء) ولأنه أدرك أنّ هذا التعبيرلن يفهمه أحد فى عصرنا اضطرلشرحه.
خامسًـا: ومما يدل على أنّ المفتى السابق ليس وحده (المشغول) بتلك (القضية) التى لفظها التطورفى العصرالحديث، أنّ كلامه أثارجموع الأصوليين أمثاله، فطلب بعض أساتذة جامعة الأزهر((بطرح الأمرعلى (المجامع الفقهية) لدراسة (هذه القضية الشائكة) لأنها فى (حاجة لمزيد من التأصيل) وطلب آخر(مديرما يـُـسمى مركزالاقتصاد الاسلامى) بعقد جلسات (موسّـعة) لمناقشة المعاملات البنكية لبيان الحرام والحلال.
سادسًـا: فلماذا ينشغل هؤلاء الشيوخ/ الدكاترة بموضوع فوائد البنوك؟ وألايعنى ذلك أنهم ضد مفهوم (الدولة العصرية)؟ أم أنهم (بأسلوب غيرمباشر) يـُـروّجون للبنوك الإسلامية؟ أعتقد أنّ السؤال الثانى هومفتاح معرفة توجه هؤلاء الدكاترة الشيوخ كما فعل غيرهم أثناء كارثة شركات (نهب الأموال) الشهيرة باسم (توظيف الأموال)
سابعـًـا: هل يوجد (اقتصاد إسلامى) كما قال بعضهم؟ فهل (النشاط الاقتصادى) يـُــنسب للدين؟ وإذا جازذلك فهل يسمح أصحاب هذا التعبيرالزائف بوجود (اقتصاد يهودى) و(اقتصاد مسيحى)؟
ثامنـًـا: هل اتفق (أهل الفقه الإسلامى) على تعريف (واحد) حول مفهوم الربا و(الحرام والحلال)؟ أم اختلفوا؟ الواقع يقول (بالفم المليان) أنهم اختلفوا- ليس فى تعريف (الربا) فقط وإنما فى أشياء أخرى كثيرة، فبعد تأميم البنوك فى عهد عبدالناصر، وهيئة البريد الحكومية التى تعاملتْ مع (دفترالتوفيربالفوائد) لتشجيع المودعين، فإنّ شيخ الأزهراختلف مع المفتى (آنذاك) الأول رأى أنّ ((فوائد البنوك ربا يـُـحرّم على المسلمين اقترافه، ورأى المفتى أنّ التعامل مع بنوك الدولة ليست حرمًـا)) (د. كمال مغيث: الحركة الإسلامية فى مصر- مركزالدراسات والمعلومات القانونية لحقوق الإنسان- عام1997- ص158) وعندما أصدرعبدالناصرقانون الاصلاح الزراعى وتحديد الملكية، فإنّ الأزهرأيــّـد القانون (على أسس من مرجعية دينية) وعندما أصدرالسادات قانون إعادة الأراضى لأصحابها (مع تعويضهم) فإنّ المؤسسة الدينية الرسمية أيــّـدته (على أسس من مرجعية دينية) وهكذا فى عشرات الأمثلة.
وأعتقد أنّ أهم سؤال هو: كيف اختلف أعضاء الكهنوت الإسلامى بينما مرجعيتهم واحدة؟ وألايدل ذلك على تعدد وتشعب المذاهب الفقهية، واختلاف أصحابها مع بعضهم البعض؟ وفق التفاصيل المذهلة التى أوردها الشهرستانى فى كتابه (الملل والنحل)؟ فمن هوصاحب الفتوى السديدة؟ سؤال لايستطيع أى عقل حرالإجابة عليه، بينما يرى كل فريق من أصحاب المذاهب الفقهية أنهم (يمتلكون الصواب المطلق) وغيرهم (على ضلال مبين) ولذلك شد انتباهى ماكتبه أمين الخولى (حيث ذكــّـرنى بالشعارالسائد حاليـًـا حول ما يُسمى: تجديد الخطاب الدينى) بينما الخولى كتب مقالافى مجلة الرسالة- أول فبراير1933بعنوان (التجديد فى الدين) ذكرفيه أنّ هذا التجديد ((دعتْ إليه حاجة واضحة إلى هذا التجديد لمسايرة التقدم الإنسانى المتصل)) (المجددون فى الإسلام- هيئة الكتاب المصرية- عام2001- ص32) أى أنه لم يـُـطالب بتجديد (الخطاب الدينى) وإنما (التجديد فى الدين) ومع مراعاة أنّ أ. الخولى أحد المدافعين عن الإسلام، أى أنّ رأيه لايمكن الطعن عليه. فلماذا لايتعلم الدكاترة الشيوخ الذين لايعنيهم معاناة الشعب فى الحصول كيلوعدس، وإنما يعقدون الجلسات (الموسّـعة) لبحث الحلال والحرام فى التعامل مع البنوك؟ وهل يمكن أنْ يفيقوا (من غيبوبتهم)؟
000
هامش: أمين الخولى (1895- 1966) حفظ القرآن وهوفى العاشرة من عمره. وعـُـرف بزيه الأزهرى. وشارك فى ثورة1919ونـُـفى مع سعد زغلول إلى جزيرة سيشيل. وفى سنة1923عـُـين إمامًـا بالسفارة المصرية بروما. وفى سنة1927عمل فى وظيفة بالقضاء الشرعى. وهوزوج الكاتبة عائشة عبدالرحمن (بنت الشاطىء) المتخصصة فى الدراسات الإسلامية.
***