لماذا تحولت الكنائس إلى مساجد ؟

طلعت رضوان
2017 / 3 / 9


لماذا أمرعمربن الخطاب بختم أغناق (أهل الذمة) بالرصاص؟
يـُـصرالكهنوت الإسلامى على معاملة المصريين (المسيحيين) على أنهم (من أهلة الذمة) وهذا التعبيريعنى أنهم ليس من حقهم التمتع بأحد الحقوق التى أقرّتها المواثيق العالمية، وقد تأكــّـد ذلك بالبيان الذى أصدرته دارالإفتاء (المصرية) يوم7يناير2017(أى يوم الاحتفال بعيدهم) وجاء فى ذلك البيان أنه ((يجوزللمسيحيين فى الديارالمصرية بناء الكنائس فى ظل الدولة الإسلامية)) فلماذا استخدم من كتب هذا البيان من شيوخ دارالافتاء لفظ (يجوز)؟
إنّ أصغرطالب فى كليات الحقوق يعلم أنّ القانون (بهدف الصياغة المُـحكمة عند صدورأى قانون) يـُـفرّق بين لفظ (يجوز) ولفظ (يجب) الأول يعنى أنه من حق السلطة التنفيذية الموافقة على تنفيذ القانون، أومن حقها رفض تنفيذه، بينما لفظ (يجب) يعنى أنه على السلطة التنفيذية الالتزام بنص القانون وتنفيذ ما جاء به، ويشرح الأساتذة للطلاب أنّ لفظ (يجب) مصدره اللغوى (الوجوب) أى لاتستطيع السلطة التنفيذية (وليس من حقها) عدم تنفيذه. فلماذا اختارأعضاء الكهنوت الإسلامى بدارالإفتاء هذا اللفظ المُـراوغ، الذى يبدوفى ظاهره أنه مع بناء الكنائس، بينما هوفى حقيقة الأمرضد ذلك، لأنهم لوكانوا مع بناء الكنائس فإنّ الصياغة المُحكمة كانت تفرض عليهم استخدام لفظ (يجب) فهل كانوا يستطيعون استخدام هذا اللفظ؟ أم كان مؤشرعقولهم ينظرإلى المناخ الذى سيطرعليه (طغيان اللغة الدينية) سواء من المؤسسات الرسمية (الأزهروالمجالس التابعة له) أومن التنظيمات الإسلامية التى تعمل فوق وتحت الأرض؟ وأليس لفظ (يجوز) مثله مثل لفظ (الشورى) الإسلامى الذى يعنى أنّ من حق (خليفة المسلمين) الأخذ بمشورة من يستشيرهم أوالاعراض عن مشورتهم فلا يأخذ بها؟
وهل الموقف من بناء الكنائس له صلة بمُـجمل التراث العربى/ الأسلامى أم لا؟ وهل له صلة بالموقف العام ممن أطلق عليهم الإسلام تعبير(أهل الذمة) وتعبير(أهل الكتاب) أم لا؟ ذكرابن الأثيرأنّ الرسول ((نهى عن قراءة كتب أهل الكتاب)) (أسد الغابة فى معرفة الصحابة- ج1- دارالشعب المصرية- عام1970- ص282) أم أنّ موقف الكهنوت الإسلامى فى العصرالحديث من بناء الكنائس ومن المسيحيين عمومًـا متأثربماحدث فى غزوة (تبوك) حيث قال الرسول ((اغزوا الروم تنالوا بنات الأصفر)) (المصدرالسابق- ص327) وأليس هذا الموقف له علاقة بالمأثورالإسلامى الشهيرأنّ الإسلام نسخ المسيحية؟ (السيرة الحلبية- ج1- دارإحياء التراث العربى- لبنان- ص107) وأليس هذا الموقف له علاقة بما ورد فى القرآن من أنّ (الدين عند الله الإسلام)) و((من يبتغ غيرالإسلام دينــًـا فلن يـُـقبل منه وهوفى الآخرة من الخاسرين)) و((ولاتموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون)) (آل عمران/19، 85، 102) وأليستْ المرجعية الدينة هى سبب هذا الموقف من المسيحيين وتأثرالأصوليين بآية ((لقد كفرالذين قالوا إنّ الله هوالمسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئــًـا إنْ أراد أنْ يهلك المسيح ابن مريم وأمه..إلخ)) (المائدة/17، 72) وأليس الموقف العدائى من المسيحيين له علاقة بما قاله عمربن الخطاب لعمروبن العاص أنْ ((يختم فى رقاب أهل الذمة بالرصاص ويُـظهروا مناطقهم ويجزوا نواصيهم ويركبوا على الأكف عرضـًـا ولاتدعوهم يتشبـّـهون بالمسلمين فى لبوسهم)) (ابن عبدالحكم القرشى- فتوح مصروأخبارها- مؤسسة دارالتعاون للطبع والنشر- عام1974- ص105)
وهل هذا الموقف من بناء الكنائس منقطع الصلة عن تاريخ الخلافة الإسلامية، حيث ذكرابن إياس أنّ ((من أفعال الحاكم بأمرالله أنه هدم كنيسة وبنى مكانها مسجدًا (وهوما تكرّركثيرًا) وأمرالنصارى بأنْ يضعوا فى أعناقهم قرامى خشب وزن كل قرمة خمسة أرطال، وأمرهم بأنْ يضعوا فى أعناقهم صلبانــًـا من الحديد قدركل صليب ذراع. وأمرهم بأنْ لايركبوا بهيمة فى الأسواق)) أومافعله المعزلدين الله حيث ((منع القبط من الاحتفال بعيد النيروز. ومنعهم من الاحتفال بليلة الغطاس ومن نزول المراكب، وهدّد من يفعل ذلك بالشنق)) وهوما تكرّرفى خلافة الظاهرلدين الله (بدائع الزهورفى وقائع الدهور- ج1- هيئة الكتاب المصرية- عام1982- ص190، 200، 213) وهل ينفصل ماحدث من هدم الكنائس عن الشعرالعربى بنكهته الإسلامية مثل ((أيا أهل دين الكفربالله فاعجبوا.. لـِما قد جرى فى عصرنا وتجددا.. ألا إنّ موسى قد أتانا وقومه.. وعيسى جميعـًـا ينصرون محمدًا)) (المصدرالسابق- ص263) أى أنّ هذا (الشاعر) يرى ضرورة أنْ ينضم اليهود والمسيحيين إلى الإسلام. وذكرالواقدى أنّ خالد بن الوليد قال لأحد قساوسة الشام ((يا عدوالله. أردتَ أمرًا وأراد الله خلافه. ثم عرض عليه الإسلام فأبى (= رفض) وقال: أنا هربتُ منكم من الشام ثم أوقعنى المسيح فى أيديكم، وما أظن إلاّ أنّ المسيح مسلم، فافعل ما أردت. فأمرخالد بضرب عنقه)) (فتوح الشام- ج2 مكتبة ومطبعة المشهد الحسينى- ص39)
وفى العصرالحديث أصدرمكتب الإرشاد بالإخوان المسلمين فتوى بخصوص بناء الكنائس، جاء بها إنّ الأمرعلى ثلاثة أقسام الأول: بلاد أحدثها المسلمون كالمعادى والعاشرمن رمضان وحلوان، وهذه البلاد (الأدق المدن) وأمثالها لايجوزفيها إحداث (الأدق بناء) كنيسة. الثانى: مافتحه المسلمون من البلاد بالقوة كالإسكندرية بمصر، فهذه أيضًـا لايجوزالبناء فيها. وقال بعض الفقهاء بوجوب هدمها لأنها مملوكة للمسلمين. الثالث: مافتح صلحـًـا، والمختارهوإبقاء ماوُجد بها من كنائس ومنع بناء أوإعادة ماهـُـدم منها)) (كتاب المواطنة فى مصر- الجمعية المصرية لدراسات الوحدة الوطنية- عام2006) والخلاصة أنّ دارالافتاء ردّدتْ كلام عتاة الأصوليين.
000
هامش: ابن إياس (1448- 1524) مؤرخ مصرى، شهد الغزوالعثمانى على مصر(1517) وكتابه (بدائع الزهور) من أهم المصادرعن تلك الفترة. ويرى من أرّخوا لحياته إنه كان (فى تأريخه) لأحداث التاريخ يتميزبالنزاهة والموضوعية دون محاباه أوتحيز. ومن أعماله (عقود الجمان فى وقائع الأرمان) و(نزهة الأمم فى العجائب والحكم) إلخ.
***